الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولم يمنع وقوع الرضا في تلك الحال من مواقعة المعصية فيما بعد، فما الذي يمنع من مثل ذلك في غيره؟
وليس إذا قلنا: إن الآية تختص بالرجلين كان طعنًا عليهما، بل إذا حملناها على العموم دخلا، وكل متابع معهما، فكان ذلك أولى» (1).
خامسًا: دخول الفلاسفة والرافضة والقرامطة في التأويلات بسبب تأويلات أهل الكلام:
التطرف الذي وقع عند المعتزلة في باب التأويل، قد جرَّ ـ كما ذكر شيخ الإسلام ـ غيرهم إلى فتح باب التأويل إلى حدود لا يقضي منها العالم عجبه. فالتأويل ـ بلا ضوابط شرعية ـ لا قيد له؛ لذا فإنَّ كل طائفة تحتجُّ على الأخرى بمبدأ التأويل الذي أجازت لنفسها استخدامه.
وهذا التأويل العقلي أو المذهبي غير المنضبط بالشرع = لا تخلو منه طائفة من طوائف المسلمين سوى ما كان عليه الصحابة والتابعون ومن سار على نهجهم ممن انضبط بالكتاب والسنة، وأخذ بفهم الصحابة والتابعين لهما، وجعلها الحكم على فهم من جاء بعدهم.
وبما أن شيخ الإسلام قد ذكر بعض تأويلات الرافضة، فإني سأذكر
(1) التبيان في تفسير القرآن، للطوسي (9:328 ـ 329).
(2)
يعني: المعتزلة.
(3)
ينظر الملحق رقم (8)، ففيه ذكر شيخ الإسلام أمثلة تفسيرية مما لا يقضي العالم منها عجبه.
نصين من نصوص الطائفتين الأخريين لتتم الأمثلة بذلك.
مثال من تفاسير القرامطة الإسماعيلية:
للقرامطة الإسماعيلية تفاسير معدودة، وهي تنحو منحى الرمز والتلغيز، وتعمد إلى تأويل الشرائع بتأويلات تُخرجهم عن الالتزام بشرائع الإسلام، ومن تفاسيرهم المطبوعة تفسير بعنوان (مزاج التسنيم) لإسماعيل بن هبة الله الإسماعيلي، قال في كلامه على قوله تعالى:{فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ} [يوسف: 70]: «{فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ} يعني: بما ألقاه إليهم من الفوائد.
{جَعَلَ السِّقَايَةَ} يعني: عذق تلك الصور المجتمعة من صور أهل دعوته.
{فِي رَحْلِ أَخِيهِ} يعني: في ضمنه، وذلك حين أقامه خليفة له لكون النص هو الأمر للصور في جميع أهل المراتب تجتمع بالمنصوص عليه، ثم قال تعالى:{ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ} وهو داعي البلاغ في حضرة يوسف الذي كان أصله فيها داعي البلاغ كذلك في الأدوار المتقدمة.
{أَيَّتُهَا الْعِيرُ} يعني: المستفيدون كأصولهم.
{إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ} يعني: مُدَّعون ما ليس لكم من درجات المفيدين المطلقين بغير أمر من صاحب الترتيب لتلك المراتب في دعوته في الحديث والقديم بحسب ما ارتقم في ذاته في تلك المحارات، والملهم له بذلك ما يتصل بصورته من تحريك العمود النوراني بتدبير صاحب الزمان» (1).
فانظر في مثل هذا النصِّ الذي يفهمه القارئ بلا تعقيد؛ كيف تعقَّد بهذه الرموز والتلغيزات؟! فقد حشاه بمصطلحات الباطنية الإسماعيلية
(1) مزاج التسنيم (ص:74 ـ 75)، لإسماعيل بن هبة الله الإسماعيلي الباطني، عُني بتصحيحه المستشرق ر. شتروطمان، المجمع العلمي، غوتينغن.
كصاحب الزمان، والعمود النوراني، ومراتب الدعوة، وداعي البلاغ
…
إلخ من مصطلحات الإسماعيلية التي لا تخفى على من قرأ في تراث هؤلاء القوم، والله المستعان.
