الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
شرح مقدمة في أصول التفسير
شرح مقدمة في أصول التفسير لابن تيمية
د. مساعد بن سليمان بن ناصر الطيار
الأستاذ المساعد بكلية المعلمين بالرياض
مقدمة الطبعة الثانية
شكر واعتذار
الحمد لله الذي أنعم عليَّ بنعمِهِ الكثيرة، والصلاة والسلام على رسوله الكريم الذي كان سببًا في هداية الخلق، وعلى آله وصحبه الذين نقلوا لنا العلم، وعلى من تبع طريقهم إلى يوم الدين.
أما بعد:
فقد منَّ اللهُ عليَّ بنفاذ طبعة الكتاب الأولى في زمن وجيز، حتى دعت الحاجة إلى إعادة طباعته، فأعددته للطباعة مرة أخرى بعد أن استدركت بعض الأخطاء المطبعية، وأعدت ترتيبه من جديد؛ إذ جعلت كل فصل من فصول مقدمة شيخ الإسلام قبل شرحه، بخلاف الطبعة الأولى التي جعلت فيها جميع المقدمة في مكان واحد، ثم أتبعتها بشرح الفصول فصلاً فصلاً.
ولقد كان هذا التغيير بسبب ما جاءني من طلب من اطَّلع على شرح هذه المقدمة بأن يتلو كلَّ فصل من فصول مقدمة الشيخ شرحُه، فأجبتُ الطالبين لذلك، لما رأيت من حسن هذا الصنيع الذي غاب عني أول الأمر؛ لذا أعتذر من القراء الكرام الذين اقتنوا الطبعة الأولى.
وكما أشكر كل من قدَّم لي نصيحة أو مشورة أو تصحيحًا أثناء إعداد الكتاب لطبعته الثانية، وأخص بالذكر أخي الدكتور عبد الرحمن بن معاضة الشهري الذي كان أول من قرأ الكتاب في طبعته الأولى، وأرشدني إلى تصويب بعض الأخطاء فيها، كما قام بالتعريف بهذا الشرح في (ملتقى أهل
التفسير/ www.tafsir.net) على الشبكة العنكبوتية، فجزاه الله عني أفضل الجزاء.
وإني لأسأل الله لي ولجميع من أفادني في هذا الكتاب أو استفاد منه التوفيق والسداد، والرضا والقبول من رب العباد.
د. مساعد بن سليمان بن ناصر الطيار كلية المعلمين بالرياض [email protected] ص. ب/43058 الرياض/11561
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي يسَّر لي إتمام هذا الشرح على ما كان، وأصلي وأسلم على رسوله خير الأكوان، وأثنِّي بالصلاة على الآل الكرام، ثمَّ على الصَّحْبِ العظام، ثمَّ على التابعين إلى يوم القيام.
أحمدك ربي على نعمك الوفيرة، وآلائك العظيمة، أحمدك على تيسير كل عسير، وعلى تبليغي ما كنت إليه أصبو وأسير، أحمدك حمد عاجزٍ عن الثناء عليك بما أنت أهله، فلك الحمد مثل ما أقول، وفوق ما أقول، فلك الحمد أولاً وآخرًا.
أما بعد:
فهذا شرح ـ قد منَّ الله به عليَّ ـ لرسالة شيخ الإسلام التي أجاب فيها بعض أصحابه الذين سألوه أن يكتب لهم (مقدمة تتضمن قواعد كلية، تعين على فهم القرآن ومعرفة تفسيره ومعانيه، والتمييز في منقول ذلك ومعقوله بين الحق وأنواع الأباطيل، والتنبيه على الدليل الفاصل بين الأقاويل)، وهي التي سُمِّيت ـ فيما اشتهر ـ بمقدمة في أصول التفسير.
ولقد وفَّقني الله لقراءة هذه المقدمة مراتٍ كثيرة، كما وفَّقني لشرحها كذلك.
ولقد حرصت على سماع بعض شروحها الموجودة اليوم لبعض العلماء (1)، فرأيت أنَّ هذه المقدمة بحاجة إلى أمورٍ لم أرها في شروحهم
(1) اطلعت على تعليقات الشيخ محمد بن صالح العثيمين ـ رحمه الله تعالى ـ التي أشرف على طبعها الشيخ عبد الله الطيار، وشرح العلامة الشيخ عبد الله بن جبرين =
النافعة، فاستعنت الله على ذلك، وبدأت في كتابة هذا الشرح الذي أسأل الله أن يلقى القبول الحسن.
