الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عَلِمْنَا أنه لم يواطئه على الكذب، فحكى مثل ذلك = عُلِمَ قطعًا أن الأمر كان كذلك، فإن الكذب قد يقع في مثل ذلك؛ لكن على سبيل المواطأة، وتلقي بعضهم عن بعض، كما يتوارث أهل الباطل المقالات الباطلة؛ مثل مقالة النصارى والجهمية والرافضة ونحوهم، فإنها وإن كان يُعلَم بضرورة العقل أنها باطلة، لكنها تلقاها بعضهم عن بعض فلما تواطأوا عليها جاز اتفاقهم فيها على الباطل.
والجماعة الكثيرون يجوز اتفاقهم على جحد الضروريات على سبيل التواطؤ؛ إما عمدًا للكذب، وإما خطأً في الاعتقاد، وأما اتفاقهم على جحد الضروريات من دون هذا وهذا = فممتنع» (1).
مسألة الموضوعات في كتب التفسير:
هذا الموضوع من الموضوعات المهمة، وهو موضوع مرتبط بالوضع في الحديث النبوي، ولا يصلح بحثه من دون التعريج على هذا الموضوع.
ويلاحظ أن شيخ الإسلام ذكر صنفين من الوضاعين:
الأولون: أهل البِدع والغلو؛ كالرافضة الذين وضعوا فضائل في عاشوراء، وفي عليٍّ وآله رضي الله عنهم.
والآخرون: بعض أهل الزهد الذين وضعوا أحاديث في فضائل
(1) منهاج السنة النبوية (7:436 ـ 437).
الأعمال.
وقد أشار إلى بعض كتب التفسير التي تحوي شيئًا من هذه الموضوعات، وهي: تفسير الثعلبي (ت:427)، وتفسير الواحدي (ت:468)، وتفسير الزمخشري (ت:538)، وهذه الكتب الثلاثة تروي حديثًا في فضائل السور عن أُبَي بن كعب (ت:32) فيه فضل سور القرآن سورةً سورة، وهو حديث موضوع كما نصَّ على ذلك جمع من العلماء، منهم ابن الجوزي (ت:597) في كتابه الموضوعات، قال: «
…
وقد فرَّق هذا الحديث أبو إسحاق الثعلبي في تفسيره، فذكر عند كل سورة منه ما يخصُّها، وتبعه أبو الحسن الواحدي
…
وهذا حديث في فضائل السور مصنوع بلا شكٍّ
…
وبعد هذا فنفس الحديث يدل على أنه مصنوع، فإنه قد استنفد السور، وذكر في كل واحد ما يناسبها من الثواب بكلام ركيك في نهاية البرودة، لا يناسب كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم» (1).
وفي هذا الموضوع مجموعة من الوقفات:
الأولى: أنَّ تحرير الموضوعات في التفسير يحتاج إلى دراسة تقويمية خاصة.
وهو ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: في العلوم التي لا أثر لها في التفسير؛ كفضائل السور.
القسم الثاني: فيما له أثر مباشر في التفسير؛ كتخصيص كثير من الآيات في علي وآل بيته رضي الله عنهم عند مفسري الرافضة (2)، وقد سَرَتْ بعض مروياتهم في قليل من التفاسير السُّنِّية؛ خصوصًا تفسير الثعلبي (ت:427) (3).
(1) الموضوعات (1:174).
(2)
مما يحسن بحثه في جانب تفسير الرافضة: الإمامة وأثرها على تفاسير الرافضة.
(3)
لما كان تفسير الثعلبي قد سرت فيه بعض مرويات الرافضة المكذوبة، وهو سنيُّ المعتقد حرص بعض الرافضة على إخراج الكتاب، فطُبِعَ الكتاب في دار إحياء التراث، وقد صدَّروه بعناوين براقة فقالوا: دراسة وتحقيق الإمام محمد بن عاشور، مراجعة وتدقيق الأستاذ نظير الساعدي، ولا تحقيقَ ولا تدقيق ثَمَّ، بل طبعته طبعة سيئة سقيمة مليئة بالأخطاء، فصار الانتفاع به كالانتفاع بالميتة للمضطر. =
وأحب أن أشير هنا إلى أمور:
1 -
أن وجود بعض الروايات في بعض التفاسير المسندة؛ كتفسير الطبري (ت:310) ليس عيبًا في المفسِّر، فهو يروي بالإسناد الذي يَصِلُه.
2 -
أن من زعم أن هذه الروايات قد تكون مدسوسة في تفسير أحد الأئمة فإن زعمه فيه نظر، بل فيه اتهام الأئمة بالغفلة (1).
الثانية: أنَّ هذا الوضع لم يكن مؤثِّرًا بدرجة كبيرة تشكِّل ظاهرةً في التفاسير المعتمَدة من التفاسير المسندة وغيرها؛ كتفسير الطبري (ت:310)، وابن أبي حاتم (ت:327)، والبغوي (ت:516)، وابن عطية (ت:542)، وابن كثير (ت:774)، وغيرهم من المحققين.
الثالثة: أن بعض التفاسير اشتهرت بوجود الموضوعات فيها، ومن أشهرها تفسير الثعلبي وتفسير النقاش.
ومثل هذه التفاسير بحاجة إلى دراسة؛ خاصَّة من هذا الجانب، ثمَّ هناك دراسة أخرى تُتَابع أثر هذه الروايات التي ذكروها على تفاسير اللاحقين لهم.
= وما يؤسف عليه أن الأقسام الجامعية لأهل السنة تترك بعض التفاسير بحجة الخلل فيها، فما ضرَّ لو دُرست وحُقِّقت وبُيِّن ما فيها من الخطأ، فهذا أولى من أن تُترك، ثم تظهر كظهور هذه الطبعة السقيمة، والله المستعان.
ملاحظة: تَمَّ تحقيق كتاب الثعلبي في رسائل جامعية عديدة في جامعة أم القرى بمكة والجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، ولعل الله ييسر خروجه.
(1)
ذهب إلى هذا التوجيه الدكتور محمد محمد أبو شهبة في غير ما موطن، وإن هذا المذهب لعجيب، وليس من أسلوب المنهج العلمي في شيءٍ، ولو فتحنا باب الافتراضات العقلية لما سَلِمَ كثيرٌ من المرويات، ومن نصوصه في هذا ما علَّقه على قصة يوسف عليه السلام قال: «
…
وإما أن تكون مدسوسة على هؤلاء الأئمة، دسها عليهم أعداء الأديان، كي تروج تحت هذا الستار، وبذلك يصلون إلى ما يريدون من إفساد العقائد، وتعكير صفو الثقافة الإسلامية الأصيلة، وهذا ما أميل إليه». الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير (ص:225).