المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌تفسير القرآن بأقوال التابعين - شرح مقدمة في أصول التفسير لابن تيمية

[مساعد الطيار]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة الطبعة الثانية

- ‌أولاً: ما يتعلق بالمقدمة:

- ‌ثانيًا: ما يتعلق بشرح هذه المقدمة:

- ‌مدخل إلى رسالة شيخ الإسلام

- ‌أهم طبعات المقدمة:

- ‌عنوان هذه المقدمة:

- ‌متى كتب شيخ الإسلام المقدمة

- ‌من أفاد من المقدمة:

- ‌الموضوعات التي طرقتها المقدمة:

- ‌مقدمة المؤلف

- ‌شرح مقدمة المؤلف

- ‌ سبب تأليف هذه المقدمة

- ‌ التفسير إما منقول وإما معقول

- ‌ أن تحديد المنقول والمعقول من التفسير قضية نسبية تختلف باختلاف العصر

- ‌ من بلغ درجة الاجتهاد في التفسير في العصر الحاضر فإن له مجالين:

- ‌تعلم تفسير القرآن من فروض الكفايات

- ‌بيان النبي صلى الله عليه وسلم معاني القرآن لأصحابه رضي الله عنهم

- ‌شرح بيان النبي صلى الله عليه وسلم معاني القرآن لأصحابه رضي الله عنهم

- ‌أولاً: موضوع البيان النبويِّ للقرآن:

- ‌ هل فسَّر النبي صلى الله عليه وسلم القرآن كله، أم فسَّر بعضَه

- ‌من زعم أنه لم يبين لهم معاني القرآن، أو أنه بيَّنها، وكتموها عن التابعين

- ‌فقولنا بتفسير الصحابة والتابعين لعلمنا بأنهم بلغوا عن الرسول صلى الله عليه وسلم ما لم يصل إلينا إلا بطريقهم

- ‌ البيان النبوي للقرآن على قسمين:

- ‌ السنة شارحة للقرآن ومبينة له

- ‌ في القرآن ما لا يُعلم تفسيره إلا من جهة النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌ لا يوجد في القرآن ما لا يُعلم معناه

- ‌ لا يوجد في القرآن ما خفِيَ علمه على الصحابة

- ‌ لا يوجد في تفسير القرآن ما أخفاه الرسول صلى الله عليه وسلم عن الصحابة رضي الله عنهم

- ‌ كلام شيخ الإسلام من حيث وجود بيان لجميع القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بجميع ألفاظه وجُمَلِهِ فيه إشكالٌ

- ‌بيان ما تدل عليه الآثار من أن النبي صلى الله عليه وسلم بيّن لهم ما يحتاجون إليه:

- ‌ثانيًا: اهتمام الصحابة بتعلُّم معاني القرآن

- ‌ثالثًا: قِلَّةُ النِّزاع بين الصحابة في التفسير:

- ‌ أمثلة للاختلاف الوارد عن الصحابة رضي الله عنهم:

- ‌رابعًا: أنَّ من التابعين من تلقّى جميع التفسير من الصحابة:

- ‌خامسًا: أن التابعين قد يتكلمون في التفسير بالاستنباط والاستدلال:

- ‌اختلاف التنوع واختلاف التضاد في تفسير السلف

- ‌معرفة سبب النُّزول يُعينُ على فهم الآية

- ‌شرح اختلاف التنوع واختلاف التضاد في تفسير السلف

- ‌المسألة الأولى: في تعريف اختلاف التنوع واختلاف التضاد:

- ‌أولاً: اختلاف التنوع:

- ‌اختلاف التنوع في التفسير نوعان:

- ‌ثانيًا: اختلاف التضاد:

- ‌المسألة الثانية: في نوعي الاختلاف اللذَين يكثران في تفسير سلف الأمة:

- ‌الصنف الأول:

- ‌ ذكر رحمه الله أنَّ التفسير يختلف باختلاف مقصود السائلِ

- ‌المثال الأول:

- ‌المثال الثاني:

- ‌الصنف الثاني:

- ‌فائدةُ التفسير بالمثال:

- ‌ إن التفسير بالمثال لا يفيد الحصرَ

- ‌المسألة الثالثة: تنبيهات تتعلق بأسباب النُّزول

- ‌المسألة الأولى:أنَّ الآية لا تختصُّ بالشخصِ المعيَّنِ دون غيرِه

- ‌المسألة الثانية:دخول ما يشبه حال ذلك الشخص في معنى الآية الواردة على سبب من طريقين:

- ‌ أن دخول غير السبب من باب تعميم اللفظ أقوى من دخوله من باب القياس

- ‌مسألة في أثر معرفة سبب النُّزول:

- ‌قال شيخ الإسلام: «ومعرفة سبب النُّزول يعين على فهم الآية

- ‌مسألة في قولهم: نزلت هذه الآية في كذا:

- ‌أمثلة لصيغة (نزلت في) عند البخاري:

- ‌ورود صيغة «فأنزل الله» «فنَزلت» في غير سبب النُّزول المباشر:

- ‌الاحتمالات الواردة على نزول الآية إذا ورد فيها أكثر من سبب:

- ‌الاحتمال الأول: أن تكون الآية نزلت عقب هذه الأسباب، فيكون أكثرُ من حدث سببًا لنُزول الآية

- ‌الاحتمال الثاني: أن تكون الآية نزلت مرتين، مرة لهذا السبب، ومرة لذلك السبب الآخر

- ‌نوعان آخران من اختلاف التنوع

- ‌النوع الأول: ما يكون اللفظ فيه محتملاً للأمرين:

- ‌أولاً: المشترك اللغوي:

- ‌ثانيًا: المتواطئ:

- ‌النوع الأول من المتواطئ:

- ‌النوع الثاني من المتواطئ:

- ‌النوع الثاني من الاختلاف الموجود عنهم ويجعله بعض الناس اختلافًا: أن يُعبِّروا عن المعنى بألفاظ متقاربة:

- ‌مسائل علمية في هذا الفصل

- ‌أولاً: الألفاظ المترادفة:

- ‌ثانيًا: التضمين:

- ‌ثالثًا: فائدة جمع أقوال السلف:

- ‌رابعًا: وقوع الاختلاف المحقق في تفسير السلف:

- ‌خامسًا: أسباب الاختلاف:

- ‌الاختلاف الواقع في كتب التفسير من جهة النقل ومن جهة الاستدلال

- ‌ وتتضمن تارة جعل اللفظ المطلق العام منحصرًا في شخص واحد

- ‌من أصول العلم

- ‌شرح الاختلاف الواقع في كتب التفسير من جهة النقل ومن جهة الاستدلال

- ‌النوع الأول: ما يرجع إلى النقل

- ‌الإسرائيليات عند شيخ الإسلام في هذه المقدمة:

- ‌تلخيص أفكار شيخ الإسلام في الإسرائيليات:

- ‌إشكال في موقف ابن عباس من الإسرائيليات:

- ‌مسألة في ضابط العقل في ردِّ الإسرائيليات:

- ‌مسألة في وقوع الاختلاف بين علماء الكتاب فيما يروونه:

- ‌فائدة: في عدم تحرِّي العلماء فيما يُنقل عن أهل الكتاب:

- ‌مسألة في خبر عبد الله بن عمرو والزاملتين:

- ‌مسألة في قول الإمام أحمد في كتب التفسير:

- ‌مسألة في المراسيل في التفسير:

- ‌مسألة الموضوعات في كتب التفسير:

- ‌نقد شيخ الإسلام لبعض المفسرين:

- ‌أولاً: الثعلبي (ت:427):

- ‌ثانيًا: الواحدي (ت:468):

- ‌ثالثًا: البغوي (ت:516):

- ‌رابعًا: الزمخشري (ت:538):

- ‌مسائل الاختلاف الواقع في كتب التفسير من جهة الاستدلال

- ‌أولاً: كتب التفسير التي تخلو من الخطأ بسبب الاستدلال

- ‌ثانيًا: الوجه الأول من سببي الخطأ في الاستدلال:

- ‌أصناف من كان نظرهم إلى المعنى أسبق:

- ‌الصنف الأول: من يسلبون لفظ القرآن ما دلَّ عليه وأريد به:

- ‌الصنف الثاني: من يحملونه على ما لم يدل عليه ولم يرد به:

- ‌ثالثًا: الوجه الثاني من سببي الخطأ في الاستدلال:

- ‌قوم فسَّروا القرآن بمجرد ما يسوغ أن يريده من كان من الناطقين بلغة العرب بكلامه

- ‌رابعًا: نقد بعض التفاسير المخالفة لمنهج السلف، وبيان المنهج العقدي العام لها:

- ‌أمثلة لبعض أصول المعتزلة والرافضة التي حملوا ألفاظ القرآن عليها:

- ‌أولاً: أصول المعتزلة التي وافقتهم عليها الرافضة (2):

- ‌ثانيًا: الأصل الذي خالفت فيه الرافضة المعتزلة (الإمامة):

- ‌خامسًا: دخول الفلاسفة والرافضة والقرامطة في التأويلات بسبب تأويلات أهل الكلام:

- ‌سادسًا: الأمثلة التي ذكرها شيخ الإسلام في انحرافات التفسير:

- ‌ قاعدة في ضابط معرفة الانحراف في تفسير الألفاظ بأشخاص مُعَيَّنين

- ‌الضابط الأول: تفسير اللفظ بما لا يدل عليه بحال:

- ‌الضابط الثاني: جعل اللفظ العام منحصرًا في شخص واحد:

- ‌سابعًا: تفسير الزمخشري وابن عطية والطبري:

- ‌تفسير ابن عطية (ت:542):

- ‌تفسير الطبري:

- ‌ثامنًا: تفسير أبي عبد الرحمن السلمي، وأقوال الصوفية:

- ‌تاسعًا: مكانة تفسير من خالف السلف، وكيفية معرفة تلك المخالفة:

- ‌أحسن طرق تفسير القرآن

- ‌شرح أحسن طرق تفسير القرآن

- ‌تفسير القرآن بالقرآن

- ‌تفسير القرآن بالسنة

- ‌تفسير القرآن بأقوال الصحابة:

- ‌تفسير القرآن بأقوال التابعين

- ‌الرأي في التفسير:

- ‌الملاحق العلمية: نقولٌ من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية

- ‌الملحق الأولويشتمل على ثلاث مسائل:

- ‌الملحق الثانيكلام ابن القيم (ت:751) في مسألة البيان النبوي للقرآن:

- ‌الملحق الثالثكلام آخر لابن القيم (ت:751) في مسألة البيان النبوي للقرآن:

- ‌الملحق الرابعأنواع اختلاف التنوع في تفسير السلف:

- ‌الملحق الخامسفي طرق معرفة الكذب في المنقول:

- ‌الملحق السادسفي كتب التفسير:

- ‌الملحق السابعأمثلة تفسيرية مما لا ينقضي منها عجب العالم:

- ‌فهرس المصادر والمراجع

الفصل: ‌تفسير القرآن بأقوال التابعين

‌تفسير القرآن بأقوال التابعين

(1):

طَرَقَ شيخ الإسلام في هذا الموضوع سبب الرجوع إلى تفسير التابعين، وهو رجوع كثيرٍ من الأئمة إلى تفسيرهم، وهذا ـ بلا شك ـ سبب أكيد، ويضاف إليه ثلاثة أمور:

1 -

تلقيهم العلم على يد الصحابة الذين شاهدوا التنْزيل، وعرفوا أحوال من نزل فيه الخطاب، وتلقوا علمهم عن النبي صلى الله عليه وسلم.

2 -

خلوهم من البدع والأهواء، فلم يكونوا شيعًا وأحزابًا، بل كانوا متفقين على أصول أهل السنة والجماعة التي أرساها الصحابة.

وقد نشأ عن ذلك سبب ثالث، وهو:

3 -

ائتلاف أقوالهم، وقلة الاختلاف في التفسير بالنسبة لمن جاء بعدهم، وهذا يرجع إلى ما سبق أن ذكره شيخ الإسلام بقوله:«ولهذا كان النِّزاع بين الصحابة في تفسير القرآن قليلٌ جدًا، وهو وإن كان في التابعين أكثر منه في الصحابة، فهو قليل بالنسبة لمن جاء بعدهم، وكلما كان العصر أشرف كان الاجتماع والائتلاف والعلم والبيان فيه أكثر» .

4 -

عدم فساد ألسنتهم بالعجمة، فكانوا في وقت الاحتجاج اللغوي،

(1) ينظر في تفسير القرآن بأقوال التابعين: فصول في أصول التفسير (ص:39 ـ 40)، وكتاب تفسير التابعين عرض ودراسة ومقارنة، للدكتور محمد بن عبد الله بن علي الخضيري، نشر دار الوطن.

ص: 289

بل بعضهم كان من الحُجَجِ اللغوية التي يُرجع إلى قولهم في بيان كلام العرب.

