الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تفسير الطبري:
أشار شيخ الإسلام إلى تفسير الطبري (ت:310) إشارة عابرة، وأثنى عليه في مقام الحديث عن تفسير ابن عطية (ت:542) وموقفه من تفسير السلف، فوصف تفسير الطبري (ت:310) بأنه من أجل التفاسير المأثورة، وأعظمها قدرًا، وذلك حقٌّ يعرفه من اطَّلع على تفسير الإمام ابن جرير الطبري (ت:310) الذي جعل المأثور من تفسير السلف أصلاً من أصوله التي يعتمدها في التفسير، بل لم يكن يرى الخروج عن أقوالهم، وإنما يتخيَّر المتخيِّر من بين أقوالهم حسب ما يظهر له من ترجيح على أسلوب علمي رصين متين.
ولما كان اعتماده على مأثور التفسير عن السلف كبيرًا = كان من أغنى المصادر بآثار السلف في التفسير، لكنه لم يجمد على المأثور دون أن يكون له ترجيحات ونقد للتفاسير، وقد اعتمد على قواعد علمية ترجيحية في تقديم الأقوال والقول بها، أو في نقد الأقوال التي لا يرى صحتها.
ولما كان هذا المنهج الذي سلكه الطبري سلِم من المخالفات العقدية بالجملة، وإن كان قد يذكر بعضها للردِّ عليها.
ثامنًا: تفسير أبي عبد الرحمن السلمي، وأقوال الصوفية:
قال شيخ الإسلام: «وأما الذين يخطؤون في الدليل لا في المدلول فمثل كثير من الصوفية والوعاظ والفقهاء وغيرهم يفسرون القرآن بمعاني صحيحة، لكن القرآن لا يدل عليها مثل كثير مما ذكره أبو عبد الرحمن السلمي في حقائق التفسير (1)، وإن كان فيما ذكروه ما هو معان باطلة، فإن
(1) قال الدكتور عدنان زرزور عند هذا الموطن من تعليقه على مقدمة شيخ الإسلام: «أبو عبد الرحمن السلمي هو محمد بن الحسين بن موسى الأزدي النيسابوري، المتوفى سنة 412، وقد اختلف في توثيقه. وكتابه (حقائق التفسير) الذي كان يجب أن يُسمى أباطيل التفسير، أو أضاليل التفسير، قال فيه الذهبي ـ بحق ـ: «إنه تحريف وقرمطة» ، حتى إن السبكي يستغرب من شيخه الذهبي أن يصف =
ذلك يدخل في القسم الأول، وهو الخطأ في الدليل والمدلول جميعًا، حيث يكون المعنى الذي قصدوه فاسدًا».
1 -
أعاد شيخ الإسلام الحديث عن الخطأ في الدليل والمدلول، وقد سبق ذكره وذكر أمثلة له، لكن اللفتة التي أحب التنبيه عليها هي قوله:«من الصوفية والوعاظ والفقهاء» ، وهؤلاء يدخلون إلى باب الاستنباط لاستنباط معاني تخدمهم في أغراضهم، فيقعون فيما ذكره شيخ الإسلام من الخطأ في الدليل، وهو كون الآية دالة على هذا المعنى، وليس خطؤهم في المدلول، وهو الكلام المُستنبط الذي يذكرونه تحت الآية المستنبط منها، فهو بذاته كلام صحيح لا خلاف فيه، وإنما النِّزاع في كون الآية دلَّت عليه.
ولو تأملت حال الوعاظ وبعض المربِّيْنَ اليوم لرأيت منهم ما يذكره شيخ الإسلام من إقحام القرآن في أغراضهم والاستدلال به على معانٍ صحيحة في ذاتها، لكن الآيات التي يوردونها لا تدلُّ على ما ذهبوا إليه من الاستدلال.
