المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌أولا: أصول المعتزلة التي وافقتهم عليها الرافضة (2): - شرح مقدمة في أصول التفسير لابن تيمية

[مساعد الطيار]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة الطبعة الثانية

- ‌أولاً: ما يتعلق بالمقدمة:

- ‌ثانيًا: ما يتعلق بشرح هذه المقدمة:

- ‌مدخل إلى رسالة شيخ الإسلام

- ‌أهم طبعات المقدمة:

- ‌عنوان هذه المقدمة:

- ‌متى كتب شيخ الإسلام المقدمة

- ‌من أفاد من المقدمة:

- ‌الموضوعات التي طرقتها المقدمة:

- ‌مقدمة المؤلف

- ‌شرح مقدمة المؤلف

- ‌ سبب تأليف هذه المقدمة

- ‌ التفسير إما منقول وإما معقول

- ‌ أن تحديد المنقول والمعقول من التفسير قضية نسبية تختلف باختلاف العصر

- ‌ من بلغ درجة الاجتهاد في التفسير في العصر الحاضر فإن له مجالين:

- ‌تعلم تفسير القرآن من فروض الكفايات

- ‌بيان النبي صلى الله عليه وسلم معاني القرآن لأصحابه رضي الله عنهم

- ‌شرح بيان النبي صلى الله عليه وسلم معاني القرآن لأصحابه رضي الله عنهم

- ‌أولاً: موضوع البيان النبويِّ للقرآن:

- ‌ هل فسَّر النبي صلى الله عليه وسلم القرآن كله، أم فسَّر بعضَه

- ‌من زعم أنه لم يبين لهم معاني القرآن، أو أنه بيَّنها، وكتموها عن التابعين

- ‌فقولنا بتفسير الصحابة والتابعين لعلمنا بأنهم بلغوا عن الرسول صلى الله عليه وسلم ما لم يصل إلينا إلا بطريقهم

- ‌ البيان النبوي للقرآن على قسمين:

- ‌ السنة شارحة للقرآن ومبينة له

- ‌ في القرآن ما لا يُعلم تفسيره إلا من جهة النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌ لا يوجد في القرآن ما لا يُعلم معناه

- ‌ لا يوجد في القرآن ما خفِيَ علمه على الصحابة

- ‌ لا يوجد في تفسير القرآن ما أخفاه الرسول صلى الله عليه وسلم عن الصحابة رضي الله عنهم

- ‌ كلام شيخ الإسلام من حيث وجود بيان لجميع القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بجميع ألفاظه وجُمَلِهِ فيه إشكالٌ

- ‌بيان ما تدل عليه الآثار من أن النبي صلى الله عليه وسلم بيّن لهم ما يحتاجون إليه:

- ‌ثانيًا: اهتمام الصحابة بتعلُّم معاني القرآن

- ‌ثالثًا: قِلَّةُ النِّزاع بين الصحابة في التفسير:

- ‌ أمثلة للاختلاف الوارد عن الصحابة رضي الله عنهم:

- ‌رابعًا: أنَّ من التابعين من تلقّى جميع التفسير من الصحابة:

- ‌خامسًا: أن التابعين قد يتكلمون في التفسير بالاستنباط والاستدلال:

- ‌اختلاف التنوع واختلاف التضاد في تفسير السلف

- ‌معرفة سبب النُّزول يُعينُ على فهم الآية

- ‌شرح اختلاف التنوع واختلاف التضاد في تفسير السلف

- ‌المسألة الأولى: في تعريف اختلاف التنوع واختلاف التضاد:

- ‌أولاً: اختلاف التنوع:

- ‌اختلاف التنوع في التفسير نوعان:

- ‌ثانيًا: اختلاف التضاد:

- ‌المسألة الثانية: في نوعي الاختلاف اللذَين يكثران في تفسير سلف الأمة:

- ‌الصنف الأول:

- ‌ ذكر رحمه الله أنَّ التفسير يختلف باختلاف مقصود السائلِ

- ‌المثال الأول:

- ‌المثال الثاني:

- ‌الصنف الثاني:

- ‌فائدةُ التفسير بالمثال:

