المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الاختلاف الواقع في كتب التفسير من جهة النقل ومن جهة الاستدلال - شرح مقدمة في أصول التفسير لابن تيمية

[مساعد الطيار]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة الطبعة الثانية

- ‌أولاً: ما يتعلق بالمقدمة:

- ‌ثانيًا: ما يتعلق بشرح هذه المقدمة:

- ‌مدخل إلى رسالة شيخ الإسلام

- ‌أهم طبعات المقدمة:

- ‌عنوان هذه المقدمة:

- ‌متى كتب شيخ الإسلام المقدمة

- ‌من أفاد من المقدمة:

- ‌الموضوعات التي طرقتها المقدمة:

- ‌مقدمة المؤلف

- ‌شرح مقدمة المؤلف

- ‌ سبب تأليف هذه المقدمة

- ‌ التفسير إما منقول وإما معقول

- ‌ أن تحديد المنقول والمعقول من التفسير قضية نسبية تختلف باختلاف العصر

- ‌ من بلغ درجة الاجتهاد في التفسير في العصر الحاضر فإن له مجالين:

- ‌تعلم تفسير القرآن من فروض الكفايات

- ‌بيان النبي صلى الله عليه وسلم معاني القرآن لأصحابه رضي الله عنهم

- ‌شرح بيان النبي صلى الله عليه وسلم معاني القرآن لأصحابه رضي الله عنهم

- ‌أولاً: موضوع البيان النبويِّ للقرآن:

- ‌ هل فسَّر النبي صلى الله عليه وسلم القرآن كله، أم فسَّر بعضَه

- ‌من زعم أنه لم يبين لهم معاني القرآن، أو أنه بيَّنها، وكتموها عن التابعين

- ‌فقولنا بتفسير الصحابة والتابعين لعلمنا بأنهم بلغوا عن الرسول صلى الله عليه وسلم ما لم يصل إلينا إلا بطريقهم

- ‌ البيان النبوي للقرآن على قسمين:

- ‌ السنة شارحة للقرآن ومبينة له

- ‌ في القرآن ما لا يُعلم تفسيره إلا من جهة النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌ لا يوجد في القرآن ما لا يُعلم معناه

- ‌ لا يوجد في القرآن ما خفِيَ علمه على الصحابة

- ‌ لا يوجد في تفسير القرآن ما أخفاه الرسول صلى الله عليه وسلم عن الصحابة رضي الله عنهم

- ‌ كلام شيخ الإسلام من حيث وجود بيان لجميع القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بجميع ألفاظه وجُمَلِهِ فيه إشكالٌ

- ‌بيان ما تدل عليه الآثار من أن النبي صلى الله عليه وسلم بيّن لهم ما يحتاجون إليه:

- ‌ثانيًا: اهتمام الصحابة بتعلُّم معاني القرآن

- ‌ثالثًا: قِلَّةُ النِّزاع بين الصحابة في التفسير:

- ‌ أمثلة للاختلاف الوارد عن الصحابة رضي الله عنهم:

- ‌رابعًا: أنَّ من التابعين من تلقّى جميع التفسير من الصحابة:

- ‌خامسًا: أن التابعين قد يتكلمون في التفسير بالاستنباط والاستدلال:

- ‌اختلاف التنوع واختلاف التضاد في تفسير السلف

- ‌معرفة سبب النُّزول يُعينُ على فهم الآية

- ‌شرح اختلاف التنوع واختلاف التضاد في تفسير السلف

- ‌المسألة الأولى: في تعريف اختلاف التنوع واختلاف التضاد:

- ‌أولاً: اختلاف التنوع:

- ‌اختلاف التنوع في التفسير نوعان:

- ‌ثانيًا: اختلاف التضاد:

- ‌المسألة الثانية: في نوعي الاختلاف اللذَين يكثران في تفسير سلف الأمة:

- ‌الصنف الأول:

- ‌ ذكر رحمه الله أنَّ التفسير يختلف باختلاف مقصود السائلِ

- ‌المثال الأول:

- ‌المثال الثاني:

- ‌الصنف الثاني:

- ‌فائدةُ التفسير بالمثال:

- ‌ إن التفسير بالمثال لا يفيد الحصرَ

- ‌المسألة الثالثة: تنبيهات تتعلق بأسباب النُّزول

- ‌المسألة الأولى:أنَّ الآية لا تختصُّ بالشخصِ المعيَّنِ دون غيرِه

- ‌المسألة الثانية:دخول ما يشبه حال ذلك الشخص في معنى الآية الواردة على سبب من طريقين:

- ‌ أن دخول غير السبب من باب تعميم اللفظ أقوى من دخوله من باب القياس

- ‌مسألة في أثر معرفة سبب النُّزول:

- ‌قال شيخ الإسلام: «ومعرفة سبب النُّزول يعين على فهم الآية

- ‌مسألة في قولهم: نزلت هذه الآية في كذا:

- ‌أمثلة لصيغة (نزلت في) عند البخاري:

- ‌ورود صيغة «فأنزل الله» «فنَزلت» في غير سبب النُّزول المباشر:

- ‌الاحتمالات الواردة على نزول الآية إذا ورد فيها أكثر من سبب:

- ‌الاحتمال الأول: أن تكون الآية نزلت عقب هذه الأسباب، فيكون أكثرُ من حدث سببًا لنُزول الآية

- ‌الاحتمال الثاني: أن تكون الآية نزلت مرتين، مرة لهذا السبب، ومرة لذلك السبب الآخر

- ‌نوعان آخران من اختلاف التنوع

- ‌النوع الأول: ما يكون اللفظ فيه محتملاً للأمرين:

- ‌أولاً: المشترك اللغوي:

- ‌ثانيًا: المتواطئ:

- ‌النوع الأول من المتواطئ:

- ‌النوع الثاني من المتواطئ:

- ‌النوع الثاني من الاختلاف الموجود عنهم ويجعله بعض الناس اختلافًا: أن يُعبِّروا عن المعنى بألفاظ متقاربة:

- ‌مسائل علمية في هذا الفصل

- ‌أولاً: الألفاظ المترادفة:

- ‌ثانيًا: التضمين:

- ‌ثالثًا: فائدة جمع أقوال السلف:

- ‌رابعًا: وقوع الاختلاف المحقق في تفسير السلف:

- ‌خامسًا: أسباب الاختلاف:

- ‌الاختلاف الواقع في كتب التفسير من جهة النقل ومن جهة الاستدلال

- ‌ وتتضمن تارة جعل اللفظ المطلق العام منحصرًا في شخص واحد

- ‌من أصول العلم

- ‌شرح الاختلاف الواقع في كتب التفسير من جهة النقل ومن جهة الاستدلال

- ‌النوع الأول: ما يرجع إلى النقل

- ‌الإسرائيليات عند شيخ الإسلام في هذه المقدمة:

- ‌تلخيص أفكار شيخ الإسلام في الإسرائيليات:

- ‌إشكال في موقف ابن عباس من الإسرائيليات:

- ‌مسألة في ضابط العقل في ردِّ الإسرائيليات:

- ‌مسألة في وقوع الاختلاف بين علماء الكتاب فيما يروونه:

- ‌فائدة: في عدم تحرِّي العلماء فيما يُنقل عن أهل الكتاب:

- ‌مسألة في خبر عبد الله بن عمرو والزاملتين:

- ‌مسألة في قول الإمام أحمد في كتب التفسير:

- ‌مسألة في المراسيل في التفسير:

- ‌مسألة الموضوعات في كتب التفسير:

- ‌نقد شيخ الإسلام لبعض المفسرين:

- ‌أولاً: الثعلبي (ت:427):

- ‌ثانيًا: الواحدي (ت:468):

- ‌ثالثًا: البغوي (ت:516):

- ‌رابعًا: الزمخشري (ت:538):

- ‌مسائل الاختلاف الواقع في كتب التفسير من جهة الاستدلال

- ‌أولاً: كتب التفسير التي تخلو من الخطأ بسبب الاستدلال

- ‌ثانيًا: الوجه الأول من سببي الخطأ في الاستدلال:

- ‌أصناف من كان نظرهم إلى المعنى أسبق:

- ‌الصنف الأول: من يسلبون لفظ القرآن ما دلَّ عليه وأريد به:

- ‌الصنف الثاني: من يحملونه على ما لم يدل عليه ولم يرد به:

- ‌ثالثًا: الوجه الثاني من سببي الخطأ في الاستدلال:

- ‌قوم فسَّروا القرآن بمجرد ما يسوغ أن يريده من كان من الناطقين بلغة العرب بكلامه

- ‌رابعًا: نقد بعض التفاسير المخالفة لمنهج السلف، وبيان المنهج العقدي العام لها:

- ‌أمثلة لبعض أصول المعتزلة والرافضة التي حملوا ألفاظ القرآن عليها:

- ‌أولاً: أصول المعتزلة التي وافقتهم عليها الرافضة (2):

- ‌ثانيًا: الأصل الذي خالفت فيه الرافضة المعتزلة (الإمامة):

- ‌خامسًا: دخول الفلاسفة والرافضة والقرامطة في التأويلات بسبب تأويلات أهل الكلام:

- ‌سادسًا: الأمثلة التي ذكرها شيخ الإسلام في انحرافات التفسير:

- ‌ قاعدة في ضابط معرفة الانحراف في تفسير الألفاظ بأشخاص مُعَيَّنين

- ‌الضابط الأول: تفسير اللفظ بما لا يدل عليه بحال:

- ‌الضابط الثاني: جعل اللفظ العام منحصرًا في شخص واحد:

- ‌سابعًا: تفسير الزمخشري وابن عطية والطبري:

- ‌تفسير ابن عطية (ت:542):

- ‌تفسير الطبري:

- ‌ثامنًا: تفسير أبي عبد الرحمن السلمي، وأقوال الصوفية:

- ‌تاسعًا: مكانة تفسير من خالف السلف، وكيفية معرفة تلك المخالفة:

- ‌أحسن طرق تفسير القرآن

- ‌شرح أحسن طرق تفسير القرآن

- ‌تفسير القرآن بالقرآن

- ‌تفسير القرآن بالسنة

- ‌تفسير القرآن بأقوال الصحابة:

- ‌تفسير القرآن بأقوال التابعين

- ‌الرأي في التفسير:

- ‌الملاحق العلمية: نقولٌ من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية

- ‌الملحق الأولويشتمل على ثلاث مسائل:

- ‌الملحق الثانيكلام ابن القيم (ت:751) في مسألة البيان النبوي للقرآن:

- ‌الملحق الثالثكلام آخر لابن القيم (ت:751) في مسألة البيان النبوي للقرآن:

- ‌الملحق الرابعأنواع اختلاف التنوع في تفسير السلف:

- ‌الملحق الخامسفي طرق معرفة الكذب في المنقول:

- ‌الملحق السادسفي كتب التفسير:

- ‌الملحق السابعأمثلة تفسيرية مما لا ينقضي منها عجب العالم:

- ‌فهرس المصادر والمراجع

الفصل: ‌الاختلاف الواقع في كتب التفسير من جهة النقل ومن جهة الاستدلال

‌الاختلاف الواقع في كتب التفسير من جهة النقل ومن جهة الاستدلال

ص: 127

فصل

(54)

الاختلاف في التفسير على نوعين: منه ما مستنده النقل فقط، ومنه ما يعلم بغير ذلك؛ إذ العلم إما نقل مصدَّق، وإما استدلال محقَّق (1).

