الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الرأي في التفسير:
بعد أن أنهى شيخ الإسلام الحديث عن أحسن طرق التفسير ذكر عددًا من القضايا المتعلقة بالتفسير بالرأي (1)، وهي:
1 -
حكم التفسير بالرأي المجرد.
2 -
الأحاديث الناهية عن ذلك.
3 -
تحرج جماعة من السلف عن تفسير ما لا علم لهم به، والمقصود بتحرج هؤلاء.
ثمَّ ختم الرسالة بحديث ابن عباس في تقسيم التفسير.
مسألة التفسير بمجرد الرأي، وموقف السلف من تفسير القرآن بالرأي:
إنَّ التفسير بمجرد الرأي، دون أن يكون مستندًا على دليل علميٍّ صحيح، وأسلوبٍ علمي معتبر يُعتبرُ تفسيرًا بالرأي المذموم، وهو حرام، والأحاديث التي أوردها شيخ الإسلام من رواية الترمذي ـ مع أنها لا تصح؛ لضعفها ـ إلا أنَّ فيها من المعنى ما هو حقٌّ تشهد له نصوص أخرى، ومن
= وتقرير، ولعل الله يوفق لها من يقوم ببحثها.
(1)
تحدثت عن التفسير بالرأي في كتابي فصول في أصول التفسير (ص:47 ـ 52)، مقدمة كتابي مفهوم التفسير والتأويل والاستنباط والتدبر والمفسر، ومقالات في علوم القرآن وأصول التفسير (ص:209 ـ 229)، وقد كتب فيه الدكتور محمد زغلول كتابًا بعنوان: التفسير بالرأي قواعده وضوابطه وأعلامه، نشر مكتبة الفارابي بدمشق.
ذلك قوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33]، فجعل القول عليه بغير علم من المحرمات، والتفسير قول على الله، فإن كان بغير علم كان من المحرمات كما ورد في الآية.
وهذا النوع من الرأي هو الذي نهى عنه السلف، وعليه تُحمل نصوصهم الواردة في النهي عن الرأي في التفسير، والله أعلم.
أما ما ورد من تحرُّجهم من التفسير، فهم على قسمين:
القسم الأول: من لم يقل في التفسير تحرُّجًا، وندرت عنه الرواية في ذلك؛ كعروة بن الزبير (ت:93)، الذي قال عنه ابنه هشام (ت:146): «ما سمعت أبي يتأوَّل آية من كتاب الله قط» .
ويلاحظ أنَّ هذا المذهب لم يرد عن أحد الصحابة، ولم يُنقل أنَّ أحد أعلام الصحابة الكرام توقَّف عن عموم التفسير تحرُّجًا سوى الرواية التي أوردها الطبري عن جندب بن عبد الله البجلي (ت: بعد 60)، فقد جاء في الرواية أن طلق بن حبيب سأله عن آية من القرآن، فقال له:«أُحرِّج عليك إن كنت مسلمًا لما قمتَ عني، أو قال: أن تجالسني» (1).
وهذه الرواية قد تكون من أجل مسألة مشكلة، ولا يلزم منها أنه كان يمتنع عن عموم التفسير، وإن كان الأمران محتملين.
القسم الثاني: من وردت عنه أقوال في التفسير، وورد عنه التوقف في بعض التفسيرات من باب التحرُّج؛ كسعيد بن المسيِّب.
ويمكن ملاحظة أنَّ هؤلاء لم يكونوا يحرصون على الاجتهاد في التفسير، مع أنهم يملكون أدواته، وإنما كانوا يتكلمون في المعلوم من التفسير، وهو المنقول لهم عمَّن قبلهم من الصحابة أو بعض أقرانهم، لذا قد
(1) تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (1:86).
ترد في بعض تفسيراتهم بعض الغرائب المتعلقة بأخبار بني إسرائيل لأجل هذا السبب، وهو أنهم ينقلون ما وردهم، ولا يجتهدون اجتهادًا خاصًّا.
والتوقف في الاجتهاد في بعض الآيات ورد عن القليل من الصحابة ممن تعرضوا للتفسير؛ كما هو الوارد عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما في التوقف في تفسير الأبِّ من قوله تعالى: {وَفَاكِهَةً وَأَبًّا} [عبس: 31].