ومن الأمثلة على خطأ المتفقهة في الدليل لا المدلول، ما ذكره ابن عطية (ت:542) من استدلال المهدوي (ت:440)(1) في قوله تعالى: {وَلَوْلَا أَنْ
= السلمي بالجلالة مع علمه بما في كتابه من التحريف!! والذي نستغربه نحن ـ بعد ذلك ـ أن يقول فيه السبكي: «كان شيخ الصوفية وعالمهم في خرسان» ، وأن له «اليد الطولى في التصوف، والعلم الغزير، والسير على سنن السلف» !! لأننا لا ندري ما هو العلم الغزير، وما هي سنن السلف بعد هذه التأويلات القرمطية التي في الكتاب، وكما أن التصوف الذي فيه لا يمُتُّ إلى السنة والشريعة بصلة. ولكنه من ذلك النوع الفلسفي الذي كان غالبًا في القرنين الرابع والخامس، والذي كان متأثرًا بالحركات الباطنية التي اجتاحت العالم الإسلامي.
قال الإمام أبو الحسن الواحدي: صنَّف أبو عبد الرحمن السلمي (حقائق التفسير)، فإن كان قد اعتقد أن ذلك تفسير فقد كفر».
(1)
أحمد بن عمار، أبو العباس المهدوي، مقرئ، مفسر، من المهدية بتونس، له =
يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَانِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ} [الزخرف: 33]، قال: «قال المهدوي: ودلَّت هذه الآية على أن السقف لربِّ البيت الأسفل، إذ هو منسوب إلى البيوت.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا تفقُّهٌ واهنٌ» (1).
ومن أمثلة التفقه الخطأ في الدليل والمدلول ما ذكره الماوردي (ت:450) في استنباط بعضهم في قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَاتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [البقرة: 260]، قال:«وحُكِي أن إبراهيم ذبح أربعة من الطير، ودقَّ أجسامهن في الهاون لا روحهن (2)، وجعل المختلط من لحومهن عشرة أجزاء على عشرة جبال، ثم جعل مناقيرها بين أصابعه، ثم دعاهن فأتين سعيًا، تطاير اللحم إلى اللحم، والجلد إلى الجلد، والريش إلى الريش، فذهب بعض من يتفقه من المفسرين إلى أن من وصَّى بجزء ماله لرجل أنها وصية بالعشر؛ لأن إبراهيم وضع أجزاء الطير على عشرة جبال» (3).
2 -
تحدث شيخ الإسلام عن تفسير أبي عبد الرحمن السلمي (ت:412) في غير ما موطن من كتبه (4)، وقد ذكر تصنيفًا للروايات التي ينقلها السلمي
= كتاب في التفسير بعنوان (التفصيل الجامع لعلوم التنزيل)، واختصره، سمى المختصر (التحصيل)، توفي سنة 440.
(1)
المحرر الوجيز، ط: قطر (13:219 ـ 220).
(2)
قال المحقق: «كذا في الأصل» .
(3)
النكت والعيون للماوردي، تحقيق: السيد بن عبد المقصود بن عبد الرحيم (1:336).
(4)
ينظر في حديثه عن أبي عبد الرحمن السلمي ما يأتي: بغية المرتاد (ص:328)، الرد على البكري (1:59)، الاستقامة (1:191)، مجموع الفتاوى (6:376)، (11:41 ـ 43، 581)، (13:242 ـ 243)، (35:184).
(ت:412)، فقال: «وكتاب حقائق التفسير لأبي عبد الرحمن السُّلمي يتضمن ثلاثة أنواع:
أحدها: نُقُولٌ ضعيفةٌ عمن نُقِلتْ عنه مثل أكثر ما نقله عن جعفر الصادق، فإن أكثره باطل عنه، وعامتها فيه من موقوف أبي عبد الرحمن، وقد تكلم أهل المعرفة في نفس رواية أبي عبد الرحمن حتى كان البيهقي إذا حدث عنه يقول: حدثنا من أصل سماعه (1).
(1) قال شيخ الإسلام في أبي عبد الرحمن السلمي ورواياته: «وهو في نفسه رجل من أهل الخير والدين والصلاح والفضل، وما يرويه من الآثار فيه من الصحيح شيء كثير، ويروي أحيانًا أخبارًا ضعيفة، بل موضوعة؛ يعلم العلماء أنها كذب.