(55)

والمنقول؛ إما عن المعصوم، وإما عن غير المعصوم. والمقصود بأن جنس المنقول؛ سواء كان عن المعصوم أو غير المعصوم. وهذا هو الأول، فمنه ما يمكن معرفة الصحيح منه والضعيف، ومنه ما لا يمكن معرفة ذلك فيه.

وهذا القسم الثاني من المنقول ـ وهو ما لا طريق لنا إلى الجزم بالصدق منه ـ عامَّتُه مما لا فائدة فيه، والكلام فيه من فضول الكلام.

وأما ما يحتاج المسلمون إلى معرفته، فإن الله نصب على الحق فيه دليلاً (2).

(56)

فمثال ما لا يفيد ولا دليل على الصحيح منه: اختلافهم

(1) قد أشار شيخ الإسلام إلى هذه المسألة في أول هذه الرسالة، ينظر (ص:17).

(2)

هذا يعني أن وجود الاختلاف بين المجتهدين لا يعني ضياع الحق الثابت من شرع الله، فالوصول إلى الحق مرهون بفهم الأدلة على وجهها الصحيح، وإن وقع خلاف ذلك كان الحق له غير مُحَالِف.

ص: 129

في لون كلب أصحاب الكهف، وفي البعض الذي ضرب به موسى (1) من البقرة، وفي مقدار سفينة نوح، وما كان خشبها، وفي اسم الغلام الذي قتله الخضر، ونحو ذلك.

(57)

فهذه الأمور طريق العلم بها النقل، فما كان من هذا منقولاً نقلاً صحيحًا عن النبي صلى الله عليه وسلم كاسم صاحب موسى أنه الخضر ـ فهذا معلوم، وما لم يكن كذلك، بل كان مما يؤخذ عن أهل الكتاب ـ كالمنقول عن كعب، ووهب، ومحمد بن إسحاق، وغيرهم ممن يأخذ عن أهل الكتاب ـ فهذا لا يجوز تصديقه ولا تكذيبه إلا بحجة (2)، كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، فإما أن يحدثوكم بحق فتكذبوه، وإما أن يحدثوكم بباطل فتصدقوه» .

(58)

وكذلك ما نقل عن بعض التابعين وإن لم يذكر أنه أخذه عن أهل الكتاب، فمتى اختلف التابعون لم يكن بعض أقوالهم حجة على بعض (3)، وما نقل في ذلك عن بعض الصحابة نقلاً صحيحًا فالنفس إليه أسكن مما نقل عن بعض التابعين؛ لأن احتمال أن يكون سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم أو من بعض من سمعه منه أقوى، ولأن نقل الصحابة عن أهل الكتاب أقلُّ من نقل التابعين، ومع جزم الصاحب فيما يقوله؛ فكيف يقال: إنه أخذه عن أهل الكتاب وقد نهوا عن تصديقهم؟! والمقصود أن مثل هذا الاختلاف الذي لا يعلم صحيحه،

(1) في نسخة زمرلي: «ضُرب به قتيل موسى» .

(2)

لاحظ هذه الفقرة، وانظر في حال بعض من يردُّ الإسرائيلية لأنها إسرائيلية، وإن لم يكن عنده حجة في تكذيبها.

(3)

ستأتي هذه المسألة عند حديثه عن تفاسير التابعين ضمن أحسن طرق التفسير (ص:259).

ص: 130

ولا تفيد حكاية الأقوال فيه = هو كالمعرفة لما يروى من الحديث الذي لا دليل على صحته، وأمثال ذلك.

(59)

وأما القسم الأول الذي يمكن معرفة الصحيح منه فهذا موجود فيما يحتاج إليه ولله الحمد، فكثيرًا ما يوجد في التفسير والحديث والمغازي أمور منقولة عن نبينا صلى الله عليه وسلم وغيره من الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه، والنقل الصحيح يدفع ذلك، بل هذا موجود فيما مستنده النقل، وفيما قد يعرف بأمور أخرى غير النقل (1).

(60)

فالمقصود أن المنقولات التي يُحتاج إليها في الدين قد نصب الله الأدلة على بيان ما فيها من صحيح وغيره، ومعلوم أن المنقول في التفسير أكثره كالمنقول في المغازي والملاحم، ولهذا قال الإمام أحمد:«ثلاثة أمور ليس لها إسناد: التفسير، والملاحم، والمغازي» ، ويروى:«ليس لها أصل» ؛ أي: إسناد؛ لأن الغالب عليها المراسيل، مثل ما يذكره عروة بن الزبير، والشعبي، والزهري، وموسى بن عقبة، وابن إسحاق، ومن بعدهم؛ كيحيى بن سعيد الأموي، والوليد بن مسلم، والواقدي، ونحوهم في المغازي؛ فإن أعلم الناس بالمغازي أهل المدينة، ثم أهل الشام، ثم أهل العراق، فأهل المدينة أعلم بها لأنها كانت عندهم، وأهل الشام كانوا أهل غزو وجهاد فكان لهم من العلم بالجهاد والسِّيَرِ ما ليس لغيرهم، ولهذا عظَّمَ الناس كتاب أبي إسحاق الفزاري الذي صنفه في ذلك، وجعلوا الأوزاعي أعلم بهذا الباب من غيره من علماء الأمصار.