ولقد عمدتُ في المقدمة وشرحها إلى الأمور الآتية:
أولاً: ما يتعلق بالمقدمة:
1 -
مراجعة مخطوطة دار الكتب القومية بمصر (1).
2 -
تقسيم المقدمة إلى فِقَرٍ مرقَّمة، وقد جعلتها أمام كلِّ فقرة.
3 -
وضع عناوين جانبية للموضوعات التي طرحها الشيخ في رسالته.
4 -
التعليق على نصِّ المقدمة بما يحتاجه النصُّ، وتوضيح ما غمض من عبارات هذه المقدِّمة.
ثانيًا: ما يتعلق بشرح هذه المقدمة:
1 -
جعلت في الحاشية التي أمام النصوص المشروحة رقم الفقرة من مقدمة شيخ الإسلام ليسهل على القارئ معرفة النص المشروح.
وقد يكون الشرح لأكثر من نصٍّ، فإني أذكر أرقامه على ما يتيسر لي،
= حفظه الله، وشرح الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ وزير الشؤون الإسلامية، وشرح الشيخ عبد الرحمن بن صالح الدهش، وشرح الشيخ صالح الأسمري، ولم يتسنَّ لي الاطلاع على شرحٍ للشيخ محمد بازمول.
(1)
أتحفني أخي سالم العماري بهذه النسخة، وقد أخبرني الشيخ المحقق علي العمران عن نسخة عنده، فظهر أنها النسخة نفسها التي أُرسلت إليَّ، وهي نسخة دار الكتب القومية بمصر، تحت رقم 229 تفسير، تيمورية.
وأطلعني الأخ سالم على معلومة مفادها أن هناك نسخة أخرى في المكتبة السليمانية بتركيا (الرقم 4، الخزانة: خليل أوكتين (1:297)، عدد الأوراق 59ص).
ولم أعتنِ كثيرًا بتحقيق النصِّ من خلال المخطوط الذي بين يدي لأنَّ نسخة الدكتور عدنان زرزور موافقة لهذه النسخة، وقد تركت الاعتناء بتحقيقها لأجل وجود نسخٍ أخرى لهذا الكتاب المبارك، أسأل الله تيسير ذلك.
لأنَّ بعض النصوص المرقمة تنتظم في وحدة موضوعية كما هو الحال في آخر موضوعات هذه الرسالة، وهو تحرج بعض السلف في تفسير القرآن.
2 -
بيان الأمثلة التفسيرية للموضوعات التي طرحها الشيخ رحمه الله.
3 -
ذكر ما أجده من المواطن الأخرى من كتبه التي تكلم عنها فيما يخص موضوعات المقدمة التفسيرية، وقد جعلت بعضها ضمن الشرح، وبعضها الآخر في ملحق جعلته في نهاية هذا الشرح.
4 -
ذكر نماذج من التفاسير التي ذكرها، فيما يخصُّ نقده لها.
5 -
الإعراض عن تفصيل المسائل العلمية التي لا علاقة لها بالتفسير.
6 -
حرصت أن لا أخرج إلى إضافات على ما ذكره الشيخ رحمه الله تعالى؛ لئلا يطول الشرح، ويخرج عن الأفكار التي طرحها رحمه الله.
7 -
حرصت على أن أذكر بعض الكتب المعاصرة التي درست شيئًا من الموضوعات التي طرحها الشيخ رحمه الله تعالى، ولم أقصد الاستيعاب لما كتبه المعاصرون؛ لأن ذلك أمر غير ممكن (1).
وأخيرًا ..
إنني لأشكر الله شكرًا كثيرًا على ما أتمَّ عليَّ من هذا الشرح، ثمَّ أشكر الإخوة الكرام الذين أعانوني في عملي هذا، وأخصُّ منهم أخي الكريم سامي بن محمد بن جاد الله الذي أفادني في قراءته هذا الشرح، كما أشكر الأخ الفاضل علي بن أحمد بامرعي الذي تفضَّل بفهرسة هذا الشرح فهرسة فنية كاملة، والأخ سالم العماري الذي أهداني صورة لمخطوطة
(1) لعلي أتمكن ـ إن شاء الله ـ في طبعات قادمة من أن أزيد في الكتب التي بحثت شيئًا من أفكار هذه المقدمة؛ ليتسنَّى لمن أراد شرحها أن يطلع على أكبر قدر ممكن من المعلومات المساعدة له في شرحه.
رسالة شيخ الإسلام، فأسأل الله أن يجعل ما قدمته وقدَّموه في ميزان حسناتنا يوم أن نلقاه، وأن يغفر لنا خطايانا، وأن يشمل بعفوه والدينا ومشايخنا وأهلينا وإخواننا، إنه كريم مجيب.
