الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الضابط الأول: تفسير اللفظ بما لا يدل عليه بحال:
وهذا الضابط مهم جدًّا، ولا يُتوصل إلى معرفته وضبطه إلا بمعرفة أصول التفسير؛ إذ الجاهل قد يقع في الخطأ ولا يعلم به.
ومعرفة ما يرتبط باللفظ من مدلولات جائزة يخرج عن هذا الانحراف؛ إذ قد يُفسَّر اللفظ بجزء من معناه أو بلازم معناه، أو يفسَّر بشخص يكون على سبيل التمثيل، وليس على سبيل القصد الأول كما هو الحال في هذه التفسيرات المنحرفة.
والمقصود أن بعض التفاسير التي قد تكون صورتها على هذا السبيل يمكن توجيهها وقبولها على وجه من الصواب ما دام بينها وبين اللفظ شيء من العلاقة التي لا يأباها اللفظ ولا السياق.
أما ما ذكره شيخ الإسلام من الأمثلة فليس هناك ما يربط اللفظ المفسَّر باللفظِ المفسِّر البتة، بل فيه خروج باللفظ من مدلوله، وخروج بالسياق عن معناه المراد به، والسياق بهذا التفسير يكون مفكَّكًا غير مترابط، وما قال من قال بهذا التفسير المنحرف إلا بسبب اعتقاده الفاسد.
الضابط الثاني: جعل اللفظ العام منحصرًا في شخص واحد:
قد سبق أن طرح شيخ الإسلام موضوعًا مرتبطًا بهذه المسألة عند حديثه عن تفسير اللفظ العام بمثال له (1)، وقد قال: «والناس وإن تنازعوا في اللفظ العام الوارد على سبب هل يختص بسببه أم لا؟ فلم يقل أحد من علماء المسلمين أن عمومات الكتاب والسنة تختص بالشخص المعين، وإنما غاية ما يقال: إنها تختص بنوع ذلك الشخص فيعم ما يشبهه، ولا يكون العموم فيها بحسب اللفظ.
(1) ينظر (ص:65) من هذا الكتاب.
والآية التي لها سبب معين إن كانت أمرًا ونهيًا فهي متناولة لذلك الشخص ولغيره ممن كان بمنْزلته، وإن كانت خبرًا بمدح أو ذم فهي متناولة لذلك الشخص وغيره ممن كان بمنْزلته».
وعلى هذا فإن من زعم أن آية نزلت في شخص معين، ولا يدخل معه غيره، فذلك دليل بطلان زعمه؛ لأن ذلك يدل على عدم العمل بالآية، وأن تفسيرها قد توقف عند ذلك المعين فقط.
وإذا تأملت بعض تفسيرات الرافضة في هذا الباب وجدتهم يأتون إلى آيات لا علاقة لها بالموضوع الذي يريدون إثباته فيحملون الآية عليه، كما فعلوا في تفسير {عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ} بأنه علي بن أبي طالب، أو يأتون إلى آيات نزلت في شأن لا علاقة لها بالتفسير الذي يفسرون به؛ كتفسيرهم {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ} بأنهما أبو بكر وعمر، أو يذكرون سبب النُّزول ـ وهو مكذوب ـ في علي رضي الله عنه، ولا يستجيزون دخول غيره معه، كما مرَّ في بعض النقول عن الطوسي (ت:460).
ويدخل معهم بعض المتصوفة والعباد الذين يفسرون بهذه الطريقة العجيبة، وقد ذكر شيخ الإسلام بعض أمثلة لهم، فهؤلاء كلهم قد خرجوا باللفظ العام إلى تخصيصات لا يدل عليها الدليل، ولا يصلح أن تكون هي المرادة وحدها في التنْزيل، لكنه الجهل أو التعصب، وقانا الله شرَّهما.
مسألة: قد يقول قائل: ما الفرق بين ما نجده من تفسيرات للسلف فيها حمل للعموم على أشخاص، فيقولون: إنها نزلت في فلان، مع ملاحظة أن الشخص المذكور أو حاله إنما كان بعد نزول الآيات أو بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا مشكل من هذه الجهة؟.
الجواب: إنه قد سبق الإشارة إلى شيءٍ من جواب هذه المسألة، وأوضِّح الفرق هنا فأقول:
1 -
إنه ليس في عبارة من فسَّر من السلف دلالة على التخصيص، بل
هو يذكره على سبيل المثال فحسب، وهو من باب تنْزيل الآيات على ما يناسبها من الأشخاص والأحوال، لذا يمكن أن يدخل معه غيره ممن يصدق فيه الوصف العام المذكور في الآية.
2 -
إنَّ ما يذكرونه مما تدلُّ عليه الآية دلالة واضحة حيث إنه داخل في عموم معنى اللفظ، بخلاف هذه التفسيرات التي لا تدل على التفسير بالمثال، كالتمثيل المذكور في آية سورة الفتح {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا} [الفتح: 29].
3 -
إن السياق لا ينبو عن تفسيرات السلف التمثيلية بخلاف التفسيرات التي لا تمتُّ بأي صلة؛ كالتفسيرات التي ذكرها عمن فسَّر التين والزيتون بتلك التفسيرات العجيبة، أو من فسر يدا أبي لهب بأن المقصود منهما أبو بكر وعمر حاشاهما عن ذلك.
