الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تفسير القرآن بأقوال التابعين
(1):
طَرَقَ شيخ الإسلام في هذا الموضوع سبب الرجوع إلى تفسير التابعين، وهو رجوع كثيرٍ من الأئمة إلى تفسيرهم، وهذا ـ بلا شك ـ سبب أكيد، ويضاف إليه ثلاثة أمور:
1 -
تلقيهم العلم على يد الصحابة الذين شاهدوا التنْزيل، وعرفوا أحوال من نزل فيه الخطاب، وتلقوا علمهم عن النبي صلى الله عليه وسلم.
2 -
خلوهم من البدع والأهواء، فلم يكونوا شيعًا وأحزابًا، بل كانوا متفقين على أصول أهل السنة والجماعة التي أرساها الصحابة.
وقد نشأ عن ذلك سبب ثالث، وهو:
3 -
ائتلاف أقوالهم، وقلة الاختلاف في التفسير بالنسبة لمن جاء بعدهم، وهذا يرجع إلى ما سبق أن ذكره شيخ الإسلام بقوله:«ولهذا كان النِّزاع بين الصحابة في تفسير القرآن قليلٌ جدًا، وهو وإن كان في التابعين أكثر منه في الصحابة، فهو قليل بالنسبة لمن جاء بعدهم، وكلما كان العصر أشرف كان الاجتماع والائتلاف والعلم والبيان فيه أكثر» .
4 -
عدم فساد ألسنتهم بالعجمة، فكانوا في وقت الاحتجاج اللغوي،
(1) ينظر في تفسير القرآن بأقوال التابعين: فصول في أصول التفسير (ص:39 ـ 40)، وكتاب تفسير التابعين عرض ودراسة ومقارنة، للدكتور محمد بن عبد الله بن علي الخضيري، نشر دار الوطن.
بل بعضهم كان من الحُجَجِ اللغوية التي يُرجع إلى قولهم في بيان كلام العرب.
طبقات مفسري السلف بعد الصحابة:
ذكر شيخ الإسلام عددًا من علماء التابعين من المفسرين، وهم ـ حسب ورودهم عنده ـ مجاهد بن جبر (ت:104)، وسعيد بن جبير (ت:95)، وعكرمة (ت:105)، ومسروق بن الأجدع (ت:63)، وسعيد بن المسيب (ت: بعد 90)، وأبو العالية (ت:93)، والربيع بن أنس (ت:139)، وقتادة (ت:117)، والضحاك بن مزاحم (ت:105).
وبعد ذكره لهم ألحق بهم غيرهم من التابعين ممن لم يذكرهم، وأتباع التابعين، ومن بعد أتباع التابعين. والذي يرجع في التفسير المدوَّن عن السلف يجد أنَّ المنقول يقف عند طبقة أتباع التابعين على رأس المائتين تقريبًا، وأما من جاء بعدهم من أتباع أتباع التابعين، فإنه قد كان ناقلاً للتفسير، ولم يكن في عهدهم إلا أقوال مفردة لبعض العلماء، وهي معتمدة على أقوال هذه الطبقات الثلاث.
عبارات السلف في التفسير:
ذكر أن السلف قد يقع في عباراتهم في تفسير الآية تباين في الألفاظ يحسبها من لا علم عنده اختلافًا فيحكيها أقوالاً وليس كذلك، وذكر أنَّ تعبيراتهم قد تكون:
بالتعبير عن الشيء بلازمه، أو التعبير عنه بنظيره، ومنهم من ينص على الشيء بعينه.
واللازم نوعان:
الأول: أن يكون لازمًا للفظ من جهة المدلول اللغوي، ويدخل في ذلك التنبيه على جزء المعنى عندما يكون اللفظ مشتملاً على أجزاء من المعاني لا
يطلق عليه لأجل أحدها بل لوجودها كلها؛ كالإذن يستلزم العلم، إذ كيف يأذن بما لا يعلم، وليس الإذن مجرد العلم فقط، بل هو علمٌ مع إباحةٍ.
الثاني: لازم للمعنى المراد، وفي هذا يشترك مدلول اللفظ مع المعنى السياقي المراد فيتكون منها المعنى الجملي، ومن ذلك تفسير ابن جريج (ت:150) لقوله تعالى: {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيْسَتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ} [البقرة: 49]، قال:«يسترقون نساءكم» (1). فتعبيره هذا تفسير بلازم المعنى السياقي، إذ هم يستبقونهنَّ أحياء ليكنَّ رقيقات حال كونهنَّ نساءً.
وهذا الاختلاف لا يكون اختلافًا محققًا، بل هو يرجع إلى معنى واحد في النهاية.
ويمكن أن يضاف إلى تعبيرات السلف ما سبق أن ذكره في اختلاف التنوع، فالتفسير بالمثال، وتفسير اللفظ بما يقارب معناه نوعان داخلان في طرق السلف في التعبير عن التفسير.
