الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بأن البلد الطيب في الآية هو القلب، ولا شكَّ أن هذا الجزم غير صحيح، لكن أن يحمل المعنى على القلب على سبيل المقايسة والمشابهة، فذلك محتملٌ، والآية أعمُّ من ذلك.
5 -
ومن المكذوب على جعفر الصادق رضي الله عنه وعن آله، ما ذكره أبو عبد الرحمن في تفسير قوله تعالى:{وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [البقرة: 125]، قال:«سمعت منصورًا يقول بإسناده عن جعفر عليه السلام، قال: البيت هاهنا محمد صلى الله عليه وسلم، فمن آمن به، وصدَّق برسالته دخل في ميادين الأمن والأمانة» (1).
ولا شكَّ أن من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم دخل في ميادين الأمن والأمانة، لكن أن يكون المراد بالبيت محمدًا صلى الله عليه وسلم، فذلك ما لا يصحُّ، والسياق واضح في بطلان هذا القول العجيب، وما أكثر عجائب هؤلاء القوم في تفسيراتهم لكلام الله.
تاسعًا: مكانة تفسير من خالف السلف، وكيفية معرفة تلك المخالفة:
أشار شيخ الإسلام في نهاية هذا الفصل إلى قضية مهمة للغاية، وهي تتعلق بالموازنة بين تفسيرات السلف وتفسيرات الخلف، والموقف من تفسيرات الخلف المناقضة لتفسيرات السلف.
وقد ذكر أنه إذا كان للسلف في تفسير الآية قول، وجاء قوم فسروا الآية بقول آخر من أجل مذهب اعتقدوه، وذلك المذهب ليس من مذاهب السلف، فإنهم يصيرون مشاركين لأهل البدع الذين يعتقدون ثم يستدلون.
وهؤلاء لا يخلو حالهم في المخالفة من الآتي:
(1) حقائق التفسير، لأبي عبد الرحمن السلمي، تحقيق: سيد عمران (1:64 ـ 65).
1 -
أن يكون مجتهدًا مخطئًا، وهذا يُغفر له خطؤه.
2 -
أن يكون مبتدعًا، وهذا يأثم بابتداعه.
ثُمَّ إن القرآن قرأه جيل الصحابة والتابعين وتابعيهم، وكانوا أعلم به ممن جاء بعدهم، كما أنهم أعلم بالحق الذي نزل على محمد صلى الله عليه وسلم، ولا يُعقل أن يكون من جاء بعدهم أهدى طريقًا منهم.
ومن خالفهم من غير هوى وقصدٍ للضلالة، فإنه لا يخلو أن يكون عنده شبهة عقلية أو سمعية، وهذا ظاهر من مخالفة كثير من الفرق التي تقصد الحق، لكنها لم تهتدِ إليه.
وإثبات علم السلف بمعاني القرآن والشريعة من الأمور المهمة التي نحتاجها اليوم، إذ ظهرت كتابات لا تعيرهم أدنى اهتمام، بل هي لا تعترف بصحيح السنة، وتعرض إلى نقدها بطرق عقلية عقيمة تدلُّ على نقص الباحث في مادة البحث، فضلاً عن نقصه العلمي بالشريعة وتاريخها.
وهذا أصل مهم للغاية يحسن تثبيته بالأدلة المقنعة لينقطع بذلك جدل المجادلين، وتخريفات المنحرفين الذين ما يفتؤون يخرجون في كل حين شيئًا من خواء عقولهم المريضة.
فالذين نزل بلغتهم القرآن، وشاهدوا أحوال النُّزول، وعرفوا أحوال من نزل عليه صلى الله عليه وسلم، وتدارسوه في حياته وبعد وفاته ألا يكونون أقدر على فهمه ممن جاء بعدهم؟!
بلى.
ثمَّ نقلوه لجيل التابعين الذي حملوا راية التفسير، ونقلوه لأتباع التابعين، الذين صار التفسير في جيلهم بين التفسير النقلي المحض، والتفسير الذي يدخله الاجتهاد، وعليهم يكاد يتوقف النقل، إذ لم يُنقل عن الطبقة التي بعدهم شيءٌ يُذكر في التفسير.