- ‌ إن التفسير بالمثال لا يفيد الحصرَ

- ‌المسألة الثالثة: تنبيهات تتعلق بأسباب النُّزول

- ‌المسألة الأولى:أنَّ الآية لا تختصُّ بالشخصِ المعيَّنِ دون غيرِه

- ‌المسألة الثانية:دخول ما يشبه حال ذلك الشخص في معنى الآية الواردة على سبب من طريقين:

- ‌ أن دخول غير السبب من باب تعميم اللفظ أقوى من دخوله من باب القياس

- ‌مسألة في أثر معرفة سبب النُّزول:

- ‌قال شيخ الإسلام: «ومعرفة سبب النُّزول يعين على فهم الآية

- ‌مسألة في قولهم: نزلت هذه الآية في كذا:

- ‌أمثلة لصيغة (نزلت في) عند البخاري:

- ‌ورود صيغة «فأنزل الله» «فنَزلت» في غير سبب النُّزول المباشر:

- ‌الاحتمالات الواردة على نزول الآية إذا ورد فيها أكثر من سبب:

- ‌الاحتمال الأول: أن تكون الآية نزلت عقب هذه الأسباب، فيكون أكثرُ من حدث سببًا لنُزول الآية

- ‌الاحتمال الثاني: أن تكون الآية نزلت مرتين، مرة لهذا السبب، ومرة لذلك السبب الآخر

- ‌نوعان آخران من اختلاف التنوع

- ‌النوع الأول: ما يكون اللفظ فيه محتملاً للأمرين:

- ‌أولاً: المشترك اللغوي:

- ‌ثانيًا: المتواطئ:

- ‌النوع الأول من المتواطئ:

- ‌النوع الثاني من المتواطئ:

- ‌النوع الثاني من الاختلاف الموجود عنهم ويجعله بعض الناس اختلافًا: أن يُعبِّروا عن المعنى بألفاظ متقاربة:

- ‌مسائل علمية في هذا الفصل

- ‌أولاً: الألفاظ المترادفة:

- ‌ثانيًا: التضمين:

- ‌ثالثًا: فائدة جمع أقوال السلف:

- ‌رابعًا: وقوع الاختلاف المحقق في تفسير السلف:

- ‌خامسًا: أسباب الاختلاف:

- ‌الاختلاف الواقع في كتب التفسير من جهة النقل ومن جهة الاستدلال

- ‌ وتتضمن تارة جعل اللفظ المطلق العام منحصرًا في شخص واحد

- ‌من أصول العلم

- ‌شرح الاختلاف الواقع في كتب التفسير من جهة النقل ومن جهة الاستدلال

- ‌النوع الأول: ما يرجع إلى النقل

- ‌الإسرائيليات عند شيخ الإسلام في هذه المقدمة:

- ‌تلخيص أفكار شيخ الإسلام في الإسرائيليات:

- ‌إشكال في موقف ابن عباس من الإسرائيليات:

- ‌مسألة في ضابط العقل في ردِّ الإسرائيليات:

- ‌مسألة في وقوع الاختلاف بين علماء الكتاب فيما يروونه:

- ‌فائدة: في عدم تحرِّي العلماء فيما يُنقل عن أهل الكتاب:

- ‌مسألة في خبر عبد الله بن عمرو والزاملتين:

- ‌مسألة في قول الإمام أحمد في كتب التفسير:

- ‌مسألة في المراسيل في التفسير:

- ‌مسألة الموضوعات في كتب التفسير:

- ‌نقد شيخ الإسلام لبعض المفسرين:

- ‌أولاً: الثعلبي (ت:427):

- ‌ثانيًا: الواحدي (ت:468):

- ‌ثالثًا: البغوي (ت:516):

- ‌رابعًا: الزمخشري (ت:538):

- ‌مسائل الاختلاف الواقع في كتب التفسير من جهة الاستدلال

- ‌أولاً: كتب التفسير التي تخلو من الخطأ بسبب الاستدلال

- ‌ثانيًا: الوجه الأول من سببي الخطأ في الاستدلال:

- ‌أصناف من كان نظرهم إلى المعنى أسبق:

- ‌الصنف الأول: من يسلبون لفظ القرآن ما دلَّ عليه وأريد به:

- ‌الصنف الثاني: من يحملونه على ما لم يدل عليه ولم يرد به:

- ‌ثالثًا: الوجه الثاني من سببي الخطأ في الاستدلال:

- ‌قوم فسَّروا القرآن بمجرد ما يسوغ أن يريده من كان من الناطقين بلغة العرب بكلامه

- ‌رابعًا: نقد بعض التفاسير المخالفة لمنهج السلف، وبيان المنهج العقدي العام لها:

- ‌أمثلة لبعض أصول المعتزلة والرافضة التي حملوا ألفاظ القرآن عليها:

- ‌أولاً: أصول المعتزلة التي وافقتهم عليها الرافضة (2):

- ‌ثانيًا: الأصل الذي خالفت فيه الرافضة المعتزلة (الإمامة):

- ‌خامسًا: دخول الفلاسفة والرافضة والقرامطة في التأويلات بسبب تأويلات أهل الكلام:

- ‌سادسًا: الأمثلة التي ذكرها شيخ الإسلام في انحرافات التفسير:

- ‌ قاعدة في ضابط معرفة الانحراف في تفسير الألفاظ بأشخاص مُعَيَّنين

- ‌الضابط الأول: تفسير اللفظ بما لا يدل عليه بحال:

- ‌الضابط الثاني: جعل اللفظ العام منحصرًا في شخص واحد:

- ‌سابعًا: تفسير الزمخشري وابن عطية والطبري:

- ‌تفسير ابن عطية (ت:542):

- ‌تفسير الطبري:

- ‌ثامنًا: تفسير أبي عبد الرحمن السلمي، وأقوال الصوفية:

- ‌تاسعًا: مكانة تفسير من خالف السلف، وكيفية معرفة تلك المخالفة:

- ‌أحسن طرق تفسير القرآن

- ‌شرح أحسن طرق تفسير القرآن

- ‌تفسير القرآن بالقرآن

- ‌تفسير القرآن بالسنة

- ‌تفسير القرآن بأقوال الصحابة:

- ‌تفسير القرآن بأقوال التابعين

- ‌الرأي في التفسير:

- ‌الملاحق العلمية: نقولٌ من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية

- ‌الملحق الأولويشتمل على ثلاث مسائل:

- ‌الملحق الثانيكلام ابن القيم (ت:751) في مسألة البيان النبوي للقرآن:

- ‌الملحق الثالثكلام آخر لابن القيم (ت:751) في مسألة البيان النبوي للقرآن:

- ‌الملحق الرابعأنواع اختلاف التنوع في تفسير السلف:

- ‌الملحق الخامسفي طرق معرفة الكذب في المنقول:

- ‌الملحق السادسفي كتب التفسير:

- ‌الملحق السابعأمثلة تفسيرية مما لا ينقضي منها عجب العالم:

- ‌فهرس المصادر والمراجع

الفصل: ‌أولا: أصول المعتزلة التي وافقتهم عليها الرافضة (2):

متناقضين فكريًّا في الجمع بين طرفي النقيض (1).

‌أمثلة لبعض أصول المعتزلة والرافضة التي حملوا ألفاظ القرآن عليها:

قال شيخ الإسلام: «وأصول المعتزلة خمسة؛ يسمونها هم: التوحيد، والعدل، والمنْزلة بين المنْزلتين، وإنفاذ الوعيد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

وقد وافقهم على ذلك متأخرو الشيعة؛ كالمفيد، وأبي جعفر الطوسي، وأمثالهما».

‌أولاً: أصول المعتزلة التي وافقتهم عليها الرافضة (2):

الأصل الأول: التوحيد:

وقد ذكر شيخ الإسلام بعض ما يندرج تحت هذا الأصل، فقال: «وتوحيدهم هو توحيد الجهمية الذي مضمونه نفي الصفات، وغير ذلك.

= الرافضةُ المعتزلة مسألة الشفاعة، فالرافضة يثبتونها بخلاف المعتزلة ينظر كتاب تأثير المعتزلة في الخوارج والشيعة، لعبد اللطيف عبد القادر الحفظي، دار الأندلس الخضراء، 1421هـ.

(1)

أصول الرافضة الأولى تعتمد على النقل المكذوب، كما هو معروف من حال هذا المذهب، ولما أخذوا بالاعتزال في آخر أمرهم ظهر عندهم تناقض فكري في الجمع بين أصول الرافضة النقلية التي يؤمنون بها وأصول الاعتزال، وعلى سبيل المثال:

يرى المعتزلة أن الله لا يفعل القبيح، وأن التقبيح والتحسين عقليان، وقد سرى هذا عند الرافضة، ولم يعارضوه.

