الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تفسير القرآن بأقوال الصحابة:
بيَّن شيخ الإسلام في هذا الفصل بعض مسائل تتعلق بتفسير الصحابة (1)، ويمكن إجمالها فيما يأتي:
1 -
سبب الرجوع إلى تفسير الصحابة.
2 -
من اشتهر بالتفسير من الصحابة.
3 -
الإسرائيليات في تفسير الصحابة، وهذا الموضوع قد تمَّ بسطه سابقًا (2)، فلا حاجة لنقاش هذه المسألة هنا.
أولاً: سبب الرجوع إلى تفسير الصحابة:
ذكر في هذا الموضوع الأسباب باقتضابٍ شديد؛ لأنه لا يكاد يوجد خلاف بين علماء المسلمين في الرجوع إلى تفسير الصحابي، وبعض ما يُكتب من الخلاف نظريٌّ يخالفه واقع التطبيق.
ومَنزلة الصحابة في الإسلام مما استقرَّ عند المسلمين، ولا يخالف فيها إلا من في قلبه مرض، ولذا لم يُطل شيخ الإسلام في هذا الطريق ولا في الذي قبله، لأنها من أصول المسلمين، بخلاف اليوم الذي ظهر فيه من يستنكر هذه الأصول، ويطعن في الثوابت، أسأل الله العافية.
(1) ينظر في تفسير الصحابة للقرآن فصول في أصول التفسير (ص:30 ـ 34)، ومقالات في علوم القرآن وأصول التفسير (ص:152 ـ 170)، وتفسير الصحابة للدكتور عبد الله أبو السعود بدر، نشر دار ابن حزم.
(2)
ينظر (ص:167).
وقد أشار شيخ الإسلام إلى بعض أسباب الرجوع إلى تفسير الصحابي بقوله: «وحينئذٍ إذا لم نجد التفسير في القرآن ولا في السنة رجعنا في ذلك إلى أقوال الصحابة، فإنهم أدرى بذلك لما شاهدوه من القرآن، والأحوال التي اختصوا بها؛ ولما لهم من الفهم التام، والعلم الصحيح، والعمل الصالح» ، هي:
1 -
مشاهدة النُّزول، وتلك خصِّيصة لا يمكن أن تكون لغيرهم، والذي يحضر هذه التنزلات يدرك ما لا يدركه من لم يكن شاهدًا.
يقول الشاطبي ـ في حجية بيان الصحابة للقرآن ـ: «وأما الثاني: مباشرتهم للوقائع والنوازل، وتنْزيل الوحي بالكتاب والسنة، فهم أقعد في فهم القرائن الحالية، وأعرف بأسباب النُّزول، ويدركون ما لا يدركه غيرهم بسبب ذلك، والشاهد يرى ما لا يراه الغائب. فمتى جاء عنهم تقييد بعض المُطلَقات، أو تخصيص بعض العمومات، فالعمل عليه على الصواب، وهذا إن لم يُنقل عن أحدهم خلاف في المسألة، فإن خالف بعضهم فالمسألة اجتهادية» (1).
وهذه مسألة عقلية لا يدخلها إلا الجدل السفسطي، فلو افترضت ملكًا له مستشارون هم من خاصته، ألا يكونون أعلم بأحواله وبإشارته وبأوامره من غيرهم، فإذا كان الأمر كذلك، كان الرجوع إليهم لمعرفة أمور الملك مما يتحتَّم.
وكذا لو تُصُوِّر عالمٌ له طلابٌ اختصوا به، وتلقوا على يده العلم، ولازموه ملازمة طويلة، فكتب لهم في العلم كتابًا، فإنهم أدرى بأسرار هذا الكتاب من غيرهم، لما لهم من المشاهدة لحال شيخهم، ومعرفتهم بطريقته.
فإذا كان ذلك أمرًا عقليًّا بدهيًّا، فكيف يعترض معترض على صحة
(1) الموافقات. تحقيق: مشهور آل سلمان (4:128).
الرجوع إلى تفسير الصحابة، أو يطعن طاعن في فهمهم لكتاب الله، ومعرفتهم به، مع ما عُرف عن بعضهم من الخلوص لهذا الكتاب والاعتناء به.
2 -
الأحوال التي اختصوا بها، وهذه الأحوال ـ كما ترى ـ مجملة، وهي تشتمل على حالين:
الأولى: الأحوال التي لا يشاركهم فيها غيرهم بسبب رؤيتهم للنبي صلى الله عليه وسلم، وهذه ترجع إلى موضع مشاهدة التَّنْزيل، ومعرفة أحوال النبي صلى الله عليه وسلم، فتشكَّل لهم بذلك أحوالٌ خاصَّةٌ لا يشاركهم فيها غيرهم، والشاهد يدرك من الأحوال ما لا يدركه الغائب، فإنَّ للمشاهدةِ أثرًا لا يدركه غير المشاهد، ويظهر هذا في طلاب العلم الذين يتلقون العلم في حِلَقِ العلم، فيأخذون عن الشيخ مباشرة، حيث يتأثرون به حتى قد يبلغ التأثر بطريقة كلامه وعرضه للدرس.
أما من يأخذه من طريق الكتب أو الأشرطة فإنه لا يدرك هذه المشاهدة التي اختص بها المشاهد.
الثانية: الأحوال المشتركة التي شاركهم فيها غيرهم ممن جاء بعدهم، لكن من بعدهم أقل شأنًا منهم.
ومعرفة هذه الأحوال يُرجع فيها إلى سيرة الصحابة الكرام، لمعرفة علومهم وآثارهم في العلم، فمن قرأ في علومهم ظهر له من هذه الأحوال الشيء الكثير.
3 -
الفهم التام والعلم الصحيح، وهذا ظاهر باستقراءِ علمِهم، وتتبعِ دقيقِ فهمِهم، وتلك أيضًا من آثار مشاهدة التنْزيل، ومعرفة أحوال النبي صلى الله عليه وسلم، ومعاشرته، والأخذ عنه مباشرة، مع ما لهم من العلم بلغتهم، والاستعداد الفطري للعلم والتعلم.
وموضوع تفسير الصحابة موضوع طويل، وهو يحتاج إلى عمل رسالة فيه، والمكتوب فيه لا يكفي، والله الموفق.