كتبه د. مساعد بن سليمان بن ناصر الطيار كلية المعلمين بالرياض
ص. ب/43058 الرياض/11561
مدخل إلى رسالة شيخ الإسلام
أهم طبعات المقدمة:
لهذه المقدمة عدَّة طبعات، وأفضلها التي حققها الدكتور عدنان زرزور، وقد قدَّم لها بمقدمة حسنة في التعريف بها.
وقد سبقها (1) ولحقها طبعات، لكنها ليست بمستواها من حيث العناية بالنَّص، ولا بالإخراج الفني لها.
عنوان هذه المقدمة:
تسمَّى هذه الرسالة (مقدمة في أصول التفسير)، وهذا العنوان ليس من صنع شيخ الإسلام، بل هو من صنع القاضي الحنبلي بدمشق (محمد جميل الشطي)، الذي نشر الرسالة عام 1355 (2).
وقد قال شيخ الإسلام في مقدمة رسالته: «فقد سألني بعض الإخوان أن أكتب له مقدمةً تتضمَّنُ قواعدَ كليةً تُعينُ على فَهْمِ القرآنِ، ومعرفةِ تفسيرِه ومعانيه، والتمييزِ ـ في منقولِ ذلك ومعقولِه ـ بين الحقِّ وأنواعِ الأباطيلِ، والتنبيه على الدليلِ الفاصلِ بين الأقاويلِ» (3).
(1) ينظر: مقدمة الدكتور عدنان زرزور فقد تكلم عن الطبعات السابقة لطبعته.
(2)
يقول الدكتور عدنان زرزور (ص:22): «وليس هناك ما يشير إلى تسميتها بـ «مقدمة في أصول التفسير» ، ولكن الذي دعا الشيخ محمد جميل الشطي ـ رحمه الله تعالى ـ إلى تسميتها بهذا الاسم ـ إلى جانب موضوعها بالطبع ـ قول ابن تيمية في فاتحتها: «فقد سألني بعض الإخوان أن أكتب له مقدمة تتضمن قواعد كلية تعين على فهم القرآن، ومعرفة تفسيره ومعانيه
…
»، والقواعد الكلية هي التي يُعبَّر عنها بـ «الأصول» ، وإن كان لا مانع من أن تسمى: مقدمة في قواعد التفسير».
(3)
مقدمة في أصول التفسير، تحقيق: عدنان زرزور (ص:33).
متى كتب شيخ الإسلام المقدمة
؟
لا يظهر من هذه الرسالة متى كتبها شيخ الإسلام؟
وقد ذكر ابن القيم (ت:751) في مدارج السالكين ما يمكن أن يفيد عن وقتها، قال: «وبعثَ إليَّ في آخر عمره قاعدةً في التفسير بخطِّه
…
» (1). وقد تكون هذه القاعدة التي أرسلها لتلميذه هي هذه الرسالة.
وواضحٌ فيها أنه كتبها بعد قراءة واسعة في كتب التفسير، وهذا ظاهر من عدد التفاسير التي ذكرها، ومن طريقته في معالجة الموضوعات التي طرحها.
وشيخ الإسلام من المفسرين المحررين، وقد كان واسع الاطلاع على تفاسير السلف والخلف، وكان ذا حافظةٍ فذَّة، ونفسٍ ناقدةٍ لما تقرأ، وقد مكَّنه ذلك من القدرة على تحرير التفسير، فلم يكن ناقلاً، بل كان ناقدًا مرجِّحًا.
قال تلميذه ابن عبد الهادي: «قال الشيخ أبو عبد الله بن رشيق ـ وكان من أخص أصحاب شيخنا، وأكثرهم كتابة لكلامه، وحرصًا على جمعه ـ: كتب الشيخ رحمه الله نقول السلف مجردةً عن الاستدلال على جميع القرآن (2)، وكتب في أوله قطعة كبيرة بالاستدلال، ورأيت له سورًا وآيات يفسرها، ويقول في بعضها: كَتَبْتُهُ للتَّذَكُّرِ، ونحو ذلك.
ثم لما حُبِسَ في آخر عمره كَتَبْتُ له أن يكتبَ على جميع القرآن تفسيرًا مرتَّبًا على السُّور، فكتب يقول: إن القرآن فيه ما هو بَيِّنٌ بنفسه (3)،
(1) مدارج السالكين (1:520).
(2)
هذه الطريقة شبيهة بما فعل السيوطي في الدر المنثور.