طبقات مفسري السلف بعد الصحابة:

ذكر شيخ الإسلام عددًا من علماء التابعين من المفسرين، وهم ـ حسب ورودهم عنده ـ مجاهد بن جبر (ت:104)، وسعيد بن جبير (ت:95)، وعكرمة (ت:105)، ومسروق بن الأجدع (ت:63)، وسعيد بن المسيب (ت: بعد 90)، وأبو العالية (ت:93)، والربيع بن أنس (ت:139)، وقتادة (ت:117)، والضحاك بن مزاحم (ت:105).

وبعد ذكره لهم ألحق بهم غيرهم من التابعين ممن لم يذكرهم، وأتباع التابعين، ومن بعد أتباع التابعين. والذي يرجع في التفسير المدوَّن عن السلف يجد أنَّ المنقول يقف عند طبقة أتباع التابعين على رأس المائتين تقريبًا، وأما من جاء بعدهم من أتباع أتباع التابعين، فإنه قد كان ناقلاً للتفسير، ولم يكن في عهدهم إلا أقوال مفردة لبعض العلماء، وهي معتمدة على أقوال هذه الطبقات الثلاث.

عبارات السلف في التفسير:

ذكر أن السلف قد يقع في عباراتهم في تفسير الآية تباين في الألفاظ يحسبها من لا علم عنده اختلافًا فيحكيها أقوالاً وليس كذلك، وذكر أنَّ تعبيراتهم قد تكون:

بالتعبير عن الشيء بلازمه، أو التعبير عنه بنظيره، ومنهم من ينص على الشيء بعينه.

واللازم نوعان:

الأول: أن يكون لازمًا للفظ من جهة المدلول اللغوي، ويدخل في ذلك التنبيه على جزء المعنى عندما يكون اللفظ مشتملاً على أجزاء من المعاني لا

ص: 290

يطلق عليه لأجل أحدها بل لوجودها كلها؛ كالإذن يستلزم العلم، إذ كيف يأذن بما لا يعلم، وليس الإذن مجرد العلم فقط، بل هو علمٌ مع إباحةٍ.

الثاني: لازم للمعنى المراد، وفي هذا يشترك مدلول اللفظ مع المعنى السياقي المراد فيتكون منها المعنى الجملي، ومن ذلك تفسير ابن جريج (ت:150) لقوله تعالى: {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيْسَتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ} [البقرة: 49]، قال:«يسترقون نساءكم» (1). فتعبيره هذا تفسير بلازم المعنى السياقي، إذ هم يستبقونهنَّ أحياء ليكنَّ رقيقات حال كونهنَّ نساءً.

وهذا الاختلاف لا يكون اختلافًا محققًا، بل هو يرجع إلى معنى واحد في النهاية.

ويمكن أن يضاف إلى تعبيرات السلف ما سبق أن ذكره في اختلاف التنوع، فالتفسير بالمثال، وتفسير اللفظ بما يقارب معناه نوعان داخلان في طرق السلف في التعبير عن التفسير.

كما يضاف إليها ما ذكره في موطن آخر حيث ذكر طريقتين في تعبيرهم، وهي: أن يذكروا بعض صفات المفسَّر أو أن يذكروا بعض أنواعه، قال: «

ثم قول من قال من السلف: هادي السموات والأرض، لا يمنع أن يكون في نفسه نورًا، فإن عادة السلف في تفسيرهم أن يذكروا بعض صفات المفسَّر من الأسماء أو بعض أنواعه، ولا ينافي ذلك ثبوت بقية الصفات المسمى، بل قد يكونان متلازمين، ولا دخول لبقية الأنواع فيه، وهذا قررناه غير مرة في القواعد المتقدمة، ومن تدبره عَلم أن أكثر أقوال السلف في التفسير متفقة غير مختلفة» (2).

(1) تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (2:46).

(2)

تفسير سورة النور، لابن تيمية، نشر دار الوعي بحلب (ص:192).

ص: 291

وشيخ الإسلام لم يوضح مراده بهذه المصطلحات، ولا ذكر لها أمثلة توضِّحها، ويمكن إجمال هذه التعبيرات فيما يأتي:

1 -

بالتعبير عن الشيء بلازمه.

2 -

أو التعبير عنه بنظيره.

يحتمل قوله بنظيره بما يشبهه من بعض الوجوه دون بعض، وإذا كان كذلك، فهو يدخل في رقم (6) الآتي ذكره.

3 -

ومنهم من ينص على الشيء بعينه.

