المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌تفسير القرآن بالقرآن - شرح مقدمة في أصول التفسير لابن تيمية

[مساعد الطيار]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة الطبعة الثانية

- ‌أولاً: ما يتعلق بالمقدمة:

- ‌ثانيًا: ما يتعلق بشرح هذه المقدمة:

- ‌مدخل إلى رسالة شيخ الإسلام

- ‌أهم طبعات المقدمة:

- ‌عنوان هذه المقدمة:

- ‌متى كتب شيخ الإسلام المقدمة

- ‌من أفاد من المقدمة:

- ‌الموضوعات التي طرقتها المقدمة:

- ‌مقدمة المؤلف

- ‌شرح مقدمة المؤلف

- ‌ سبب تأليف هذه المقدمة

- ‌ التفسير إما منقول وإما معقول

- ‌ أن تحديد المنقول والمعقول من التفسير قضية نسبية تختلف باختلاف العصر

- ‌ من بلغ درجة الاجتهاد في التفسير في العصر الحاضر فإن له مجالين:

- ‌تعلم تفسير القرآن من فروض الكفايات

- ‌بيان النبي صلى الله عليه وسلم معاني القرآن لأصحابه رضي الله عنهم

- ‌شرح بيان النبي صلى الله عليه وسلم معاني القرآن لأصحابه رضي الله عنهم

- ‌أولاً: موضوع البيان النبويِّ للقرآن:

- ‌ هل فسَّر النبي صلى الله عليه وسلم القرآن كله، أم فسَّر بعضَه

- ‌من زعم أنه لم يبين لهم معاني القرآن، أو أنه بيَّنها، وكتموها عن التابعين

- ‌فقولنا بتفسير الصحابة والتابعين لعلمنا بأنهم بلغوا عن الرسول صلى الله عليه وسلم ما لم يصل إلينا إلا بطريقهم

- ‌ البيان النبوي للقرآن على قسمين:

- ‌ السنة شارحة للقرآن ومبينة له

- ‌ في القرآن ما لا يُعلم تفسيره إلا من جهة النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌ لا يوجد في القرآن ما لا يُعلم معناه

- ‌ لا يوجد في القرآن ما خفِيَ علمه على الصحابة

- ‌ لا يوجد في تفسير القرآن ما أخفاه الرسول صلى الله عليه وسلم عن الصحابة رضي الله عنهم

- ‌ كلام شيخ الإسلام من حيث وجود بيان لجميع القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بجميع ألفاظه وجُمَلِهِ فيه إشكالٌ

- ‌بيان ما تدل عليه الآثار من أن النبي صلى الله عليه وسلم بيّن لهم ما يحتاجون إليه:

- ‌ثانيًا: اهتمام الصحابة بتعلُّم معاني القرآن

- ‌ثالثًا: قِلَّةُ النِّزاع بين الصحابة في التفسير:

- ‌ أمثلة للاختلاف الوارد عن الصحابة رضي الله عنهم:

- ‌رابعًا: أنَّ من التابعين من تلقّى جميع التفسير من الصحابة:

- ‌خامسًا: أن التابعين قد يتكلمون في التفسير بالاستنباط والاستدلال:

- ‌اختلاف التنوع واختلاف التضاد في تفسير السلف

- ‌معرفة سبب النُّزول يُعينُ على فهم الآية

- ‌شرح اختلاف التنوع واختلاف التضاد في تفسير السلف

- ‌المسألة الأولى: في تعريف اختلاف التنوع واختلاف التضاد:

- ‌أولاً: اختلاف التنوع:

- ‌اختلاف التنوع في التفسير نوعان:

- ‌ثانيًا: اختلاف التضاد:

- ‌المسألة الثانية: في نوعي الاختلاف اللذَين يكثران في تفسير سلف الأمة:

- ‌الصنف الأول:

- ‌ ذكر رحمه الله أنَّ التفسير يختلف باختلاف مقصود السائلِ

- ‌المثال الأول:

- ‌المثال الثاني:

- ‌الصنف الثاني:

- ‌فائدةُ التفسير بالمثال:

- ‌ إن التفسير بالمثال لا يفيد الحصرَ

- ‌المسألة الثالثة: تنبيهات تتعلق بأسباب النُّزول

- ‌المسألة الأولى:أنَّ الآية لا تختصُّ بالشخصِ المعيَّنِ دون غيرِه

- ‌المسألة الثانية:دخول ما يشبه حال ذلك الشخص في معنى الآية الواردة على سبب من طريقين:

- ‌ أن دخول غير السبب من باب تعميم اللفظ أقوى من دخوله من باب القياس

- ‌مسألة في أثر معرفة سبب النُّزول:

- ‌قال شيخ الإسلام: «ومعرفة سبب النُّزول يعين على فهم الآية

- ‌مسألة في قولهم: نزلت هذه الآية في كذا:

- ‌أمثلة لصيغة (نزلت في) عند البخاري:

- ‌ورود صيغة «فأنزل الله» «فنَزلت» في غير سبب النُّزول المباشر:

- ‌الاحتمالات الواردة على نزول الآية إذا ورد فيها أكثر من سبب:

- ‌الاحتمال الأول: أن تكون الآية نزلت عقب هذه الأسباب، فيكون أكثرُ من حدث سببًا لنُزول الآية

- ‌الاحتمال الثاني: أن تكون الآية نزلت مرتين، مرة لهذا السبب، ومرة لذلك السبب الآخر

- ‌نوعان آخران من اختلاف التنوع

- ‌النوع الأول: ما يكون اللفظ فيه محتملاً للأمرين:

- ‌أولاً: المشترك اللغوي:

- ‌ثانيًا: المتواطئ:

- ‌النوع الأول من المتواطئ:

- ‌النوع الثاني من المتواطئ:

- ‌النوع الثاني من الاختلاف الموجود عنهم ويجعله بعض الناس اختلافًا: أن يُعبِّروا عن المعنى بألفاظ متقاربة:

- ‌مسائل علمية في هذا الفصل

- ‌أولاً: الألفاظ المترادفة:

- ‌ثانيًا: التضمين:

- ‌ثالثًا: فائدة جمع أقوال السلف:

- ‌رابعًا: وقوع الاختلاف المحقق في تفسير السلف:

- ‌خامسًا: أسباب الاختلاف:

- ‌الاختلاف الواقع في كتب التفسير من جهة النقل ومن جهة الاستدلال

- ‌ وتتضمن تارة جعل اللفظ المطلق العام منحصرًا في شخص واحد

- ‌من أصول العلم

- ‌شرح الاختلاف الواقع في كتب التفسير من جهة النقل ومن جهة الاستدلال

- ‌النوع الأول: ما يرجع إلى النقل

- ‌الإسرائيليات عند شيخ الإسلام في هذه المقدمة:

- ‌تلخيص أفكار شيخ الإسلام في الإسرائيليات:

- ‌إشكال في موقف ابن عباس من الإسرائيليات:

- ‌مسألة في ضابط العقل في ردِّ الإسرائيليات:

- ‌مسألة في وقوع الاختلاف بين علماء الكتاب فيما يروونه:

- ‌فائدة: في عدم تحرِّي العلماء فيما يُنقل عن أهل الكتاب:

- ‌مسألة في خبر عبد الله بن عمرو والزاملتين:

- ‌مسألة في قول الإمام أحمد في كتب التفسير:

- ‌مسألة في المراسيل في التفسير:

- ‌مسألة الموضوعات في كتب التفسير:

- ‌نقد شيخ الإسلام لبعض المفسرين:

- ‌أولاً: الثعلبي (ت:427):

- ‌ثانيًا: الواحدي (ت:468):

- ‌ثالثًا: البغوي (ت:516):

- ‌رابعًا: الزمخشري (ت:538):