تنبيه:
مما يحسن التنبُّه له أنه لا يجوز حمل القرآن على أسباب ثبت أنها مكذوبة؛ كالسبب المذكور في نزول آية {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} [المائدة: 55]، فهذا السبب لو كان صحيحًا لما كان دالاً على تخصيص علي رضي الله عنه بهذه الخصيصة التي يزعمها الرافضة بل يجوز حملها على غيره على سبيل العبرة بعموم اللفظ؛ كما هو الحال في تفسير الآية النازلة على سبب.
لكن هذه الواقعة المذكورة مكذوبة لا يجوز التفسير بها، ولو كانت ثابتة بعد نزول الآية مثلاً، ثم ذُكِرت مثالاً للآية أو استُشهِد بها في تفسير الآية لاحتمل قبولها من جهة دلالة المعنى العام لإيتاء الزكاة عليها، لكن هذه الحادثة غير مقبولة بأي وجه من هذه الوجوه التي يُقبل فيها التمثيل أو الاستشهاد لكونها كذبًا.
ويدخل في ذلك تفسيرات غلاة الصوفية الذين يفسرون القرآن بغير
ما دل عليه ظاهر الشريعة، وقد أشار إلى ذلك شيخ الإسلام فقال: «ويفسرون القرآن بما يوافق باطنهم الباطل كقوله: {مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ} : فهي التي خطت بهم فغرقوا في بحار العلم بالله.
وقولهم: إن العذاب مشتق من العذوبة.
ويقولون: إن كلام نوح في حق قومه ثناء عليهم بلسان الذم.
ويفسرون قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} بعلم الظاهر، بل {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} فلا يعلمون غيره، {وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ} فلا يسمعون من غيره ولا يرون غيره، فإنه لا غير له فلا يرون غيره.
ويقولون في قوله: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَاّ تَعْبُدُوا إِلَاّ إِيَّاهُ} : إن معناه: قدّر ذلك لأنه ليس ثم موجود سواه فلا يتصور أن يعبد غيره، فكل من عبد الأصنام والعجل ما عبد غيره؛ لأنه ما ثَمَّ غيرٌ. وأمثال هذه التأويلات والتفسيرات التي يَعلم كل مؤمن وكل يهودي ونصراني علمًا ضروريًا أنها مخالفة لما جاءت به الرسل؛ كموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليهم أجمعين.
وجماع القول في ذلك أن هذا الباب نوعان:
أحدهما: أن يكون المعنى المذكور باطلاً؛ لكونه مخالفًا لما علم فهذا هو في نفسه باطل، فلا يكون الدليل عليه إلا باطلاً؛ لأن الباطل لا يكون عليه دليل يقتضي أنه حق.
والثاني: ما كان في نفسه حقًا، لكن يستدلون عليه من القرآن والحديث بألفاظ لم يُرَدْ بها ذلك فهذا الذي يسمونه إشارات، وحقائق التفسير لأبي عبد الرحمن فيه من هذا الباب شيء كثير.
وأما النوع الأول: فيوجد كثيرًا في كلام القرامطة والفلاسفة المخالفين
للمسلمين في أصول دينهم، فإن من عَلِمَ أن السابقين الأولين قد رضي الله عنهم ورضوا عنه عَلِمَ أن كل ما يذكرونه على خلاف ذلك، فهو باطل.
ومن أقرَّ بوجوب الصلوات الخمس على كل أحد ما دام عقله حاضرًا = عَلِمَ أن من تأوَّلَ نصًّا على سقوط ذلك عن بعضهم؛ فقد افترى.
ومن عَلِمَ أن الخمرَ والفواحشَ محرمةٌ على كل أحد = ما دام عقله حاضرًا = عَلِمَ أن من تأوَّل نصًّا يقتضي تحليل ذلك لبعض الناس أنه مفترٍ.
وأما النوع الثاني: فهو الذي يشتبه كثيرًا على بعض الناس، فإن المعنى يكون صحيحًا لدلالة الكتاب والسنة عليه، ولكن الشأن في كون اللفظ الذي يذكرونه دلَّ عليه، وهذان قسمان:
أحدهما: أن يقال: إن ذلك المعنى مراد باللفظ فهذا افتراء على الله، فمن قال: المراد بقوله: {تَذْبَحُوا بَقَرَةً} : هي النفس.
وبقوله: {اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ} : هو القلب.
{وَالَّذِينَ مَعَهُ} : أبو بكر. {أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ} : عمر. {رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} : عثمان. {تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا} : علي = فقد كذب على الله؛ إما متعمدًا، وإما مخطئًا.
والقسم الثاني: أن يجعل ذلك من باب الاعتبار والقياس، لا من باب دلالة اللفظ، فهذا من نوع القياس، فالذي تسميه الفقهاء قياسًا هو الذي تسميه الصوفية إشارة، وهذا ينقسم إلى صحيح وباطل؛ كانقسام القياس إلى ذلك، فمن سمع قول الله تعالى:{لَا يَمَسُّهُ إِلَاّ الْمُطَهَّرُونَ} وقال: إنه اللوح المحفوظ أو المصحف، فقال: كما أنَّ اللوح المحفوظ الذي كُتِبَ فيه حروف القرآن لا يمسه إلا بدن طاهر فمعاني القرآن لا يذوقها إلا القلوب الطاهرة، وهي قلوب المتقين = كان هذا معنًى صحيحًا واعتبارًا صحيحًا، ولهذا يروى هذا عن طائفة من السلف.