فيقال لهم: إذا كان علي أحق بالإمامة، وهو أفضل الصحابة على الإطلاق، فإن أخذ الإمامة منه قبيح، وقد قدَّره الله ووقع، ولا يخرج هذا الأمر من حالين:

الأولى: أن يكون وقع في ملك الله ما لا يريده، وذلك عجز يُنَزَّه الله عنه.

الثانية: أن يكون أراده ورضيه، وعلى مذهبكم يكون قد فعل القبيح، وهو منَزَّه عنه.

وفيما يبدو أنَّ هذه المسألة مما تحتاج إلى عناية من أهل الاعتقاد لبيان نقض أصول الرافضة بأصول المعتزلة.

(2)

لا يلزم من هذه الموافقةِ الموافقةُ التامة، بل قد يخالف الرافضة بناءً على أصول عندهم تخالف المذهب الاعتزالي، لكنهم من حيث الجملة يوافقون المعتزلة في أصولهم الخمسة، وانظر مثالاً لذلك فيما سأنقله من نقل عن الرماني والطوسي في أصل إنكار المنكر عند المعتزلة.

ص: 208

قالوا: إن الله لا يُرى، وإن القرآن مخلوق، وإنه ليس فوق العالم، وإنه لا يقوم به علم ولا قدرة، ولا حياة ولا سمع ولا بصر، ولا كلام، ولا مشيئة، ولا صفة من الصفات».

المثال الأول: في قوله تعالى: {وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 115] قال الرماني (ت:384): «ويقال: هل الصفة بلن يكفروه مجازٌ؟

الجواب: قال أبو علي (1): نعم؛ إذ الصفة لله جل وعزَّ بأنه شاكر مجازٌ، وحقيقته أنه يثيب على الطاعة ثواب الشاكر على النعمة، فلما استعير للثواب الشكر، استعير لنقيضه من منع الثواب الكفر. وإنما الشكر في الأصل: إظهار النعمة من المنعم عليه بالقيام بحقها، والكفر ستر النعمة من المنعم عليه بتضييع حقها» (2).

ففسر أبو علي الجبائي (ت:303) الصفة بلازم معناها، وجعله هو المعنى المراد، وهذا تفسير للشيء بخلاف ظاهره، بل الصواب أن صفات الله على الحقيقة، ويدخل فيها ما يذكرونه من هذه اللوازم، لكن ليست هي المرادة دون غيرها كما هو الحال في تفسير المعتزلة في هذا الموطن.

الأصل الثاني: العدل:

ذكر شيخ الإسلام بعض ما يندرج تحته من مسائل الاعتقاد، فقال: «وأما

(1) هو الجبائي.

(2)

الجامع لعلم القرآن (مخطوط)، وقد نقل عنه هذا التفسير الطوسي في التبيان (2:576)، قال: «وقوله: {فَلَنْ يُكْفَرُوهُ} مجاز، كما أن الصفة لله بأنه شاكر مجاز. وحقيقته أنه يثيب على الطاعة ثواب الشاكر على النعمة، فلما استعير للثواب الشكر استعير لنقيضه من منع الثواب الكفر؛ لأن الشكر بالأصل: هو الاعتراف بالنعمة مع ضرب من التعظيم، والكفر ستر النعمة من المنعَم عليه بتضييع حقِّها، ومعنى الآية: فلن يُمنعوا ثوابه

».

ص: 209

عدلهم فمن مضمونه أن الله لم يشأ جميع الكائنات ولا خلقها كلها، ولا هو قادر عليها كلها؛ بل عندهم أن أفعال العباد لم يخلقها الله لا خيرها ولا شرها، ولم يرد إلا ما أمر به شرعًا، وما سوى ذلك فإنه يكون بغير مشيئته».

مثال:

في قوله تعالى: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ} [آل عمران: 109]، قال الرماني (ت:384): «ويقال: لم وجب في الآية الإضافة بمعنى «مالك» ، ولم يجب بمعنى «خالق» ؟

الجواب: لأنه على طريقة «هذه الأبْنِيةُ لِرَبِّكَ» ؛ بمعنى أنه مالك لها. ولا يطلق هذه الصفة بمعنى صانع لها، لأنه لا يدخل فيه معاصي العباد؛ لإيجابها الذمَّ، وإنما الآية مدح وتعظيمٌ لله تعالى» (1).