- ‌مسائل الاختلاف الواقع في كتب التفسير من جهة الاستدلال

- ‌أولاً: كتب التفسير التي تخلو من الخطأ بسبب الاستدلال

- ‌ثانيًا: الوجه الأول من سببي الخطأ في الاستدلال:

- ‌أصناف من كان نظرهم إلى المعنى أسبق:

- ‌الصنف الأول: من يسلبون لفظ القرآن ما دلَّ عليه وأريد به:

- ‌الصنف الثاني: من يحملونه على ما لم يدل عليه ولم يرد به:

- ‌ثالثًا: الوجه الثاني من سببي الخطأ في الاستدلال:

- ‌قوم فسَّروا القرآن بمجرد ما يسوغ أن يريده من كان من الناطقين بلغة العرب بكلامه

- ‌رابعًا: نقد بعض التفاسير المخالفة لمنهج السلف، وبيان المنهج العقدي العام لها:

- ‌أمثلة لبعض أصول المعتزلة والرافضة التي حملوا ألفاظ القرآن عليها:

- ‌أولاً: أصول المعتزلة التي وافقتهم عليها الرافضة (2):

- ‌ثانيًا: الأصل الذي خالفت فيه الرافضة المعتزلة (الإمامة):

- ‌خامسًا: دخول الفلاسفة والرافضة والقرامطة في التأويلات بسبب تأويلات أهل الكلام:

- ‌سادسًا: الأمثلة التي ذكرها شيخ الإسلام في انحرافات التفسير:

- ‌ قاعدة في ضابط معرفة الانحراف في تفسير الألفاظ بأشخاص مُعَيَّنين

- ‌الضابط الأول: تفسير اللفظ بما لا يدل عليه بحال:

- ‌الضابط الثاني: جعل اللفظ العام منحصرًا في شخص واحد:

- ‌سابعًا: تفسير الزمخشري وابن عطية والطبري:

- ‌تفسير ابن عطية (ت:542):

- ‌تفسير الطبري:

- ‌ثامنًا: تفسير أبي عبد الرحمن السلمي، وأقوال الصوفية:

- ‌تاسعًا: مكانة تفسير من خالف السلف، وكيفية معرفة تلك المخالفة:

- ‌أحسن طرق تفسير القرآن

- ‌شرح أحسن طرق تفسير القرآن

- ‌تفسير القرآن بالقرآن

- ‌تفسير القرآن بالسنة

- ‌تفسير القرآن بأقوال الصحابة:

- ‌تفسير القرآن بأقوال التابعين

- ‌الرأي في التفسير:

- ‌الملاحق العلمية: نقولٌ من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية

- ‌الملحق الأولويشتمل على ثلاث مسائل:

- ‌الملحق الثانيكلام ابن القيم (ت:751) في مسألة البيان النبوي للقرآن:

- ‌الملحق الثالثكلام آخر لابن القيم (ت:751) في مسألة البيان النبوي للقرآن:

- ‌الملحق الرابعأنواع اختلاف التنوع في تفسير السلف:

- ‌الملحق الخامسفي طرق معرفة الكذب في المنقول:

- ‌الملحق السادسفي كتب التفسير:

- ‌الملحق السابعأمثلة تفسيرية مما لا ينقضي منها عجب العالم:

- ‌فهرس المصادر والمراجع

الفصل: ‌تفسير القرآن بالقرآن

‌تفسير القرآن بالقرآن

(1):

قال شيخ الإسلام: «إن أصح الطرق في ذلك أن يفسر القرآن بالقرآن، فما أجمل في مكان فإنه قد فسر في موضع آخر، وما اختصر في مكان فقد بسط في موضع آخر» .

نص الشيخ هنا على أنَّ طريق تفسير القرآن بالقرآن هي أصحُّ الطرقِ، وهذا حقٌّ لا مرية فيه، لكن يلاحظ في تفسير القرآن بالقرآن أمور:

الأمر الأول: أن يكون تفسير القرآن بالقرآن لا يتنازع فيه اثنان لوضوحه واستبانته، وأوضح أمثلته ما يكون على طريقة السؤال والجواب، أو على طريقة ذكر الموصوف ثم إتباعه بأوصافه.