ومن جاء بعد أتباع أتباع التابعين فإما أن يكون ممن يتخيَّر من
أقوالهم، وإما أن يجتهد اجتهادًا سليمًا يسلك فيه طريقهم، ولا يناقض في اجتهاده أقوالهم.
ولقد كانت أسباب الاختلاف في هذه الأجيال الثلاثة أسبابًا علمية مقبولة، ولما ظهرت البدع، وصار هؤلاء المبتدعة يريدون تعزيز بدعهم بالاستدلال بالقرآن ازدادت شُقة الخلاف، وصار من أكبر أسباب الاختلاف بين المتأخرين الاختلاف في المعتقد، فحُرِّف كلام الله ليوافق مذاهبهم، والله المستعان.
وأما كيفية معرفة فساد أقوال هؤلاء فقد ذكر شيخ الإسلام طريقة ذلك، ورتبها على الآتي:
1 -
معرفة القول الصواب الذي خالفه هؤلاء المبتدعة.
2 -
أن يتيقن أن قول السلف هو الحقُّ، وأن تفسير السلف يخالف تفسير المبتدعة.
3 -
أن يعرف أن تفسير المبتدعة مُحدثٌ مبتدع.
4 -
أن يعرف بالأدلة التي نصبها الله للحق فساد قولهم.
هذا خلاصة ما ذكره في هذه الفقرة، ويمكن أن يزاد عليه: معرفة الرأي المبتدع على وجهه وحقيقته، إذ كثيرٌ ممن يقرؤون التفسير لا يُحسنون معرفة المذاهب المخالفة، فيفوت عليهم شيء من أقوال المبتدعة، وتدخل عليهم وهم لا يشعرون.
وقد سبق التنبيه على منهج الزمخشري (ت:538)، وكيف كان يُدخل اعتزالياته أثناء كلامه في تفسير الآية بحيث لا يُشعَر بها.
وقد رأيت بعض من يحقق تفسيرًا من التفاسير المخالفة لمنهج أهل السنة والجماعة لا يعرف سوى المخالفة في بعض صفات الذات الإلهية؛ كصفة اليد أو الوجه، أو بعض صفات الفعل؛ كالغضب والرحمة، ولا تراه يتعدى ذلك إلى موضوعات العقيدة المختلفة كالقول في كلام الله، والقول في الإيمان، والقول في القدر، وغيرها من مسائل العقيدة.
ومما يحسن التنبه له في هذا المقام أمور:
1 -
أنَّ الانحراف كان قديمًا، لكن بعضه لم تظهر له آثارٌ كتابية؛ كعقيدة الخوارج وعقيدة أوائل الرافضة.
2 -
أنَّ هذه المعتقدات قد دخلها التَّطوُّر، فالخوارج في أول أمرهم ليسوا هم الخوارج بعد استقرار مذهبهم بأَخَرَةٍ، والرافضة الأوَّلون ليسوا كالرافضة المتأخرين، وكلتا هاتين الطائفتين قد تبنَّوا عقيدة المعتزلة، وأخذوا منها بنصيب وافر.
3 -
أنَّ بعض هذه الفرق قد تتفق في نهايات مسائل الاعتقاد، لكنها وصلت إليها بطرائق عقدية مختلفة، وهذا يعني أن اتفاقهم في النهايات لا يلزم منه اتفاقهم في البدايات وفي الاستدلالات.
4 -
أن انتساب أحد المفسرين لإحدى الفرق لا يلزم منه أن يكون ممن يقول بجميع أقوالها، فقد يخالف فيما هو مشهور من مقولات أصحابه.
5 -
أن بعض المسائل التفصيلية في الاعتقاد مما قد يقع فيه الخلاف بين أصحاب الفرقة الواحدة، فيحسن معرفة ذلك، لكي يُنسب القول إلى قائله.
وهذا يعني أن الانطلاق في تقرير المسائل العقدية في محيط الفرقة الواحدة لا يلزم منه الوصول إلى نتائج واحدة متفق عليها، وهذه هي طبيعة البحث العقلي المجرد عن الوحي.
وأخيرًا، فإنه يحسن بمن يريد أن يقرأ التفسير من كتبه المتعددة أن يكون عارفًا بالقول الصواب الذي عليه السلف، مُلِمًّا بأقوال هذه الفرق لكيلا يقع في أقوالهم وهو لا يشعر بذلك.