(61)

وأما التفسير، فإن أعلم الناس به أهل مكة؛ لأنهم

(1) أشار شيخ الإسلام إلى الطرق التي يُعرف بها كذب المنقول في كتبه؛ منها منهاج السنة (7:437).

ص: 131

أصحاب ابن عباس؛ كمجاهد، وعطاء بن أبي رباح، وعكرمة مولى ابن عباس، وغيرهم من أصحاب ابن عباس؛ كطاووس، وأبي الشعثاء، وسعيد بن جبير وأمثالهم.

(62)

وكذلك أهل الكوفة من أصحاب ابن مسعود، ومن ذلك ما تميزوا به على غيرهم (1)، وعلماء أهل المدينة في التفسير مثل زيد بن أسلم الذي أخذ عنه مالك التفسير، وأخذه عنه أيضًا ابنه عبد الرحمن، و (أخذه عن عبد الرحمن)(2) عبد الله بن وهب.

(63)

والمراسيل إذا تعدَّدت طُرُقها وخَلَتْ عن المواطأة قصدًا أو الاتفاق بغير قصد كانت صحيحة قطعًا، فإن النقل إما أن يكون صدقًا مطابقًا للخبر، وإما أن يكون كذبًا تعمد صاحبه الكذب، أو أخطأ فيه؛ فمتى سَلِمَ من الكذب العمد والخطأ كان صدقًا بلا ريب.

(64)

فإذا كان الحديث جاء من جهتين أو جهات، وقد عُلِمَ أن المخبرين لم يتواطؤوا على اختلاقه، وعُلِمَ أن مثل ذلك لا تقع الموافقة فيه اتفاقًا بلا قصد = عُلِمَ أنه صحيح، مثل شخص يُحَدِّث عن واقعة جَرَتْ، ويذكر تفاصيل ما فيها من الأقوال والأفعال، ويأتي شخص آخر قد عُلِمَ أنه لم يواطئ الأول، فيذكر مثل ما ذكره الأول من تفاصيل الأقوال والأفعال، فيُعلم قطعًا أن تلك الواقعة حق في الجملة، فإنه لو كان كل منهما كَذَبَها عمدًا أو خطأً؛ لم يتفق في العادة أن يأتي كل منهما بتلك التفاصيل التي

(1) هذه العبارة غير واضحٍ المراد منها، وهي معترضة، وتحتمل أن تكون في أهل الكوفة، وأنهم تميَّزوا عن غيرهم. وهذا الغموض ـ إن صحَّ ـ يرجع إلى الإملاء وعدم المراجعة التي قد سبق التنبيه على وجود أشياء ترجع إليها.

(2)

ساقطة من نسخة عدنان.

ص: 132

تمنع العادة اتفاق الاثنين عليها بلا مواطأة من أحدهما لصاحبه.

(65)

فإن الرجل قد يتفق أن ينظم بيتًا وينظم الآخر مثله، أو يكذب كذبة ويكذب الآخر مثلها، أما إذا أنشأ قصيدةً طويلةً ذات فنون على قافية ورَوِيٍّ فلم تَجْرِ العادة بأن غيره ينشئُ مثلها لفظًا ومعنى مع الطول المفرط، بل يُعلم بالعادة أنه أخذها منه، وكذلك إذا حَدَّثَ حديثًا طويلاً فيه فنون، وحَدَّث آخر بمثله، فإنه إما أن يكون واطأه عليه أو أخذه منه، أو يكون الحديث صدقًا.

(66)

وبهذه الطريق يُعلَم صدق عامة ما تتعدد جهاته المختلفة على هذا الوجه من المنقولات وإن لم يكن أحدها كافيًا؛ إما لإرساله، وإما لضعف ناقله، لكن مثل هذا لا تضبط به الألفاظ والدقائق التي لا تعلم بهذه الطريق، بل يحتاج ذلك إلى طريق يثبت بها مثل تلك الألفاظ والدقائق، ولهذا ثبتت غزوة بدر بالتواتر، وأنها قبل أُحد، بل يعلم قطعًا أن حمزة وعليًّا وعبيدة برزوا إلى عتبة وشيبة والوليد، وأن عليًّا قتل الوليد، وأن حمزة قتل قِرْنَه، ثم يُشَكُّ في قِرْنِهِ هل هو عتبة أو شيبة؟

(67)

وهذا الأصل ينبغي أن يُعرف، فإنه أصلٌ نافعٌ في الجزم بكثير من المنقولات في الحديث والتفسير والمغازي وما ينقل من أقوال الناس وأفعالهم وغير ذلك (1).

(68)

ولهذا إذا رُوي الحديث الذي يتأتى فيه ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجهين، مع العلم بأن أحدهما لم يأخذه عن الآخر جُزم بأنه حق، لا سيما إذا عُلِمَ أن نقلَته ليسوا ممن يتعمد الكذب، وإنما

(1) هذا الكلام يدخل في باب النقد التاريخي، وهو مهمٌّ جدًّا، ولعلماء الجرح والتعديل في هذا عناية فائقة يُستفاد منها في نقد كثيرٍ من المنقولات.

ص: 133

يُخاف على أحدهم النسيان والغلط، فإن من عَرَفَ الصحابة؛ كابن مسعود، وأُبيِّ بن كعب، وابن عمر، وجابر، وأبي سعيد، وأبي هريرة وغيرهم = عَلِمَ يقينًا أنَّ الواحد من هؤلاء لم يكن ممن يتعمد الكذبَ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فضلاً عمَّن هو فوقهم، كما يعلمُ الرجلُ من حالِ من جرَّبه وخَبَرَهُ خِبْرَةً باطنةً طويلةً أنه ليس ممن يسرق أموال الناس، ويقطعُ الطريق، ويشهد بالزُّور، ونحو ذلك.