مثال من تفاسير الفلاسفة:
وأما الفلاسفة فقد وصل بهم التأويل إلى تأويل أحوال الآخرة، وأنه ليس ثمة جنة ولا نار، وغاية ما يثبتونه المعاد الرُّوحاني، ونقاش ذلك مبسوط في كتب العقائد (1)، والمراد هنا التمثيل بقول أحد أئمتهم في هذا المجال، ومن ذلك ما ذكره الفيلسوف ابن رشد الحفيد في كتابه (فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال) من أنَّ الشريعةَ على ثلاثةِ أقسامٍ:
1 -
ظاهرٌ لا يجوزُ تأويله
…
2 -
وظاهرٌ يجبُ على أهلِ البرهانِ تأويلُه، وحملهم إياه
على ظاهره كفرٌ، وتأويل غير أهل البرهانِ له، وإخراجه عن ظاهره كفرٌ في حقِّهم أو بدعة، ومن هذا الصِّنفِ آيةُ الاستواء وحديث النُّزول
…
3 -
والصنف الثالث من الشرع مترددٌ بين هذين الصنفينِ، يقع فيه شكٌ، فيلحقُه قومٌ ممن يتعاطى النظر بالظاهر الذي لا يجوزُ تأويله، ويلحقه آخرونَ بالباطنِ الذي لا يجوزُ حمله على الظاهرِ
…
(2).
ثمَّ قال: «فإن قيل: فإذا تبين أن الشرع في هذا على ثلاث مراتب، فمن أي المراتبِ الثلاثِ هو عندكم ما جاء في صفات المعاد وأحواله؟
فنقول: إنَّ هذه المسألة الأمر فيها بيِّنٌ أنها من الصنفِ المختلَفِ فيه، وذلك أنا نرى قومًا ينسبون أنفسهم إلى البرهان يقولون: إن الواجب حملها
(1) ينظر مثلاً: درء تعارض العقل والنقل، لشيخ الإسلام ابن تيمية.
(2)
ينظر: فصل المقال (ص:27 ـ 28).
على ظاهرها إذا كان ليس هناك برهان يؤدي إلى استحالة الظاهر فيها، وهذه طريقة الأشعرية.
وقوم آخرون ممن يتعاطون البرهان يتأوَّلونها، وهؤلاء يختلفون في تأويلها اختلافًا كثيرًا، وفي هذا الصنف أبو حامد (1) معدودٌ هو وكثيرٌ من المتصوفة
…
» (2).
ومن أمثلة التفسير الفلسفي ما كتبه ابن سينا (ت:428) في تفسير بعض سور القرآن على المنهج الفلسفي الذي كان يعتنقه، ومن تفسيراته تفسيره لسورة الصمد، قال في تفسير قوله تعالى:{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1]: «الهو المطلق: هو الذي لا تكون هويته موقوفة على غيره، فإن كل ما كان هويته موقوفة على غيره مستفادة منه، فمتى لم يعتبر غيره لم يكن هو هو.
وكل ما كان هويته مستفادة من ذاته؛ فسواء اعتبر غيره أو لم يعتبر، فهو هو. لكن كل ممكن فوجوده من غيره، وكل ما كان وجوده من غيره فخصوصية وجوده منه لعلة، وذلك هو الهوية، فإذن كل ممكن فهويته من غيره، فالذي يكون هويته لذاته هو واجب الوجود» (3).
في هذا المثال ترى ابن سينا (ت:428) كيف حشد عبارات فلسفية في تفسير أول ألفاظ هذه السورة (هو)، وهي عبارات تحتاج إلى فكٍّ وحلٍّ ليُفهم مقصوده منها، فهي مصطلحات فلسفية خاصة، وليست مما يعتمد على لغة العرب أو على تفسير السلف، أو على أمور تتصل بالشريعة (4).
(1) يقصد: الغزالي.
(2)
فصل المقال (ص:28).
(3)
تفسير سورة الإخلاص، لابن سينا، تحقيق: الدكتور عبد الله عبد الرحمن الخطيب ضمن مجلة الشريعة والدراسات الإسلامية الصادرة عن جامعة الكويت (ع51، ص:71).
(4)
ينظر: دراسة الدكتور عبد الله عبد الرحمن الخطيب لابن سينا وتفسيره في مجلة =