وقد تكلم بعض حفاظ الحديث في سماعه، وكان البيهقي إذا روى عنه يقول:«حدثنا أبو عبد الرحمن من أصل سماعه» ، وما يظن به وبأمثاله ـ إن شاء الله ـ تعمُّد الكذب، لكن لعدم الحفظ والإتقان يدخل عليهم الخطأ في الرواية، فإن النُّساك والعُبَّاد؛ منهم من هو متقن في الحديث مثل ثابت البناني والفضيل بن عياض وأمثالهما، ومنهم من قد يقع في بعض حديثه غلط وضعف؛ مثل مالك بن دينار وفرقد السبخي ونحوهما.
وكذلك ما يأثره أبو عبد الرحمن عن بعض المتكلمين في الطريق، أو ينتصر له من الأقوال والأفعال والأحوال؛ فيه من الهدى والعلم شيء كثير، وفيه أحيانًا من الخطأ أشياء، وبعض ذلك يكون عن اجتهاد سائغ، وبعضه باطل قطعًا؛ مثل ما ذكر في حقائق التفسير قطعة كبيرة عن جعفر الصادق وغيره من الآثار الموضوعة، وذكر عن بعض طائفة أنواعًا من الإشارات التي بعضها أمثال حسنة واستدلالات مناسبة، وبعضها من نوع الباطل واللغو.
فالذي جمعه الشيخ أبو عبد الرحمن ونحوه ـ في تاريخ أهل الصفة، وأخبار زهاد السلف، وطبقات الصوفية ـ يستفاد منه فوائد جليلة، ويجتنب منه ما فيه من الروايات الباطلة، ويتوقف فيما فيه من الروايات الضعيفة.
وهكذا كثير من أهل الروايات ومن أهل الآراء والأذواق من الفقهاء والزهاد والمتكلمين وغيرهم = يوجد فيما يأثرونه عمن قبلهم، وفيما يذكرونه معتقدين له = شيء كثير، وأمر عظيم من الهدى ودين الحق الذي بعث الله به رسوله، ويوجد أحيانًا عندهم من جنس الروايات الباطلة، أو الضعيفة، ومن جنس الآراء والأذواق الفاسدة، أو المحتملة شيء كثير» الفتاوى (11:42 ـ 43).
والثاني: أن يكون المنقول صحيحًا لكن الناقل أخطأ فيما قال.
والثالث: نُقُولٌ صحيحةٌ عن قائلٍ مصيبٍ.
فكل معنى يخالف الكتاب والسنة فهو باطل وحجته داحضة.
وكل ما وافق الكتاب والسنة والمراد بالخطاب غيره إذا فسر به الخطاب فهو خطأ.
وإن ذكر على سبيل الإشارة والاعتبار والقياس فقد يكون حقًا وقد يكون باطلاً.
وقد تبين بذلك أن من فسر القرآن أو الحديث وتأوله على غير التفسير المعروف عن الصحابة والتابعين فهو مفتر على الله ملحد في آيات الله محرف للكلم عن مواضعه، وهذا فتح لباب الزندقة والإلحاد وهو معلوم البطلان بالاضطرار من دين الإسلام» (1).
أمثلة من كتاب حقائق التفسير لأبي عبد الرحمن السلمي:
1 -
قال أبو عبد الرحمن السلمي: «قوله: {وَالطُّورِ} [الطور: 1] قال عبد العزيز الكناني: أقسم الله تعالى بالطور، والطور الجبل، وهو النبي صلى الله عليه وسلم، كان في أمته كالجبال والأرض؛ استقرَّت به الأمة على دينهم إلى يوم القيامة، كما استقرت الأرض بالجبال
…
قوله: {وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ} [الطور: 2] قال عبد العزيز الكناني: أقسم بالكتاب المنزل عليه، فهو مسطور في اللوح المحفوظ.
{فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ} [الطور: 3] قال: في المصاحف.
{وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ} [الطور: 4]: هو النبي صلى الله عليه وسلم، كان ـ والله ـ بيتًا بالكرامة معمورًا، وعند الله مسرورًا مشكورًا.