كما يضاف إليها ما ذكره في موطن آخر حيث ذكر طريقتين في تعبيرهم، وهي: أن يذكروا بعض صفات المفسَّر أو أن يذكروا بعض أنواعه، قال: «
…
ثم قول من قال من السلف: هادي السموات والأرض، لا يمنع أن يكون في نفسه نورًا، فإن عادة السلف في تفسيرهم أن يذكروا بعض صفات المفسَّر من الأسماء أو بعض أنواعه، ولا ينافي ذلك ثبوت بقية الصفات المسمى، بل قد يكونان متلازمين، ولا دخول لبقية الأنواع فيه، وهذا قررناه غير مرة في القواعد المتقدمة، ومن تدبره عَلم أن أكثر أقوال السلف في التفسير متفقة غير مختلفة» (2).
(1) تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (2:46).
(2)
تفسير سورة النور، لابن تيمية، نشر دار الوعي بحلب (ص:192).
وشيخ الإسلام لم يوضح مراده بهذه المصطلحات، ولا ذكر لها أمثلة توضِّحها، ويمكن إجمال هذه التعبيرات فيما يأتي:
1 -
بالتعبير عن الشيء بلازمه.
2 -
أو التعبير عنه بنظيره.
يحتمل قوله بنظيره بما يشبهه من بعض الوجوه دون بعض، وإذا كان كذلك، فهو يدخل في رقم (6) الآتي ذكره.
3 -
ومنهم من ينص على الشيء بعينه.
4 -
أن يذكروا بعض صفات المفسَّر من الأسماء.
5 -
أو بعض أنواعه.
وهذا وسابقه قد مرَّ في مثال تفسير اسم الله (النور).
6 -
تفسير اللفظ بما يقارب معناه.
7 -
التفسير بالمثال.
وهذان الأخيران قد سبقت أمثلتهما في اختلاف التنوع.
حجية قول التابعين في التفسير:
ذكر شيخ الإسلام قول شعبة بن الحجاج (ت:160) في قبول قول التابعين في التفسير، وشرحه بأنها لا تكون حجة حال الاختلاف، فإذا وقع خلاف بين مجاهد (ت:104)، وعكرمة (ت:105)، فلا يكون قول مجاهد حجة على قول عكرمة، لأنه مجاهد (ت:104)، ولا العكس.
وهذا التنظير ينطبق على تفسير الصحابة أيضًا، فليس اختيار القول لأنه قول ابن عباس (ت:68) مع وجود المخالف له من الصحابة، وهكذا غيره من الصحابة.
لكن إذا اتفقوا على قول كان حجَّةً لأجل منْزلة الإجماع وحُجِّيته، كما لو أجمع الصحابة على قول.
ومن جاء بعدهم فله أن يقول بقول الواحد منهم، لكن اختياره لأحد أقوالهم ليس حجة على القول الثاني، فيسقطه بسبب أنه اختار قول فلان منهم.
وإذا لم يرد التفسير إلا عن الواحد منهم، فالأصل قبوله، ما لم يظهر عليه ما يوجب عدم ذلك، وقوله ـ في مثل هذا الحال ـ مقدَّمٌ على قول من بعده، وعلى هذا المنهج سار إمام المفسرين ابن جرير الطبري (ت:310) حيث يعتمد ـ في بعض الأحيان ـ على قول الواحد من التابعين، بل على قول الواحد من أتباع التابعين، إذا لم يكن في الآية إلا قول الواحد منهم.
والاعتراض على رأيهم لا يخلو من حالين:
الأولى: أن يكون الاعتراض اعتراضًا علميًّا مقنعًا، بحيث يكون مبنيًّا على أصول علميَّةٍ معتبرة، وهذا يجوز الاعتداد به عند الاختلاف، مع ملاحظة أنَّ بعض الاعتراضات ـ مع ما فيها من أسلوب علميٍّ معتبر ـ قد تقصُر عن فهم تفسير السلف، ويقع الاعتراض في غير محلِّه.
الثانية: أن يكون الاعتراضُ مبنيًّا على مذهب غير معتبر، ورأي مخالفٍ لرأيهم، أو أن يكون عن عِلْمٍ ناقصٍ، وذلك ما يصدر من بعض المعاصرين الذين لم يدركوا مرامي كلام السلف، كما يقع لبعض من يتعاطون الإعجاز العلمي، فيقع منهم الاعتراض أو التثريب على السلف.
وإذا كان الاعتراض ممن هذه صفته، فإنه لا يُقبل؛ لأنه لم تكتمل فيه الشروط العلمية للردِّ على الأقوال.
مسألة في كيفية الترجيح بين أقوال التابعين:
الترجيح بين أقوال المفسرين (1) أوسع من الترجيح بين أقوال التابعين،
(1) ينظر في الترجيح بين أقوال المفسرين كتاب: قواعد الترجيح عند المفسرين، =
وما ذكره شيخ الإسلام هنا عريٌّ عن الأمثلة، ويظهر أنَّ كون هذه الرسالة صدرت عن إملاء خلت في كثيرٍ من المواضع المهمة من الأمثلة، وقد ذكر في المرجع عند اختلاف التابعين، وأرجع الترجيح بين أقوالهم إلى أمور ثلاثة:
الأمر الأول: لغة القرآن والسنة (2)، ويدخل في هذا نوعان:
الأول: الاستعمال القرآني؛ سواءً أكان أغلبيًّا، أم كان مطَّردًا، والمطَّردُ يكون مصطلحًا قرآنيًّا.