ومن أمثلة طريقة السؤال والجواب قوله تعالى: {وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ *وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ *النَّجْمُ الثَّاقِبُ} [الطارق: 1 ـ 3]. فتفسير الطارق لا محالة هو النجم الثاقب، والخلاف في المراد بالنجم الثاقب لا يُخرجه عن كونه هو الطارق.

(1) ينظر في تفسير القرآن بالقرآن: فصول في أصول التفسير (ص:22 ـ 26)، ومقالات في علوم القرآن وأصول التفسير (127 ـ 137).

ويحسن بطالب علم التفسير أن يقرأ في كتاب الموافقات للشاطبي قسم الكتاب، وهو مملوءٌ بمادة متعلقة بالتفسير وعلوم القرآن.

ومن باب الاستطراد: لو أنَّ باحثًا قرأ كتاب الموافقات للشاطبي واستخلص منه ما يتعلق بعلوم القرآن والتفسير، ورتبها ترتيبًا متوافقًا لخرج في ذلك ما يقرب من المجلد، ولكان كتابًا نفيسًا يصلح للمدارسة في الدروس والدورات العلمية.

ص: 271

ومن أمثلة طريقة ذكر الموصوف وإتباعه بأوصافه قوله تعالى: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ *الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} [يونس: 62، 63]. فتفسير أولياء الله بأنهم الذين آمنوا وكانوا يتقون من تفسير القرآن بالقرآن.

وكثيرٌ من هذا النوع يأتي متواليًا كما في هذه الآيات، ويمكن أن يكون غير متوالٍ، مثل تفسير:{الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} [الفاتحة: 7] بقوله تعالى: {فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ} [النساء: 69].

ومثل قوله تعالى: {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلَاّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ} [المائدة: 1]، حيث فُسِّر (ما يُتلى) بقوله تعالى:{إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ} [البقرة: 173]، وقوله تعالى:{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَاّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ} [المائدة: 3]، وقوله تعالى:{إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النحل: 115].

وهذا يدخل في باب الإجمال الذي ذكره شيخ الإسلام بقوله: «فما أُجمِل في مكان، فإنه قد فُسِّر في موضع آخر» .

الأمر الثاني: أن يكون تفسير القرآن بالقرآن مما يغمض ولا يدركه كل أحدٍ كتفسير التزويج في قوله تعالى: {وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ} [التكوير: 7] بقوله تعالى: {وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً} [الواقعة: 7]، وقوله:{احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ} [الصافات: 22].

أو تفسير قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ} [الأنبياء: 30]، بقوله تعالى:{وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ *وَالأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ} [الطارق: 11 ـ 12].

ص: 272

وهذا الغموض مدعاة لوجود الاختلاف في تفسير المعنى الذي فُسِّر بالآية الأخرى، وهذا النوع يدخله الاجتهاد، فالمفسر هو الذي يرى أن هذه الآية تفسير هذه الآية، كما يلاحظ وجود واسطة بين الآيتين لتكون هذه الآية مفسرة لتلك الآية، ففي آية الرتق والفتق وقع ما يأتي:

1 -

فُسِّر الرتق بعدم إنزال المطر من السماء، وعدم الإنبات من الأرض، وفُسِّر الفتق بإنزال المطر من السماء، وإخراج النبات من الأرض.

2 -

جُعِل هذا المعنى للرتق والفتق هو مدلول الرجع والصدع في آيتي سورة الطارق، وهذا يعني أنه لا يُتوصَّل إلى تفسير آية بآية إلا بالاجتهاد المبني على تفسير المدلولين في الآية، وإظهار توافقهما في المعنى.