(69)

وكذلك التابعون بالمدينة ومكة والشام والبصرة، فإن من عَرَفَ مثل أبي صالح السَّمان، والأعرج، وسليمان بن يسار، وزيد بن أسلم، وأمثالهم = عَلِمَ قطعًا أنهم لم يكونوا ممن يتعمد الكذب في الحديث، فضلاً عمن هو فوقهم، مثل محمد بن سيرين، أو القاسم بن محمد، أو سعيد بن المسيب، أو عَبِيدَة السَّلْمَاني، أو علقمة، أو الأسود، أو نحوهم (1).

(70)

وإنما يخاف على الواحد من الغلط؛ فإن الغلط والنسيان كثيرًا ما يعرض للإنسان.

(71)

ومن الحفاظ من قد عَرَفَ الناس بُعْدَه عن ذلك جدًا، كما عرفوا حال الشعبي والزهري وعروة وقتادة والثوري وأمثالهم، لا سيما الزهري في زمانه، والثوري في زمانه، فإنه قد يقول القائل: إن ابن شهاب الزهري لا يُعْرَفُ له غَلَطٌ مع كثرة حديثه، وسَعَةِ حفظه.

(1) هذا الموضوع، وهو معرفة أحوال الرجال، ودراسة حياتهم = مما افتقدته بعض الدراسات الاستشراقية الحاقدة أو الاستغرابية المقلدة للاستشراق، فلم يقرءوا في تدوين السنة وأحوال رجالها، فتراهم يسخرون من الحديث النبوي، ويستغربون من طريقة حفظه، بل قد يهزءون، والعياذ بالله. أما هم، فيعتبرون أنفسهم أصحاب المنهج العلمي الصحيح الذي يجب أن تعرض عليهم تجارب الأمم ليصححوها أو يفنِّدوها، سبحانك ربي هذا بهتان عظيم.

ص: 134

(72)

والمقصود أن الحديث الطويل إذا رُوِيَ ـ مثلاً من وجهين مختلفين، من غير مواطأة ـ امتنع عليه أن يكون غلطًا، كما امتنع أن يكون كذبًا، فإن الغلط لا يكون في قصة طويلة متنوعة، وإنما يكون في بعضها، فإذا رَوَى هذا قصةً طويلةً متنوعةً، ورواها الآخرُ مثلما رواها الأولُ من غير مواطأة = امتنع الغلطُ في جميعها، كما امتنع الكذب في جميعها من غير مواطأة.

(73)

ولهذا؛ إنما يقع ـ في مثل ذلك ـ غلطٌ في بعض ما جرى في القصة، مثل حديث اشتراء النبي صلى الله عليه وسلم البعير من جابر، فإن من تأمَّل طرقه عَلِمَ قطعًا أن الحديث صحيح، وإن كانوا قد اختلفوا في مقدار الثمن. وقد بَيَّن ذلك البخاري في صحيحه، فإن جمهور ما في البخاري ومسلم مما يقطع بأن النبي صلى الله عليه وسلم قاله؛ لأن غالبه من هذا النحو؛ ولأنه قد تلقاه أهل العلم بالقبول والتصديق، والأمة لا تجتمع على خطأ؛ فلو كان الحديث كذبًا في نفس الأمر، والأمة مصدقة له قابلة له لكانوا قد أجمعوا على تصديق ما هو في نفس الأمر كذب، وهذا إجماع على الخطأ وذلك ممتنع، وإن كنا نحن بدون الإجماع نُجَوِّزُ الخطأ أو الكذب على الخبر، فهو كتجويزنا قبل أن نعلم الإجماع على العلم الذي ثبت بظاهر أو قياس ظني أن يكون الحق في الباطن بخلاف ما اعتقدناه، فإذا أجمعوا على الحكم جزمنا بأن الحكم ثابت باطنًا وظاهرًا.

(74)

ولهذا كان جمهور أهل العلم من جميع الطوائف على أن خبر الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول تصديقًا له أو عملاً به أنه يوجب العلم، وهذا هو الذي ذكره المصنِّفون في أصول الفقه، من أصحاب أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، إلا فرقة قليلة من المتأخرين

ص: 135

اتبعوا في ذلك طائفة من أهل الكلام أنكروا ذلك، ولكن كثيرًا من أهل الكلام أو أكثرهم يوافقون الفقهاء وأهل الحديث والسلف على ذلك، وهو قول أكثر الأشعرية؛ كأبي إسحاق، وابن فورك، وأما ابن الباقلاني فهو الذي أنكر ذلك، وتبعه مثل أبي المعالي وأبي حامد وابن عقيل وابن الجوزي وابن الخطيب والآمدي ونحو هؤلاء، والأول هو الذي ذكره الشيخ أبو حامد وأبو الطيب وأبو إسحاق وأمثاله من أئمة الشافعية، وهو الذي ذكره القاضي عبد الوهاب وأمثاله من المالكية، وهو الذي ذكره أبو يعلى وأبو الخطاب وأبو الحسن ابن الزاغوني وأمثالهم من الحنبلية، وهو الذي ذكره شمس الدين السرخسي وأمثاله من الحنفية.

(75)

وإذا كان الإجماع على تصديق الخبر موجبًا للقطع به فالاعتبار في ذلك بإجماع أهل العلم بالحديث، كما أن الاعتبار في الإجماع على الأحكام بإجماع أهل العلم بالأمر والنهي والإباحة.