= للدكتور حسين الحربي.
(1)
ينظر في الترجيح بين أقوال المفسرين كتاب: قواعد الترجيح عند المفسرين، للدكتور حسين الحربي.
(2)
ذكر شيخ الإسلام مصطلح «لغة القرآن» في غير هذا الموضع، فقال: «
…
والمعنى الثاني في لفظ السلف ـ وهو الثالث من مسمى التأويل مطلقًا ـ: هو نفس المراد بالكلام، فإن الكلام إن كان طلبًا كان تأويله نفس الفعل المطلوب، وإن كان خبرًا كان تأويله نفس الشيء المخبَر به.
وبين هذا المعنى والذي قبله بون، فإن الذي قبله ـ أي: التأويل بمعنى التفسير ـ يكون التأويل فيه من باب العلم والكلام؛ كالتفسير والشرح والإيضاح، ويكون وجود التأويل في القلب واللسان له الوجود الذهني واللفظي والرسمي، وأما هذا، فالتأويل فيه نفس الأمور الموجودة في الخارج سواء كانت ماضية أو مستقبلة فإذا قيل: طلعت الشمس، فتأويل هذا نفس طلوعها، ويكون التأويل من باب الوجود العيني الخارجي، فتأويل الكلام: هو الحقائق الثابتة في الخارج بما هي عليه من صفاتها وشؤونها وأحوالها، وتلك الحقائق لا تعرف على ما هي عليه بمجرد الكلام والإخبار إلا أن يكون المستمع قد تصوَّرها أو تصوَّر نظيرها بغير كلام وإخبار، لكن يعرف من صفاتها وأحوالها قدر ما أفهمه المخاطب؛ إما بضرب المثل، وإما بالتقريب، وأما بالقدر المشترك بينها وبين غيرها، وإما بغير ذلك.
وهذا الوضع والعرف الثالث هو لغة القرآن التي نزل بها، وقد قدمنا التبيين في ذلك، ومن ذلك قول يعقوب عليه السلام ليوسف:{وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَاوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ} [يوسف: 6]». الفتاوى (13:289 ـ 290).
وينظر من كلامه في لغة القرآن والسنة المواضع الآتية: بيان تلبيس الجهمية (1:532)، النبوات (ص:236، 273)، الصفدية (2:84)، الفتاوى (1:245)، (5:63)، (6:91، 112)، (7:115)، (12:319)، (17:353، 364، 368).
الثاني: المصطلح الشرعي، وهو الاستعمال الوارد للفظ في لغة الشارع، فيكون مبيِّنًا ومرجِّحًا، إذا وقع الاختلاف.
الأمر الثاني: عموم لغة العرب:
وفي هذا لا يعني أنَّ التابعين وأتباعهم قد يفسرون بغير ما يُعرف من لغة العرب، لكنَّ الأمر يمكن أن يُحمل على موضوعين في لغة العرب:
الأول: أن يكون القول المذكور هو الاستعمال المشهور للفظة، فيقدَّم على غيره مما لا يتَّصِف بهذا مما يكون هو الأغرب أو الأقل في الاستعمال.
الثاني: أن يكون الاشتقاق أليق بأحد الأقوال من غيره، فيقدَّم هذا القول على غيره مما يبعد عن اشتقاق اللفظ.
الأمر الثالث: أقوال الصحابة:
وهذا المرجِّح يفيد فيما يقع فيه الاختلاف من جهة مشاهدة النُّزول على وجه الخصوص (1)، فقول الصحابي في النزول مقدَّمٌ على قول غيره مطلقًا، إذ الشاهد الذي يرى ويروي أعلم بالحال من الغائب الذي يروي ولم يَرَ.
أما إذا كان الأمر يرجع إلى الاجتهاد المعتمد على اللغة أو غيرها، فإنَّ عمل المفسرين على تقديم القول الصحيح، ولو كان في القول غير المختار صحابيٌّ، وهذا يظهر باستقراء منهج المفسرين المعتبرين أمثال ابن جرير الطبري (ت:310)، والنحاس (ت:338)، وأبي المظفر السمعاني (ت:489)، والبغوي (ت:516)، وابن عطية (ت:542)، والقرطبي (ت:661)، وابن كثير (ت:771)، وغيرهم من المحققين (2).
(1) متى يُقدَّم تفسير الصحابي مطلقًا؟ مسألة تحتاج إلى بحث، وفيها عدم وضوح، خصوصًا أنَّ التنظيرات التي ذُكِرَت في تفسير الصحابي يخالفها تطبيقات العلماء أثناء كتابتهم للتفسير وترجيحاتهم بين الأقوال.
(2)
هذا الذي ظهر لي من عمل المفسرين، وهذه المسألة تحتاج إلى بحث واستقراء =