ولو أخذت بالأوجه الأخرى في تفسير الرتق والفتق، فإنه لا يمكنك حمل هذه الآية على آيتي سورة الطارق، لاختلاف المعنى بينهما على الأوجه الأخرى.

الأمر الثالث: أن تفسير القرآن بالقرآن لا يتقصر على أصحاب المنهج الحقِّ، بل تجد ذلك عند أهل البدع، حيث تراهم يحملون معنى آية على آية أخرى، وهذا هو عين تفسير القرآن بالقرآن، لكنه مبنيٌّ على منهجهم في الفهم، واجتهادهم في البيان المبني على معتقدهم.

وعمل هؤلاء يدلُّك بوضوح على دخول الاجتهاد والرأي في تفسير القرآن بالقرآن، وأنه لا يلزم الأخذ بكل ما قيل فيه إنه تفسير قرآن بقرآن، وإلا للزم أخذ أقوال المبتدعة المبنية على هذا الطريق.

والأمثلة على عمل المبتدعة بهذا الطريق كثيرة جدًّا، ولو أقام باحث بحثًا على هذا الموضوع لخرج بكمٍّ وفير من الأمثلة في هذا الباب، ومن ذلك أنَّ أحمد بن يحيى الزيدي المعتزلي (ت:325) (1) قال في «رسالة الرد

(1) هو الإمام أحمد بن يحيى بن الحسين الحسني العلوي الزيدي، من كبار علماء =

ص: 273

على مسائل الإباضية»: «واعلم يا أبا محمد (1) ـ حفظك الله ـ أن هؤلاء القوم إنما أرادوا بذلك تعنيتنا، وأن يدروا ما عندنا من المعرفة باللغة، والذي نذهب إليه ونحبه في التفسير في أن تكون الحجة منا في التفسير بشواهد من كتاب الله على كتاب الله، ولا بدَّ مع ذلك من الاستشهاد باللغة والشعر

» (2).

ومن الأمثلة التي أوردها في كتابه قوله: «وسألت عن قوله تعالى: {وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ} [هود: 34]، كأنهم يرون أن القول على أن الله عز وجل يريد أن يمنعهم من الإيمان، ومما أمرني أن أدعوكم إليه من الحق!

وليس وجه الآية كما ظنَّت المجبرة، وإنما عنى نوح صلوات الله عليه: إن كان يريد عذابكم فلن ينفعكم، والعذاب فهو الغيُّ (3)، ألا ترى أن الله سبحانه يقول:{فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} [مريم: 59]؛ يقول: فسوف يلقون عذابًا

» (4).

فهذا التفسير الذي بين يديك ظاهره تفسير قرآن بقرآن، لكنه خطأ محضٌ، وتحريف ظاهر بسبب شبهة عقلية اعتزالية، وهي عدم جواز الإغواء

= الزيدية، ولد سنة 275، قتل القرامطة وانتصر عليهم، له عدد من الرسائل في الاعتقاد على مذهب المعتزلة ككتاب النجاة، وكتاب التوحيد، توفي بصعدة سنة 325. من مقدمة محقق رسالة الإمام أحمد بن يحيى.

(1)

لم أدر من أبو محمد هذا، ولم يذكر المحقق من هو؟

(2)

رسالة الرد على مسائل الإباضية، طُبع بعنوان: الخوارج طليعة التكفير في الإسلام، تحقيق: إمام حنفي سيد عبد الله (ص:88).

(3)

كذا في نسخة المحقق، ولعلها:«وأما العذاب فهو الغي» ، أو تكون:«والعذاب هو الغي» من دون الفاء، والله أعلم.

(4)

رسالة الرد على مسائل الإباضية، طُبع بعنوان: الخوارج طليعة التكفير في الإسلام، تحقيق: إمام حنفي سيد عبد الله (ص:150 ـ 151).

ص: 274

على الله سبحانه لأنه قبيح، والله لا يفعل القبيح، فَحَمَلَ معنى «يغويكم» على معنى العذاب، وهو ليس كذلك، بل هو بمعنى الإضلال، ثُمَّ استشهد لذلك بأحد أوجه تفسير قوله تعالى:{فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} [مريم: 59].