وقد ظهر التحرُّجُ بنوعيه في طبقة التابعين:
الأولى: بعض علماء أهل المدينة، قال عبيد الله بن عمر:«لقد أدركت فقهاء المدينة، وإنهم ليغلظون القول في التفسير؛ منهم: سالم بن عبد الله، والقاسم بن محمد، وسعيد بن المسيب، ونافع» (1).
الثانية: بعض علماء أهل الكوفة، قال عنهم إبراهيم النخعي:«كان أصحابنا يتقون التفسير ويهابونه» (2)، ويقصد بأصحابه: علماء الكوفة من التابعين.
وهذا هو ظاهر الآثار ـ التي نقلها شيخ الإسلام وغيره ـ عن المتحرِّجين من التفسير، أما علماء التفسير من أهل مكة وأهل البصرة وبعض أهل المدينة، فكان لهم قدم السبق في الاجتهاد في التفسير.
وهذا التحرُّجُ لا يعني أنهم لا يفهمون معاني القرآن، وإنما هو مذهب خاصٌّ بمن توقَّف عن التفسير، ولم يرَ أن يكون من المفسِّرين تورُّعًا منه، مع قيام غيره به، فكأنَّه قد كُفيَ ذلك الأمر.
مسألة في تَحرُّج أبي بكر من القول بالرأي في الأبِّ، وقوله به في الكلالة:
قد يقول قائل: لم توقَّف الصِّديق في تفسير لفظ الأبِّ من قوله تعالى:
(1) تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (1:85).
(2)
فضائل القرآن، لأبي عبيد القاسم بن سلام، تحقيق: وهبي سليمان غاوجي (ص:229).
{وَفَاكِهَةً وَأَبًّا} [عبس: 31]، فقال:«أي أرض تقلني، وأي سماءٍ تُظلني إذا قلت في القرآن برأيي، أو بما لا أعلم؟» (1)، وقال برأيه في الكلالة في قوله تعالى:{وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ وَصِيَّةً} [النساء: 12]، فقد روى الشعبي (ت:103) عنه قال: «إني قد رأيت في الكلالة رأيًا، فإن يكن صوابًا فمن الله وحده لا شريك له، وإن يكن خطأً فمني ومن الشيطان، والله منه بريء
…
» (2)؟.
فالجواب:
1 -
أنَّ جهل معنى «الأبِّ» كمفردة لا يؤثر على فهم المعنى العامِّ للآية، فهو ظاهر أنه نبات، لكنَّ تحديد نوعه عنده غير ظاهرٍ، بخلاف الكلالة التي يتأثر بعدم معرفتها معرفة حكم الله.
2 -
أنَّ أبا بكر كان عالم الأمة ومسؤولها الأول، والكلالة تحتاج إلى اجتهاد لبيان حكم الله في هذه المسألة العملية، فكان قوله بها مما لا بدَّ منه، بخلاف معنى «الأبِّ» الذي لو جُهِلَ معناه لم يكن له مثل هذا الأثر.
أثر ابن عباس في تقسيم التفسير:
أورد شيخ الإسلام أثر ابن عباس (ت:68) في تقسيم التفسير، وختم به الكتاب، وفيه الدلالة على أنَّ العلماء يقولون بما يعلمون من التفسير، ويسكتون عما لا يعلمون، فما كان غير معلومٍ لم يقولوا به، ويدخل في ذلك ما لا يعلمه إلا الله، كما يدخل فيه ما يجهلونه مما يعلمه غيرهم،
(1) تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (1:78).
(2)
تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (8:53).
وهذا هو المتشابه النسبي الذي إن خَفِيَ على بعضهم فإنه لا يلزم خفاؤه عن الجميع بخلاف الذي لا يعلمه إلا الله فإنه يخفى على جميع الناس (1).
(1) قد شرحت هذا الحديث شرحًا موجزًا في كتاب فصول في أصول التفسير (ص:17 ـ 18)، وكذا كتاب مقالات في علوم القرآن وأصول التفسير (ص:121 ـ 126)، وأشرت فيه إلى شرح الماوردي (ت:450) لهذا الأثر في تفسيره المعنون بالنكت والعيون (1:37 ـ 38).