4 -

أن يذكروا بعض صفات المفسَّر من الأسماء.

5 -

أو بعض أنواعه.

وهذا وسابقه قد مرَّ في مثال تفسير اسم الله (النور).

6 -

تفسير اللفظ بما يقارب معناه.

7 -

التفسير بالمثال.

وهذان الأخيران قد سبقت أمثلتهما في اختلاف التنوع.

حجية قول التابعين في التفسير:

ذكر شيخ الإسلام قول شعبة بن الحجاج (ت:160) في قبول قول التابعين في التفسير، وشرحه بأنها لا تكون حجة حال الاختلاف، فإذا وقع خلاف بين مجاهد (ت:104)، وعكرمة (ت:105)، فلا يكون قول مجاهد حجة على قول عكرمة، لأنه مجاهد (ت:104)، ولا العكس.

وهذا التنظير ينطبق على تفسير الصحابة أيضًا، فليس اختيار القول لأنه قول ابن عباس (ت:68) مع وجود المخالف له من الصحابة، وهكذا غيره من الصحابة.

لكن إذا اتفقوا على قول كان حجَّةً لأجل منْزلة الإجماع وحُجِّيته، كما لو أجمع الصحابة على قول.

ص: 292

ومن جاء بعدهم فله أن يقول بقول الواحد منهم، لكن اختياره لأحد أقوالهم ليس حجة على القول الثاني، فيسقطه بسبب أنه اختار قول فلان منهم.

وإذا لم يرد التفسير إلا عن الواحد منهم، فالأصل قبوله، ما لم يظهر عليه ما يوجب عدم ذلك، وقوله ـ في مثل هذا الحال ـ مقدَّمٌ على قول من بعده، وعلى هذا المنهج سار إمام المفسرين ابن جرير الطبري (ت:310) حيث يعتمد ـ في بعض الأحيان ـ على قول الواحد من التابعين، بل على قول الواحد من أتباع التابعين، إذا لم يكن في الآية إلا قول الواحد منهم.

والاعتراض على رأيهم لا يخلو من حالين:

الأولى: أن يكون الاعتراض اعتراضًا علميًّا مقنعًا، بحيث يكون مبنيًّا على أصول علميَّةٍ معتبرة، وهذا يجوز الاعتداد به عند الاختلاف، مع ملاحظة أنَّ بعض الاعتراضات ـ مع ما فيها من أسلوب علميٍّ معتبر ـ قد تقصُر عن فهم تفسير السلف، ويقع الاعتراض في غير محلِّه.

الثانية: أن يكون الاعتراضُ مبنيًّا على مذهب غير معتبر، ورأي مخالفٍ لرأيهم، أو أن يكون عن عِلْمٍ ناقصٍ، وذلك ما يصدر من بعض المعاصرين الذين لم يدركوا مرامي كلام السلف، كما يقع لبعض من يتعاطون الإعجاز العلمي، فيقع منهم الاعتراض أو التثريب على السلف.

وإذا كان الاعتراض ممن هذه صفته، فإنه لا يُقبل؛ لأنه لم تكتمل فيه الشروط العلمية للردِّ على الأقوال.

مسألة في كيفية الترجيح بين أقوال التابعين:

الترجيح بين أقوال المفسرين (1) أوسع من الترجيح بين أقوال التابعين،

(1) ينظر في الترجيح بين أقوال المفسرين كتاب: قواعد الترجيح عند المفسرين، =

ص: 293

وما ذكره شيخ الإسلام هنا عريٌّ عن الأمثلة، ويظهر أنَّ كون هذه الرسالة صدرت عن إملاء خلت في كثيرٍ من المواضع المهمة من الأمثلة، وقد ذكر في المرجع عند اختلاف التابعين، وأرجع الترجيح بين أقوالهم إلى أمور ثلاثة:

الأمر الأول: لغة القرآن والسنة (2)، ويدخل في هذا نوعان:

الأول: الاستعمال القرآني؛ سواءً أكان أغلبيًّا، أم كان مطَّردًا، والمطَّردُ يكون مصطلحًا قرآنيًّا.

= للدكتور حسين الحربي.

(1)

ينظر في الترجيح بين أقوال المفسرين كتاب: قواعد الترجيح عند المفسرين، للدكتور حسين الحربي.