فتدبر كيف وصل إلى تفسير آية بآية أخرى، حيث ستجد أنه مرَّ برابط بينهما قبل ربطهما ببعضهما، حيث فسَّر الغواية والغي بالعذاب، فحمل الأولى على الأخرى، فهل يُقبل هذا التفسير على أنه تفسير قرآن بقرآن؟!

لا شكَّ أنه من التفسيرات غير الصحيحة، ومثل هذا لا يُقبل، ولا ينظر إلى كونه فسَّر آية بآية.

الأمر الرابع: رأيته أنه قد التبس على بعض الفضلاء التفريق بين كون تفسير القرآن بالقرآن مأثورًا أو رأيًا، وقد سمعت بعضهم يجعله مأثورًا مطلقًا، وعندي أنَّ هذا الفاضل لم يُفرِّق بين طريق وصول القرآن إلينا، وهو الأثر، وطريقة وصولنا إلى تفسير آية بآية، وهو الرأي والاجتهاد.

الأمر الخامس: أنه لا يلزم من ربط آية بآية أن يكون من قبيل تفسير القرآن بالقرآن، بل ربط الآيات ببعضها أوسع من تفسير القرآن بالقرآن، ومن جعل كل ربط بين آيتين من قبيل تفسير القرآن بالقرآن، فإنه قد وسَّع مبحث تفسير القرآن بالقرآن بما لا حدَّ له، فجمع الموضوعات في المعنى الواحد، وجمع النظائر القرآنية، وجمع ما يوهم الاختلاف، وجمع القصص في الموضوع الواحد = كل هذا يدخل في تفسير القرآن بالقرآن عند التوسع في الإطلاق.

أما لو جعلت ضابط الحاجة إلى البيان هو القيد في تفسير القرآن بالقرآن، فإنه سيخرج كثيرٌ من ربط الآيات ببعضها.

ومن البيان: تفسير لفظة غريبة بلفظة أشهر منها، وبيان المجمل، وتخصيص العامِّ، وتقييد المطلق وبيان الناسخ للآية المنسوخة، وكل ما كان فيه بيان آية بآية فهو من تفسير القرآن بالقرآن.

ص: 275

ومن تقييد المطلق تفسير قوله تعالى: {وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ} [الشورى: 5]، فقد أطلق الاستغفار لكل من في الأرض، ثم جاء تقييده بالذين آمنوا في قوله تعالى:{الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ} [غافر: 7]. فلو لم تحمل آية غافر على آية الشورى، لجعلت الاستغفار كائنًا للكفار، وإذا حملتها عليها أخرجت الكفار من دائرة الاستغفار، وبهذا يبين الأثر التفسيري في تقييد المطلق، وكذا في أشباهه من الخاص والبيان والناسخ.

ومن أمثلة بيان لفظة غريبة في آية ـ وهو قليل في تفسير القرآن ـ بالقرآن = بيانُ معنى لفظ (سجيل) في قوله تعالى: {فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ} [هود: 82]، فهذا في عذاب قوم لوط عليه السلام، ولما ذكر هذا العذاب في موضع آخر قال:{لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ} [الذاريات: 33]، فدلَّ على أن السِّجيل هو الطين.

الأمر السادس: أنه لا يلزم أن يكون لكل آيةٍ آيةٌ أخرى تفسرها، وذلك أمر ظاهر، ولا يبعد أن يكون تفسير القرآن بالقرآن من أقلِّ المصادر؛ إذا اعتبرت أنَّ ضابط البيان ضابطٌ صحيح في مصطلح «تفسير القرآن بالقرآن» .

وقد أشار إلى ذلك شيخ الإسلام بقوله: «والغرض أنك تطلب تفسير القرآن منه، فإن لم تجده فمن السنة» ، وهذا يعني أنه قد لا يجد تفسيرًا من القرآن لكل آية من القرآن.

