الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وذلك كَرَدِّي لكل قول أعلم بالاضطرار أنه كذب وباطل. ولو نقل مثل هذا النمط عن أحد من الصحابة والتابعين، لعلمت أنه كذب عليهم، ولهذا تجد القرامطة ينقلون هذا عن علي رضي الله عنه، ويدَّعون أنَّ هذا العلم الباطن المخالف، لما علم من الظاهر مأخوذ عنه، ثم لم يستفيدوا بهذا النقل عن علي رضي الله عنه عند المسلمين إلا زيادة كذب وخزي، فإن المسلمين يعلمون بالاضطرار أن عليًّا لا يقول مثل هذا، وأهل العلم منهم قد علموا بالنقول الصحيحة الثابتة عن علي ما يبين كذب هذا، ويبين أن من ادعى على علي أنه كان عنده عن النبي صلى الله عليه وسلم علم خصَّه به فقد كذب، كما هو مبسوط في غير هذا الموضع» (1).
* أنه
لا يوجد في تفسير القرآن ما أخفاه الرسول صلى الله عليه وسلم عن الصحابة رضي الله عنهم
، ولا ما أخفاه على بعضهم وعلَّمه غيرهم عن قصدٍ، ولا ما علَّمه بعض الصحابة واستأثروا بعلمه فلم يُعلِّموه، ولا ما خصُّوا به بعض التابعين عن قصدٍ، حتى يصل إلى بعض الناس دون غيرهم، فكلُّ هذا مما يخالف ما هو معلوم من نقل الآثار بالضرورة، ويعرف كل من قرأ في آثار السلف عمومًا أنه لا يوجد مثل هذه العلوم الخاصة التي يزعمها بعض الرافضة أو الصوفية أو الباطنية.
ولا شكَّ أن
كلام شيخ الإسلام من حيث وجود بيان لجميع القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بجميع ألفاظه وجُمَلِهِ فيه إشكالٌ
، ويلزم منه أنَّ الصحابة الذين فسّروا القرآن كانوا يفسرونه بتفسير النبي صلى الله عليه وسلم ولا ينسبونه إليه، أو أن يكون شيء كثير منه لم يصل إلينا، وهذا من المسائل المشكلة، لو ثبت.
والذي تدلُّ عليه الآثارُ ما يأتي:
1 -
أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان له تفسيرات مباشرة لبعض آيات القرآن.
(1) بغية المرتاد (ص:327 ـ 328).
2 -
أنَّ عموم سنته صلى الله عليه وسلم شارحة للقرآن.
3 -
أنَّ أصول الدين من المعاملات والشرعيات والاعتقادات قد بيَّنها الرسول صلى الله عليه وسلم للصحابة بيانًا واضحًا لا لبس فيه، واختلافهم في بعض أفرادها لا يدلُّ على أنه لم يبينها لهم.
وهذا يسدُّ المدخل على المبتدعة الذين ناقشهم شيخ الإسلام، وعليه يُحمل كلامه في بيان الرسول صلى الله عليه وسلم، والله أعلم.
4 -
أنَّ الصحابة كان لهم اجتهاد في بيان القرآن وتفسيره، ولم يقع خلافهم في أصول المسائل السابقة، وإنما وقع في جزئيات، بل ما وقع الخلاف فيه من جهة دلالة بعض الآيات على مسائل في الاعتقاد نادرٌ جدًّا، وهو يرجع إلى صحَّةِ دلالة الآية على المسألة العقدية، لا على ثبوت المسألة العقدية عندهم؛ كالاختلاف في قوله تعالى:{يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ} [القلم: 42]، فقد ورد عن ابن عباس وأصحابه أنها القيامة تكشف عن هول وكرب عظيم، وورد عن أبي سعيد الخدري وغيره أنَّ الساق هنا هي ساق الرب سبحانه بدليل حديث الرسول صلى الله عليه وسلم:«يكشف ربنا عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياءً وسمعة، فيذهب ليسجد، فيعود ظهره طَبَقًا واحدًا» (1).
ومما يجب أن يعلم ويعتقد أنه لا يوجد في تفسيرات الصحابة، ولا التابعين وأتباعهم قول بالرأي المذموم الذي يكون عن جهل أو هوى، كما حصل فيمن جاء بعدهم من المتأخرين، بل كانوا يجتهدون على علمٍ، ولا يعني هذا أن يكون كل اجتهادهم صحيحًا، بل حالها كحال الاجتهاد في الفرعيات، لكن قولهم مقدم، وهو أولى من قول غيرهم من المتأخرين، وهذا الأصل مما لا يُتصوَّر أن يُنازِع فيه طالب علم يعرف عِلْمَ السلف وعلم الخلف.
(1) رواه البخاري برقم (4919)، وهو حديث مشهور رواه غير واحدٍ من أهل العلم.