(76)

والمقصود هنا أن تعدد الطرق مع عدم التشاعر أو الاتفاق في العادة يوجب العلم بمضمون المنقول؛ لكن هذا يُنتفع به كثيرًا في علم أحوال الناقلين.

وفي مثل هذا يُنتفع برواية المجهول والسيء الحفظ، وبالحديث المرسل، ونحو ذلك، ولهذا كان أهل العلم يكتبون مثل هذه الأحاديث، ويقولون: إنه يصلح للشواهد والاعتبار ما لا يصلح لغيره.

قال أحمد: قد أكتب حديث الرجل لأعتبره، ومَثَّل هذا بعبد الله بن لهيعة قاضي مصر، فإنه كان من أكثر الناس حديثًا، ومن خيار الناس؛ لكن بسبب احتراق كتبه وقع في حديثه المتأخر غلط، فصار يُعْتَبَر بذلك ويُستشهد به، وكثيرًا ما يقترن هو والليث بن سعد، والليث حجة ثبت إمام.

ص: 136

(77)

وكما أنهم يستشهدون ويعتبرون بحديث الذي فيه سوء حفظ فإنهم أيضًا يُضعِّفون من حديث الثقة الصدوق الضابط أشياء تبين لهم غلطه فيها بأمور يستدلون بها، ويسمون هذا «علم علل الحديث» ، وهو من أشرف علومهم بحيث يكون الحديث قد رواه ثقة ضابط وغلط فيه، وغلطُه فيه عُرِفَ؛ إما بسببٍ ظاهرٍ؛ كما عرفوا أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو حلال، وأنه صلَّى في البيت ركعتين، وجعلوا رواية ابن عباس لتزوجها حرامًا، ولكونه لم يصلِّ = مما وقع فيه الغلط، وكذلك أنه اعتمر أربع عمر، وعلِموا أن قول ابن عمر: أنه اعتمر في رجب مما وقع فيه الغلط، وعلموا أنه تمتَّع وهو آمن في حجة الوداع، وأن قول عثمان لعلي:«كنا يومئذٍ خائفين» مما وقع فيه الغلط، وأن ما وقع في بعض طرق البخاري:«أن النار لا تمتلئ حتى ينشئ الله لها خلقًا آخر» مما وقع فيه الغلط، وهذا كثير.

(78)

والناس في هذا الباب طرفان: طرف من أهل الكلام ونحوهم ممن هو بعيد عن معرفة الحديث وأهله لا يُميِّز بين الصحيح والضعيف، فَيَشُكُّ في صحة أحاديث، أو في القطع بها (1)، مع كونها معلومة مقطوعًا بها عند أهل العلم به.

وطرف ممن يدعي اتباع الحديث والعمل به كلما وجد لفظًا في حديث قد رواه ثقة، أو رأى حديثًا بإسناد ظاهره الصحة يريد أن يجعل ذلك من جنس ما جزم أهل العلم بصحته، حتى إذا عارض الصحيح المعروف أخذ يتكلف له التأويلات الباردة، أو يجعله دليلاً له في مسائل العلم، مع أن أهل العلم بالحديث يعرفون أن مثل هذا غلط.

(1) ما أكثر هذا الصنف اليوم ممن يتعالمون، ويزعمون اتباع العقل، أو المنهج العلمي الصحيح، وهما منهم براء.

ص: 137

(79)

وكما أن على الحديث أدلة يعلم بها أنه صدق وقد يقطع بذلك، فعليه أدلة يعلم بها أنه كذب ويقطع بذلك، مثل ما يقطع بكذب ما يرويه الوضاعون من أهل البدع والغلو في الفضائل، مثل حديث يوم عاشوراء وأمثاله مما فيه أن من صلى ركعتين كان له كأجر كذا وكذا نبيًا.

(80)

وفي التفسير من هذه الموضوعات قطعة كبيرة، مثل الحديث الذي يرويه الثعلبي والواحدي والزمخشري في فضائل سور القرآن سورة سورة فإنه موضوع باتفاق أهل العلم.

(81)

والثعلبي هو في نفسه كان فيه خير ودين، وكان حاطب ليل ينقل ما وجد في كتب التفسير من صحيح وضعيف وموضوع.

(82)

والواحدي صاحبه كان أبصر منه بالعربية، لكن هو أبعد عن السلامة واتباع السلف.

(83)

والبغوي تفسيره مختصر من الثعلبي، لكنه صان تفسيره عن الأحاديث الموضوعة والآراء المبتدعة.

(84)

والموضوعات في كتب التفسير كثيرة، مثل الأحاديث الكثيرة الصريحة في الجهر بالبسملة، وحديث عليٍّ الطويل في تصدقه بخاتمه في الصلاة، فإنه موضوع باتفاق أهل العلم، ومثل ما رُوِي في قوله:{وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ} [الرعد: 7]: أنه عليٌّ، {وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ} [الحاقة: 12]: أذنك يا علي.

ص: 138

فصل

(85)

وأما النوع الثاني من مستندي الاختلاف وهو ما يعلم بالاستدلال لا بالنقل، فهذا أكثر ما فيه الخطأ من جهتين ـ حدثتا بعد تفسير الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان؛ فإن التفاسير التي يذكر فيها كلام هؤلاء صرفًا لا يكاد يوجد فيها شيء من هاتين الجهتين مثل تفسير عبد الرزاق، ووكيع، وعبد بن حميد، وعبد الرحمن بن إبراهيم دُحيم، ومثل تفسير الإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه، وبقي بن مخلد، وأبي بكر بن المنذر، وسفيان بن عيينة، وسنيد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبي سعيد الأشج، وأبي عبد الله بن ماجه، وابن مردويه ـ:

إحداهما: قوم اعتقدوا معاني، ثم أرادوا حمل ألفاظ القرآن عليها.