(3)
هذا النقل يفيد في تحرير مراد شيخ الإسلام في كون الرسول صلى الله عليه وسلم قد بيَّن للصحابة معاني القرآن كما بيَّن لهم ألفاظه، حيث جعل قدرًا منه بيِّنًا بنفسه، فإذا كان يبين للمتأخرين فمن باب أولى أن يكون بيِّنًا لمن نزل عليهم بلغتهم، وهم يعرفون أحواله.
وفيه ما قد بيَّنه المفسرون في غير كتاب، ولكن بعض الآيات أشكلَ تفسيرُها على جماعة من العلماء، فربما يطالع الإنسان عليها عِدَّةَ كُتُبٍ ولا يتبيَّنُ له تفسيرُها، وربما كتب المصنِّفُ الواحدُ في آية تفسيرًا ويفسِّرُ غيرَها بنظيره، فقصدت تفسير تلك الآيات بالدليل، لأنه أهمُّ من غيره، وإذا تبيَّن معنى آية تبيَّن معاني نظائرِها.
وقال: قد فتح الله عليَّ في هذه المرَّةِ من معاني القرآن، ومن أصول العلم بأشياء كان كثير من العلماء يتمنونها، ونَدِمْتُ على تضييع أكثر أوقاتي في غير معاني القرآن، أو نحو هذا» (1).
من أفاد من المقدمة:
جُلُّ من كتب في مسائل هذا العلم بعد شيخ الإسلام ابن تيمية؛ عالةٌ على هذه الرسالة الفريدة في بابها. وعلى وجازتها؛ فإنه قد استفاد منها كثيرٌ ممن جاء بعد شيخ الإسلام، ومنهم:
1 -
تلميذه ابن كثيرٍ (ت:774) الذي ذكر جزءًا من موضوعات المقدمة في مقدمة تفسيره (2)، ولم يُشر فيها إلى أنه ينقل من هذه الرسالة، كما هي عادة بعض العلماء في نقولاتهم.
2 -
الزركشي (ت:794) في كتابه البرهان في علوم القرآن (3).
3 -
السيوطي (ت:911) في الإتقان في علوم القرآن (4).
4 -
القاسمي (ت:1332) في مقدمة تفسيره محاسن التأويل (5).
(1) العقود الدرية (43 ـ 44).
(2)
ينظر: تفسير ابن كثير، تحقيق: البنا (1:39 ـ 45).
(3)
ينظر (2:175)، وغيرها.
(4)
ينظر النوع الثامن والسبعون.
(5)
محاسن التأويل (1:17 ـ 22).
وهناك غيرهم من اللاحقين والمعاصرين.
الموضوعات التي طرقتها المقدمة:
وتنقسم أفكار هذه الرسالة إلى:
* بيان الرسول صلى الله عليه وسلم معاني القرآن وألفاظه للصحابة.
* اختلاف التنوع والتضاد في تفسير السلف.
* سبب الاختلاف من جهة المنقول ومن جهة الاستدلال.
* أحسن طرق التفسير.
* التفسير بالرأي (1).
مع طرحه لبعض المسائل العلمية المتعلقة بالتفسير وكتب التفسير أثناء هذه الموضوعات.
(1) ينظر كلام الدكتور عدنان زرزور حول هذه الأفكار (ص:15 ـ 19).
مقدمة المؤلف
قال شيخ الإسلام: بسم الله الرحمن الرحيم رب يسر وأعن برحمتك
(1)
الحمد لله، نستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم تسليمًا.
(2)
أما بعد: فقد سألني بعض الإخوان أن أكتب له مقدمة تتضمن قواعد كلية، تعين على فهم القرآن ومعرفة تفسيره ومعانيه، والتمييز في منقول ذلك ومعقوله بين الحق وأنواع الأباطيل، والتنبيه على الدليل الفاصل بين الأقاويل؛ فإنَّ الكتب المصنفة في التفسير مشحونة بالغث والسمين، والباطل الواضح والحق المبين (1).
(3)
والعلم إما نقل مصدق عن معصوم، وإما قول عليه دليل معلوم، وما سوى هذا فإما مزيف مردود، وإما موقوف لا يعلم أنه بهرج ولا منقود (2).
(1) المراد بهذا الكتب المتأخرة لأن التفاسير التي يذكر فيها كلام السلف صرفًا لا يكاد يوجد فيها خطأ من جهة الاستدلال، وإن كان قد يوجد فيها خطأ من جهة النقل.