(2)

ذكر شيخ الإسلام مصطلح «لغة القرآن» في غير هذا الموضع، فقال: «

والمعنى الثاني في لفظ السلف ـ وهو الثالث من مسمى التأويل مطلقًا ـ: هو نفس المراد بالكلام، فإن الكلام إن كان طلبًا كان تأويله نفس الفعل المطلوب، وإن كان خبرًا كان تأويله نفس الشيء المخبَر به.

وبين هذا المعنى والذي قبله بون، فإن الذي قبله ـ أي: التأويل بمعنى التفسير ـ يكون التأويل فيه من باب العلم والكلام؛ كالتفسير والشرح والإيضاح، ويكون وجود التأويل في القلب واللسان له الوجود الذهني واللفظي والرسمي، وأما هذا، فالتأويل فيه نفس الأمور الموجودة في الخارج سواء كانت ماضية أو مستقبلة فإذا قيل: طلعت الشمس، فتأويل هذا نفس طلوعها، ويكون التأويل من باب الوجود العيني الخارجي، فتأويل الكلام: هو الحقائق الثابتة في الخارج بما هي عليه من صفاتها وشؤونها وأحوالها، وتلك الحقائق لا تعرف على ما هي عليه بمجرد الكلام والإخبار إلا أن يكون المستمع قد تصوَّرها أو تصوَّر نظيرها بغير كلام وإخبار، لكن يعرف من صفاتها وأحوالها قدر ما أفهمه المخاطب؛ إما بضرب المثل، وإما بالتقريب، وأما بالقدر المشترك بينها وبين غيرها، وإما بغير ذلك.

وهذا الوضع والعرف الثالث هو لغة القرآن التي نزل بها، وقد قدمنا التبيين في ذلك، ومن ذلك قول يعقوب عليه السلام ليوسف:{وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَاوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ} [يوسف: 6]». الفتاوى (13:289 ـ 290).

وينظر من كلامه في لغة القرآن والسنة المواضع الآتية: بيان تلبيس الجهمية (1:532)، النبوات (ص:236، 273)، الصفدية (2:84)، الفتاوى (1:245)، (5:63)، (6:91، 112)، (7:115)، (12:319)، (17:353، 364، 368).

ص: 294

الثاني: المصطلح الشرعي، وهو الاستعمال الوارد للفظ في لغة الشارع، فيكون مبيِّنًا ومرجِّحًا، إذا وقع الاختلاف.

الأمر الثاني: عموم لغة العرب:

وفي هذا لا يعني أنَّ التابعين وأتباعهم قد يفسرون بغير ما يُعرف من لغة العرب، لكنَّ الأمر يمكن أن يُحمل على موضوعين في لغة العرب:

الأول: أن يكون القول المذكور هو الاستعمال المشهور للفظة، فيقدَّم على غيره مما لا يتَّصِف بهذا مما يكون هو الأغرب أو الأقل في الاستعمال.

الثاني: أن يكون الاشتقاق أليق بأحد الأقوال من غيره، فيقدَّم هذا القول على غيره مما يبعد عن اشتقاق اللفظ.

الأمر الثالث: أقوال الصحابة:

وهذا المرجِّح يفيد فيما يقع فيه الاختلاف من جهة مشاهدة النُّزول على وجه الخصوص (1)، فقول الصحابي في النزول مقدَّمٌ على قول غيره مطلقًا، إذ الشاهد الذي يرى ويروي أعلم بالحال من الغائب الذي يروي ولم يَرَ.

أما إذا كان الأمر يرجع إلى الاجتهاد المعتمد على اللغة أو غيرها، فإنَّ عمل المفسرين على تقديم القول الصحيح، ولو كان في القول غير المختار صحابيٌّ، وهذا يظهر باستقراء منهج المفسرين المعتبرين أمثال ابن جرير الطبري (ت:310)، والنحاس (ت:338)، وأبي المظفر السمعاني (ت:489)، والبغوي (ت:516)، وابن عطية (ت:542)، والقرطبي (ت:661)، وابن كثير (ت:771)، وغيرهم من المحققين (2).

(1) متى يُقدَّم تفسير الصحابي مطلقًا؟ مسألة تحتاج إلى بحث، وفيها عدم وضوح، خصوصًا أنَّ التنظيرات التي ذُكِرَت في تفسير الصحابي يخالفها تطبيقات العلماء أثناء كتابتهم للتفسير وترجيحاتهم بين الأقوال.

(2)

هذا الذي ظهر لي من عمل المفسرين، وهذه المسألة تحتاج إلى بحث واستقراء =

ص: 295