والثانية: قوم فسروا القرآن بمجرد ما يسوغ أن يريده بكلامه من كان من الناطقين بلغة العرب، من غير نظر إلى المتكلم بالقرآن، والمنزَل عليه والمخاطب به.

(86)

فالأولون رَاعَوا المعنى الذي رأوه (1) من غير نظر إلى ما تستحقه ألفاظ القرآن من الدلالة والبيان.

(1) أي أنهم اعتقدوا رأيًّا؛ كالمعتزلة الذين يرون تخليد مرتكب الكبيرة، فهم يراعون هذا المعنى عند تفسيرهم للآيات الدالة على وقوع المعصية من المسلم التي توعَّد الله بها، فيحملون هذا الوعيد على التخليد في النار.

ص: 139

والآخرون رَاعَوا مجرد اللفظ، وما يجوز عندهم أن يريد به العربي، من غير نظر إلى ما يصلح للمتكلِّمِ وسياق الكلام.

(87)

ثم هؤلاء كثيرًا ما يغلطون في احتمال اللفظ لذلك المعنى في اللغة (1)، كما يغلط في ذلك الذين قبلهم (2)، كما أن الأولين كثيرًا ما يغلطون في صحة المعنى الذي فسروا به القرآن (3)، كما يغلط في ذلك الآخرون (4)، وإن كان نظر الأولين إلى المعنى أسبق، ونظر الآخرين إلى اللفظ أسبق.

(1) أي أنهم يفسرون القرآن بمعنى لغويٍّ صحيح، لكن لا يكون هو المراد في الآية المفسَّرة، ولا يُفهم منه أنهم يغلطون في احتمال اللفظ معناه في اللغة، فالوقوع في هذا ليس بكثيرٍ.

(2)

في هذا إشارة إلى شيءٍ من التلازم بين أهل النظر إلى المعنى وأهل النظر إلى اللفظ، ذلك أنَّ أهل المعنى يغلطون في المعنى المراد ثمَّ هم قد يستدلون لهذا المعنى بدلالة لغوية صحيحة، لكنها ليست المرادة في ذلك السياق، ولا هي تتلاءم معه.

ومن نظر إلى اللفظ، وفسَّر به دون النظر إلى ملابساته، فإنه سينتج عنه خطأ في المعنى؛ لأنَّ كون هذا المعنى من جهة العربية صحيحًا؛ لا يلزم منه أن يكون هو المراد بمعنى اللفظ في الآية.

وسيأتي في الشرح بيان الأمثلة الموضحة لذلك.

(3)

هذا يعني أنه قد يفسر هؤلاء القرآن بمعانٍ باطلة غير صحيحة، وهذا واقع عند كثير من طوائف أهل البدع على تفاوت بينهم في هذه المعاني الباطلة، كمن يجيز الرقص للصوفية مستدلاً بقوله تعالى:{ارْكُضْ بِرِجْلِكَ} ، فالمعنى الذي فسَّروا به القرآن ـ وهو جواز الرقص للرجال ـ باطل.

(4)

كمن يفسر الاستواء بالاستيلاء، وهو معنى باطل لم يرد في لغة العرب، فمن ينفي الاستواء بمعنى العلو، ثمَّ يفسره بالاستيلاء، قد وقع في أمور:

1 -

أنه نفى معنى صحيحًا ثابتًا لله تعالى.

2 -

أنه فسَّر الاستواء بمعنى لم يرد في لغة العرب، وهو الاستيلاء.

3 -

أنه حمل كلام الله على معنى باطل بسبب اعتماد معنى باطل من جهة اللغة.

ص: 140

(88)

والأولون صنفان:

تارة يسلبون لفظ القرآن ما دل عليه وأريد به.

وتارة يحملونه على ما لم يدل عليه ولم يُرَدْ به.

وفي كلا الأمرين:

قد يكون ما قصدوا نفيه أو إثباته من المعنى باطلاً، فيكون خطؤهم في الدليل والمدلول.

وقد يكون حقًا فيكون خطؤهم في الدليل لا في المدلول.

وهذا كما أنه وقع في تفسير القرآن فإنه وقع أيضًا في تفسير الحديث.

(89)

فالذين أخطؤوا في الدليل والمدلول ـ مثل طوائف من أهل البدع ـ اعتقدوا مذهبًا يخالف الحق الذي عليه الأمة الوسط الذين لا يجتمعون على ضلالة؛ كسلف الأمة وأئمتها، وعمدوا إلى القرآن فتأوَّلوه على آرائهم:

تارة يستدلون بآيات على مذهبهم ولا دلالة فيها.

وتارة يتأولون ما يخالف مذهبهم بما يحرفون به الكلم عن مواضعه.

ومن هؤلاء فرق الخوارج، والروافض، والجهمية، والمعتزلة، والقدرية، والمرجئة، وغيرهم.

(90)

وهذا كالمعتزلة مثلاً فإنهم من أعظم الناس كلامًا وجدالاً، وقد صنفوا تفاسير على أصول مذهبهم؛ مثل تفسير عبد الرحمن بن كيسان الأصم شيخ إبراهيم بن إسماعيل بن علية الذي كان يناظر الشافعي، ومثل كتاب أبي علي الجبائي، والتفسير الكبير للقاضي عبد الجبار بن أحمد الهمداني، ولعلي بن عيسى الرماني، والكشاف

ص: 141

لأبي القاسم الزمخشري، فهؤلاء وأمثالهم اعتقدوا مذاهب المعتزلة.