فانظر كيف أدخل نفي خلق أفعال العباد في هذه الآية، وليس في الآية حجة عليها، ولا هي متعلقة بهذه المسألة من قريب ولا من بعيد، بل افترض الإشكال وأجاب عنه بكلام غير صحيح (2).

الأصل الثالث: المنْزلة بين المنْزلتين:

وهذا الأصل يدخلون فيه العاصي في أصحاب الخلود في النار،

(1) الجامع لعلم القرآن (مخطوط)، وقد نقل عنه الطوسي الرافضي في تفسيره التبيان في تفسير القرآن (2:555) هذا الموضع فقال: «وقوله: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ} معناه: ولله ملك ما في السموات.

والملك: هو ما له أن يتصرف فيه، ولا يجوز أن يقول مكان ذلك: ولله خلق ما في السموات؛ لأنَّ ذلك يدخل فيه معاصي العباد، والله منزه عنها، والآية خرجت مخرج التعظيم لله تعالى، وذكر عظيم المدح».

(2)

ينظر: تفسير الرازي لهذه الآية، فقد ناقش المعتزلة واحتج عليهم، ولا يخفى على القارئ الكريم أن الرازي يردُّ على مذهب الأشاعرة.

ملحوظة: نسب الرازي الكلام السابق بمعناه إلى أبي علي الجبائي (ت:303)، وقد يكون الرماني (ت:384) استفاده من الجبائي (ت:303).

ص: 210

فيقولون: الفاسق في منْزلة بين المنْزلتين، ومآله إلى النار، ومن أمثلة ذلك ما ورد في قوله تعالى:{يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ} [آل عمران: 106]، قال الرماني (ت:384): «ويقال: إذا كان الذين اسودت وجوههم كفارًا، والذين ابيضت وجوههم مؤمنين؛ لأنهم في رحمة الله خالدين فيها، فما تنكر على ذلك ألا يصحَّ المنْزلة بين المنْزلتين؟

الجواب: لا يجب ذلك من قِبَلِ أن الفاسق يخرج عن هاتين الحالتين إلى حال الغُبرة أو نحوها من الألوان التسعة في المنظر، أو يكون ممن يسود وجهه ويدخل في الكفار على التغليب لأعظم الصفتين كما يُغلَّب المذكَّر على المؤنث، وليس في ذكر اليوم بأنه يسود فيه وجوه ويبيض فيه وجوه ما يدلُّ على أنه لا تغبَّرُّ فيه وجوه كما أنه ليس في

(1) يعفو فيه السلطان عن قوم ويعاقب قومًا ما يدل على أنه ليس هناك من لا يستحقُّ واحدًا من الأمرين» (2).

(1) في المخطوط كلام لم أتبيَّنه، وسيأتي ما يوضِّح معناه عند نقل كلام الطوسي على هذه الآية.

(2)

تفسير الرماني، وقد نقل الطوسي في تفسيره (2:551 ـ 552) كلام الرماني هذا فقال: «فإن قيل: إذا كان الذين اسودت وجوههم كفارًا، والذين ابيضت وجوههم مؤمنين، فهلَاّ دل على أنه لا واسطة بين الكفر والإيمان من الفسق؟

قلنا: لا يجب ذلك؛ لأن ذكر اسوداد الوجوه وابيضاضها لا يمنع أن يكون هناك وجوه أخر مغبرة أو نحوها من الألوان، أو يكونوا أدخلوا في جملة الذين اسودت وجوههم على التغليب لأعظم الصفتين كما يغلب المذكر على المؤنث. وليس ذكر اليوم بأنه تسود فيه وجوه وتبيض فيه وجوه بمانع من أن يكون فيه وجوه عليها الغبرة، كما أن القائل إذا قال: هذا يوم يعفو فيه السلطان عن قوم ويعاقب فيه قومًا = لا يدلُّ على أن ليس هناك من لا يستحق واحدًا من الأمرين، على أن الآية تدل على أن الذين اسودت وجوههم هم المرتدون؛ لأنه قال:{أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} ، وليس كل الكفار هذه صورتهم جاز لنا إثبات فاسقين مثل ذلك

».