الأمر السابع: التفريق بين باب الاستدلال وباب التفسير، ففي الاستدلال يكون القرآن المصدر الأول من مصادر التشريع بلا خلاف بين المسلمين، ثمَّ يتلوه المصدر الثاني، وهو السنة النبوية.

وفي التفسير يكون القرآن كذلك المصدر الأول، وهو على قسمين:

ص: 276

الأول: أن يستخدم المفسر القرآن في بيان ما غمض منه في موضع، وذلك يدخل في حدِّ البيان الذي سبقت الإشارة إليه، ويغلب هذا المنهج على أبي الوفاء ثناء الله الهندي الأمر تسري (ت:1367) (1) في كتابه «تفسير القرآن بكلام الرحمن» (2).

وهذا القسم هو الذي أشار إليه شيخ الإسلام بقوله: «فما أجمل في مكان فإنه قد فسر في موضع آخر» .

الثاني: أن يستخدم القرآن في بيان ضعف بعض الأقوال التفسيرية، أو تقوية بعض الأقوال التفسيرية أو الاستشهاد به استطرادًا للتفسير الذي يذكره المؤلف، أو جمع أماكن ورود اللفظ، أو جمع موارد القصة الواحدة، أو ذكر فائدة في الآية والاستدلال لها بالقرآن، أو غير ذلك من وجوه الاستفادة من القرآن في التفسير، وعلى هذا سار كثير ممن قصد تفسير القرآن بالقرآن؛ كابن كثيرٍ الدمشقي (ت:774) في كتابه «تفسير القرآن العظيم» ، والأمير الصنعاني (ت:1182) (3) في كتابه «مفاتح الرضوان في تفسير الذكر بالآثار والقرآن» ، ومحمد الأمين الشنقيطي (ت:1393) في كتابه: «أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن» ، وغيرهم.

(1) ثناء الله الأمر تسري بن محمد الخضر، من أحد سلالات براهمة كشمير المعروفة بسلالة «منتو» ، ولد سنة 1285 في مدينة (أمر تسر)، وبها تعلَّم، ثم انتقل إلى مدينة ديوبند فدرس العلوم، ثم رجع إلى مسقط رأسه (أمر تسر) قاوم البدع كبدعة القادياني وغيرها، له عدد من المؤلفات منها تفسير القرآن، توفي سنة 1367 في مدينة (سر كودها).

من مقدمة صفي الرحمن المباركفوري لتفسير ثناء الله الأمر تسري.

(2)

الكتاب من مطبوعات دار السلام للنشر والتوزيع، الرياض، ط1: 1423 ـ 2002.

(3)

محمد بن إسماعيل الصنعاني، المعروف بالأمير الصنعاني، صاحب كتاب سبل السلام، ولد بمدينة كحلان سنة 1099، ثم انتقل إلى صنعاء، ورحل إلى الحرمين، ثم عاد إلى صنعاء، وكان رأسًا في العلم، له تصانيف كثيرة، منها تفسيره مفاتح الرضوان، توفي سنة 1182.

ص: 277

وإليه تشير عبارة شيخ الإسلام في قوله: «وما اختصر في مكان فقد بسط في موضع آخر» ، إذ كثيرٌ من ذلك المختصر يرجع إلى القصص دون غيره؛ كما هو الحال في قصة آدم وموسى وعيسى وغيرهم ممن تكررت قصصهم في القرآن.

ويمكن أن يمثل له بقوله تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} [البقرة: 65] حيث ذكر ربنا تبارك وتعالى ما كان من عملهم الذي عوقبوا عليه في قوله: {وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَاتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَاتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} [الأعراف: 163].

وأخيرًا، فإن موضوع تفسير القرآن بالقرآن لم يلق العناية اللائقة به حتى هذا الحين، وعندي أنَّ الموضوع مليءٌ بالأفكار، وهو بحاجة إلى دراسة دقيقة.

ص: 278