(91)

وأصول المعتزلة خمسة؛ يسمونها هم: التوحيد، والعدل، والمنْزلة بين المنْزلتين، وإنفاذ الوعيد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وتوحيدهم هو توحيد الجهمية الذي مضمونه نفي الصفات، وغير ذلك.

قالوا: إن الله لا يُرى، وإن القرآن مخلوق، وإنه ليس فوق العالم، وإنه لا يقوم به علم ولا قدرة، ولا حياة ولا سمع ولا بصر، ولا كلام، ولا مشيئة، ولا صفة من الصفات.

(92)

وأما عدلهم فمن مضمونه أن الله لم يشأ جميع الكائنات ولا خلقها كلها، ولا هو قادر عليها كلها؛ بل عندهم أن أفعال العباد لم يخلقها الله لا خيرها ولا شرها، ولم يرد إلا ما أمر به شرعًا، وما سوى ذلك فإنه يكون بغير مشيئته، وقد وافقهم على ذلك متأخرو الشيعة؛ كالمفيد، وأبي جعفر الطوسي وأمثالهما.

(93)

ولأبي جعفر هذا تفسير على هذه الطريقة؛ لكن يضم إلى ذلك قول الإمامية الاثني عشرية؛ فإن المعتزلة ليس فيهم من يقول بذلك، ولا من ينكر خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي.

(94)

ومن أصول المعتزلة مع الخوارج إنفاذ الوعيد في الآخرة، وأن الله لا يقبل في أهل الكبائر شفاعة، ولا يخرج منهم أحدًا من النار.

(95)

ولا ريب أنه قد ردَّ عليهم طوائف من المرجئة والكرامية والكلابية وأتباعهم؛ فأحسنوا تارة وأساءوا أخرى، حتى صاروا في طرفي نقيض، كما قد بُسط في غير هذا الموضع.

ص: 142

(96)

والمقصود أن مثل هؤلاء اعتقدوا رأيًا ثم حملوا ألفاظ القرآن عليه، وليس لهم سلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا من أئمة المسلمين لا في رأيهم ولا في تفسيرهم، وما من تفسير من تفاسيرهم الباطلة إلا وبطلانه يظهر من وجوه كثيرة، وذلك من جهتين:

تارة من العلم بفساد قولهم.

وتارة من العلم بفساد ما فسروا به القرآن؛ إما دليلاً على قولهم أو جوابًا على المعارض لهم.

(97)

ومن هؤلاء من يكون حسن العبارة فصيحًا، ويدس البدع في كلامه، وأكثر الناس لا يعلمون؛ كصاحب الكشاف ونحوه، حتى إنه يروج على خلق كثير ممن لا يعتقد الباطل من تفاسيرهم الباطلة ما شاء الله.

(98)

وقد رأيت من العلماء المفسرين وغيرهم من يذكر في كتابه وكلامه من تفسيرهم ما يوافق أصولهم التي يعلم ويعتقد فسادها ولا يهتدي لذلك.

(99)

ثم إنه بسبب تطرف هؤلاء وضلالهم دخلت الرافضة الإمامية، ثم الفلاسفة، ثم القرامطة وغيرهم فيما هو أبلغ من ذلك، وتفاقم الأمر في الفلاسفة والقرامطة والرافضة، فإنهم فسروا القرآن بأنواع لا يقضي العالم منها عجبه، فتفسير الرافضة كقولهم:{تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ} [المسد: 1]: هما أبو بكر وعمر.

و {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمر: 65]؛ أي: بين أبي بكر وعلي في الخلافة.

و {إِنَّ اللَّهَ يَامُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} [البقرة: 67]: هي عائشة.

و {فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ} [التوبة: 12]: طلحة والزبير.

ص: 143

و {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ} [الرحمن: 19]: علي وفاطمة، و {اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ} [الرحمن: 22]: الحسن والحسين.

{وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ} [يس: 12]: في علي بن أبي طالب.

و {عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ *عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ} [النبأ: 1 ـ 2]: علي بن أبي طالب.

و {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} [المائدة: 55] هو علي، ويذكرون الحديث الموضوع بإجماع أهل العلم، وهو تصدُّقه بخاتمه في الصلاة.

وكذلك قوله: {أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ} [البقرة: 157]: نزلت في علي لما أصيب بحمزة.

(100)

ومما يقارب هذا من بعض الوجوه ما يذكره كثير من المفسرين في مثل قوله: {الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ} [آل عمران: 17] أن الصابرين رسول الله صلى الله عليه وسلم، والصادقين أبو بكر، والقانتين عمر، والمنفقين عثمان، والمستغفرين علي. وفي مثل قوله:{مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ} [الفتح: 29] أبو بكر، {أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ} عمر، {رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} عثمان، {تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا} علي.

(101)

وأعجب من ذلك قول بعضهم: {وَالتِّينِ} [التين: 1] أبو بكر، {وَالزَّيْتُونَ} [التين: 1] عمر، {وَطُورِ سِينِينَ} [التين: 2] عثمان، {وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ} [التين: 3] علي، وأمثال هذه الخرافات التي تتضمن تارة تفسير اللفظ بما لا يدل عليه بحال، فإن هذه الألفاظ لا تدل على هؤلاء الأشخاص، وقوله تعالى:{وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا} [الفتح: 29] كل ذلك نعت للذين معه، وهي التي يسميها النحاة خبرًا بعد خبر.

ص: 144