ص: 211

الأصل الرابع: إنفاذ الوعيد:

يرى المعتزلة أن آيات الوعيد نافذة، وليس يجوز فيها غير ذلك، ولا يرون أن العصاة تحت المشيئة؛ لذا يرون المنْزلة بين المنْزلتين، ثمَّ يخرجون بعد ذلك إلى تخليد صاحب الكبيرة في النار.

في قوله تعالى: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [آل عمران: 105]، قال الرماني (ت:384): «وقد تضمنت الآية النهي عن الاختلاف في الحق مع التحذير من الاغترار بمن فعله من الناس بما له من شدة العقاب بالخلود في النار» (1).

وقد رتَّبوا على ذلك أن نفوا شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم لأهل الكبائر، في قوله تعالى:{رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} [آل عمران: 192] قال الرماني (ت:384): «يقال: هل في الآية دلالة على بطلان مذهب المرجئة؟

الجواب: نعم؛ لأن من أخزاه الله فليس من أهل الجنة، وقد بيّن الله ذلك في قوله:{يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ} [التحريم: 8]، ولقوله تعالى:{وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} [البقرة: 270، آل عمران: 192، المائدة: 72]، ولو سأل سائل إخراجهم من النار لكان لهم أنصر الأنصار.

ويقال: ما وجه الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم يخرج قوم من النار بالشفاعة مع دلالة الآية؟

الجواب: فيه قولان:

الأول: أنه لولا الشفاعة لواقعوا كبيرة يستوجبون بها الدخول فيها فيخرجون بالشفاعة على هذا الوجه، كما يقال: أخرجني من السلعة؛ إذ لولا مشورته لدخل فيها بابتياعه لها.

(1) الجامع لعلم القرآن (مخطوط).

ص: 212

الثاني: لولا الشفاعة لدخلوها بما معهم من الصغيرة، ثم أخرجوا عنها إلى الجنة» (1).

الأصل الخامس: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

في قوله تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104] قال الرماني: «ويقال: هل يجب في إنكار المنكر حمل السلاح؟

الجواب: نعم إن احتيج إليه بحسب الإمكان؛ لأن الله جلَّ ثناؤه قد أمر به، فإذا لم ينجع فيه الوعظ والتخويف، ولا التناول بالأيدي والنعال وجب حمل السلاح؛ لأن الفريضة لا تسقط مع الإمكان إلا بزوال المنكر الذي لزم فيه الجهاد» (2).

(1) الجامع لعلم القرآن (مخطوط)، وقد خالف الطوسيُّ (3:83) الرمانيَّ في هذا الموضوع، وذهب إلى وقوع الشفاعة لأهل الكبائر، وذكر مذهب الرماني بنصِّه، ثمَّ ردَّ عليه في الاحتمالين اللذين ذكرهما، فقال:«والأول فاسد؛ لأنه مجاز، والثاني ليس بمذهب لأحد من القائلين بالوعيد؛ لأن الصغيرة تقع مكفرة لا عقاب عليها، فكيف يدخل النار؟!» .

(2)

الجامع لعلم القرآن (مخطوط)، ويظهر ـ والله أعلم ـ أن هذا المبحث في تراث المعتزلة ـ في أغلب تاريخهم ـ عقلي بحت، إذ لم يظهر لهذا المبدأ أثرٌ في تاريخهم.

أما الطوسي، فقد نقل آراء المعتزلة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذهب إلى موافقة الرماني في هذا الباب، لكنه اشترط فيه ما يوافق عقيدته الإمامية، فعقَّب على قول الرماني بقوله:«وأكثر أصحابنا ـ يقصد الرافضة الإمامية ـ على أن هذا النوع من إنكار المنكر لا يجوز الإقدام عليه إلا بإذن سلطان الوقت» . التبيان في تفسير القرآن (2:549).

ويقصد بسلطان الوقت المهدي المنتظر عندهم، وهو الإمام الثاني عشر الذي دخل السرداب ولم يخرج حتى هذا الوقت.

ولكنهم في هذا العصر حصل لهم انقلاب فكري، فظهرت فكرة ولاية الفقيه الذي يجوز له القيام بأعمال إمام الوقت، فحملوا السلاح، وقتلوا المسلمين.

ص: 213