(1) الفتاوى (13:242 ـ 243).
{وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ} [الطور: 5]: هو رأس النبي صلى الله عليه وسلم، كان ـ والله ـ سقفًا مرفوعًا، وفي الدارين مشهورًا، وعلى المنابر مذكورًا.
{وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ} [الطور: 6] وهو قلب محمد صلى الله عليه وسلم، كان ـ والله ـ بحرًا من حبِّ الله تعالى مملوءًا، فأقسم الله تعالى بنفس محمد صلى الله عليه وسلم عمومًا، وبرأسه خصوصًا، وبقلبه ضياءً ونورًا، وبكتابه حجة على المصاحف مسطورًا، فأقسم الحبيب بالحبيب، فلا وراءها قسم» (1).
ولا يخفى ما في هذه التفسيرات لهذه الآيات من حمل الكلام على ما لم يُرد به أصلاً، وهو تحريف في معاني كلام الله.
2 -
قال أبو عبد الرحمن السلمي: «وقال بعضهم: كان أيوب قائمًا مع الحقِّ في حال الوجد، فلما كشف عنه البلاء وأظهره، وكشف ما به، قال: {مَسَّنِيَ الضُّرُّ}» (2).
فانظر كيف جعل هذا المتصوف كشف الضر ضرًّا، وكأنه يريد أن يقول: إن حال الوجد الذي يلقاه أيوب حال ضرِّه كان نعمة، وأن الخروج منه ضرٌّ، فلما كشفها عنه، قال:{مَسَّنِيَ الضُّرُّ} ، وهذا فهم باطل، وهو من أعاجيب الصوفية.
وقد نقل أبو عبد الرحمن عن جعفر الصادق قريبًا من هذا، قال:«لما تناهى أيوب في البلاء واستعذبه؛ صار البلاء وطنًا له، فلما اطمأنت إليه نفسه، وسكن عنه البلاء = شكره الناس على صبره، ومدحوه عليه، فقال: {مَسَّنِيَ الضُّرُّ} لفقد الضر» (3).
(1) زيادات حقائق التفسير، لأبي عبد الرحمن السلمي، تحقيق: جيرهارد بوورينغ (ص:188 ـ 189).
(2)
حقائق التفسير، لأبي عبد الرحمن السلمي، تحقيق: سيد عمران، ط: دار الكتب العلمية (2:11).
(3)
حقائق التفسير، لأبي عبد الرحمن السلمي، تحقيق: سيد عمران، ط: دار الكتب العلمية (2:10).
ومثل هذا لا يُعقل خروجه عن جعفر الصادق رحمه الله، إذ هو مخالف للفطرة والشرع، فكيف يكون فَقْدُ الضُّرِّ ضُرًّا؟!
3 -
ومن الكلام الباطل المخالف لشريعة محمد صلى الله عليه وسلم، ما رواه ـ مكذوبًا ـ عن جعفر الصادق، قال في قوله تعالى:{وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ} [الذاريات: 22]: «لو نظر العبد إلى السماء بحقيقة البصر والبصيرة لسكن إلى ضمان الله له رزقه، ولما تحرك من أجل رزقه» (1). فأول كلامه حقٌّ لا خلاف فيه، وآخر كلامه مخالف للشريعة، ولا يصحُّ صدوره من مثل هذا العالم الرباني، ولا شكَّ في كذبهم عليه فيه، فآفته من ناقليه عنه، وناسبيه إليه.
4 -
في قوله تعالى: {وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَاّ نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ} [الأعراف: 58]، أورد أبو عبد الرحمن السلمي تفسيرات للصوفية، منها:
تأمل الفرق بين عبارة أبي عثمان، وعبارة الجوزجاني التي فيها الجزم
(1) زيادات حقائق التفسير، لأبي عبد الرحمن السلمي، تحقيق: جيرهارد بوورينغ (ص:187).
(2)
حقائق التفسير، لأبي عبد الرحمن السلمي، تحقيق: سيد عمران (1:231).