(2)
هذه قاعدة علمية، فالعلم إما أن يكون صادرًا عن معصوم وهو النبي صلى الله عليه وسلم، ويلحق بذلك الإجماع فإن المسلمين لا يجمعون على خطأ، ومثال ذلك إثبات صفة العلو لله تعالى فإنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو معصوم. =
(4)
وحاجة الأمة ماسَّة إلى فهم القرآن الذي هو حبل الله المتين، والذكر الحكيم، والصراط المستقيم، الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسن، ولا يَخْلَقُ عن كثرة الترديد، ولا تنقضي عجائبه، ولا يشبع منه العلماء، من قال به صدق، ومن عمل به أُجِرَ، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم، ومن تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله (1).
قال تعالى: {يَاتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى} {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى *قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا *قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى} [طه: 123 ـ 126].
=
وقد أشار إلى عصمة الإجماع في هذه الرسالة عند حديثه عن حديث جابر في بيع جمله، قال: «
…
فإن جمهور ما في البخاري ومسلم مما يقطع بأن النبي صلى الله عليه وسلم قاله؛ لأن غالبه من هذا النحو؛ ولأنه قد تلقاه أهل العلم بالقبول والتصديق، والأمة لا تجتمع على خطأ؛ فلو كان الحديث كذبًا في نفس الأمر، والأمة مصدقة له قابلة له لكانوا قد أجمعوا على تصديق ما هو في نفس الأمر كذب، وهذا إجماع على الخطأ وذلك ممتنع، وإن كنا نحن بدون الإجماع نُجَوِّزُ الخطأ أو الكذب على الخبر، فهو كتجويزنا قبل أن نعلم الإجماع على العلم الذي ثبت بظاهر أو قياس ظني أن يكون الحق في الباطن بخلاف ما اعتقدناه، فإذا أجمعوا على الحكم جزمنا بأن الحكم ثابت باطنًا وظاهرًا».
وإما أن يكون قولاً عليه دليل معلوم، وذلك مثل الاستدلال على أن المراد بالقرء الطهر، أو أن المراد به الحيض في قوله تعالى:{وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228].
وما سوى ذلك من العلم: فإما باطل غير مقبول، وإما متوقف فيه، وذلك مثل بعض الأخبار المروية عن بني إسرائيل وغيرهم التي لم يرد في شرعنا ما يخالفها، فلا تستطيع أن تكذبها، ولا أن تصدقها؛ لأنها تحتمل الصدق وتحتمل الكذب، فتتوقف فيها، ولا تجزم فيها بصدق، ولا كذب.
(1)
هذه الصفات للقرآن الكريم اقتبسها الشيخ رحمه الله من الأثر المروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
وقال تعالى: {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ} {يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [المائدة: 15 ـ 16].
وقال تعالى: {الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} {اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ} [إبراهيم: 1، 2].
(5)
وقد كتبت هذه المقدمة مختصرة بحسب تيسير الله تعالى من إملاء الفؤاد (1)، والله الهادي إلى سبيل الرشاد.
(1) قوله: «من إملاء الفؤاد» يشير إلى أمرين:
الأول: أنه كتبها من حفظه، ولم يكن رجع إلى مصادر التفسير أو غيرها لكتابة إجابته على هذه المسألة.
الثاني: أنه لم يراجع هذه المقدمة، ويستفاد من هذا أن ما وقع من أخطاء جلية في هذه المقدمة، فهو راجع إلى كونها إملاءً لم يُراجع، فتُحمل على سبق الذهن والوهم، والإملاء لا يكاد يسلم من الخطأ كما هو معروف مُجَرَّبٌ، فإن الإنسان إذا كتب شيئًا ثمَّ راجعه، فإنه يزيد فيه وينقص، ويصحح ما يقع عليه نظره من الأخطاء التي مرَّت عليه في الإملاء بسبب سبق الخاطر أو القلم.
يقول ابن دريد ـ معتذرًا عما قد يقع في إملائه لكتاب جمهرة اللغة ـ: «فإن كنا أغفلنا من ذلك شيئًا؛ لم يُنكر علينا إغفاله؛ لأنا أمليناه حفظًا، والشذوذ مع الإملاء لا يُدفع» . جمهرة اللغة، تحقيق: البعلبكي (3:1339)، وقال في موطن آخر (2:1085): «وإنما أملينا هذا الكتاب ارتجالاً، لا عن نسخة، ولا تخليد في كتاب قبله، فمن نظر فيه فليخاصم نفسه بذلك، فيعذر إن كان فيه تقصير أو تكرير» .
شرح مقدمة المؤلف