الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الأول: أنه كان يعرف الرسم الذي كُتِبت به هذه الكتب، وهذا احتمال بعيد جدًّا (1).
الثاني: أنها كانت تُترجم له.
4 -
وإذا كانت تُترجَم له، فمن ذا الذي كان يُترجم له؟.
هذه الأسئلة تحتاج إلى بحث خاصٍ، وهي جديرة بالعناية؛ لأنها تحلُّ غموضًا في سيرة عبد الله بن عمرو وهاتين الزاملتين، وما ترتَّب عنهما من أنه كان يحدِّث عن بني إسرائيل.
أقول بعد ذلك: لو ثبت خبر الصحيفتين، وأنَّ عبد الله كان يُحدِّث منهما، فالأمر كما قال شيخ الإسلام:«فكان يحدث منهما بما فهمه من هذا الحديث من الإذن في ذلك» .
مسألة في قول الإمام أحمد في كتب التفسير:
قال شيخ الإسلام: «
…
فالمقصود أن المنقولات التي يحتاج إليها في الدين قد نصب الله الأدلة على بيان ما فيها من صحيح وغيره، ومعلوم أن المنقول في التفسير أكثره كالمنقول في المغازي والملاحم، ولهذا قال الإمام
(1) قال الإمام أحمد: «ثنا قتيبة، ثنا ابن لهيعة، عن واهب بن عبد الله، عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: رأيت فيما يرى النائم كأن في إحدى أصبعي سمنًا، وفي الأخرى عسلاً، فأنا ألعقهما، فلما أصبحت ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «تقرأ الكتابين: التوراة والفرقان» ، فكان يقرؤهما». مسند أحمد (2:222).
وعلَّق الذهبي في سير أعلام النبلاء على هذا الخبر، فقال: «ابن لهيعة ضعيف الحديث، وهذا خبر منكر، ولا يشرع لأحد بعد نزول القرآن أن يقرأ التوراة، ولا أن يحفظها؛ لكونها مبدلة محرفة منسوخة العمل قد اختلط فيها الحق بالباطل، فلتجتنب، فأما النظر فيها للاعتبار وللرد على اليهود فلا بأس بذلك للرجل العالم قليلاً، والإعراض أولى.
فأما ما رُوِيَ من أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن لعبد الله أن يقوم بالقرآن ليلة وبالتوراة ليلة، فكذب موضوع، قبَّح الله من افتراه
…
» سير أعلام النبلاء (3:86).
أحمد: ثلاثة أمور ليس لها إسناد: التفسير، والملاحم، والمغازي ـ ويروى: ليس لها أصل؛ أي: إسناد؛ لأن الغالب عليها المراسيل، مثل ما يذكره عروة بن الزبير، والشعبي، والزهري، وموسى بن عقبة، وابن إسحاق ومن بعدهم؛ كيحيى بن سعيد الأموي، والوليد بن مسلم، والواقدي ونحوهم في المغازي».
تأتي عن الإمام أحمد (ت:241) بعض العبارات المجملة التي لا يُدرى المراد بها على وجه التحديد؛ لأنها لم تلق تفسيرًا منه.
ومن هذه الروايات المجملة هذه الرواية التي اختلفت فيها تخريجات العلماءِ، وتباينت فيها آراؤهم، فقد روى الخطيب البغدادي (ت:463) بسنده هذا الأثر عن أحمد بن حنبل (ت:241)، ثم قال في شرح هذه العبارة:«وهذا الكلام محمول على وجه، وهو أنَّ المراد به كتب مخصوصة في هذه المعاني الثلاثة غير معتمد عليها، ولا موثوق بصحتها لسوء أحوال مصنفيها وعدم عدالة ناقليها وزيادات القصاص فيها» (1).
وهذا التخريج فيه نظر؛ إذ ليس في عبارة الإمام أحمد (ت:241) ما يدلُّ عليه، وما تلك التخريجات إلا للغموض والإجمال في تلك العبارة التي قالها الإمام أحمد بن حنبل (ت:241).
ولو عُرِفَ المراد بالتحديد بمصطلح «إسناد» أو مصطلح «أصول» الذي جاءت به الرواية عن الإمام أحمد لحُلَّ المراد بقوله، ولزال الإشكال.
وأقرب ما يمكن تفسيرها به أن يكون أراد الإسناد المرفوع للنبي صلى الله عليه وسلم، وهذا التخريج لعبارة الإمام أحمد (ت:241) هو الذي أشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية (ت:728) في عبارته السابقة حيث ذكر المراسيل التي يقابلها المسند المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قال:«ويروى: ليس لها أصل؛ أي: إسناد؛ لأن الغالب عليها المراسيل» .
(1) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (2:162).
كما نصَّ في كتابه منهاج السنة على ذلك فقال: «وأما أحاديث سبب النّزول فغالبها مرسل ليس بمسند، ولهذا قال الإمام أحمد بن حنبل: ثلاثة علوم لا إسناد لها ـ وفي لفظ: ليس لها أصل ـ التفسير والمغازي والملاحم، ويعني أن أحاديثها مرسلة» (1).
وهذا يشير إلى أن مراد الإمام أحمد (ت:241) بالتفسير أسباب النُّزول خاصة، والحقيقة أن أسباب النُّزول جزء من علم التفسير، وهي نوعان:
الأول: أسباب النُّزول الصريحة، وهذه التي يقع فيها الإرسال؛ لأن التابعي أو من بعده ينسب الحدث إلى عصر الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو لم يشاهده قطعًا، وهذا هو الإرسال في الرواية.
الثاني: أسباب نزول غير صريحة، وهذه تدخل في باب التفسير بالرأي؛ لأنَّ المفسر إذا ذكر حدثًا معيَّنًا، وصدَّره بعبارة النُّزول، فليس يلزم أن يكون مراده أنه سبب النُّزول المباشر، بل يريد التنبيه على دخول هذا الحدث في معنى الآية.
لكن المطَّلِع على التفسير المروي عن السلف عمومًا يجد أن المرويَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم قليل جدًّا، ويمكن أن يكون مراد الإمام أحمد (ت:241) بمصطلح الإسناد: المرفوع فحسب، وهذا يصدق على هذه العلوم الثلاثة التي ذكرها حيث يكثر إسناد أخبارها إلى من بعد الصحابة، وهي تشترك في أنها أخبار روائية لا يمكن إدراكها بغير الخبر، فالمخبِر إما أن يكون سامعًا وإما أن يكون مشاهدًا، وهذا لا يتحقق إلا للصحابي فقط، والله أعلم.
(1) منهاج السنة النبوية (7:435).