المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الملحق الأولويشتمل على ثلاث مسائل: - شرح مقدمة في أصول التفسير لابن تيمية

[مساعد الطيار]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة الطبعة الثانية

- ‌أولاً: ما يتعلق بالمقدمة:

- ‌ثانيًا: ما يتعلق بشرح هذه المقدمة:

- ‌مدخل إلى رسالة شيخ الإسلام

- ‌أهم طبعات المقدمة:

- ‌عنوان هذه المقدمة:

- ‌متى كتب شيخ الإسلام المقدمة

- ‌من أفاد من المقدمة:

- ‌الموضوعات التي طرقتها المقدمة:

- ‌مقدمة المؤلف

- ‌شرح مقدمة المؤلف

- ‌ سبب تأليف هذه المقدمة

- ‌ التفسير إما منقول وإما معقول

- ‌ أن تحديد المنقول والمعقول من التفسير قضية نسبية تختلف باختلاف العصر

- ‌ من بلغ درجة الاجتهاد في التفسير في العصر الحاضر فإن له مجالين:

- ‌تعلم تفسير القرآن من فروض الكفايات

- ‌بيان النبي صلى الله عليه وسلم معاني القرآن لأصحابه رضي الله عنهم

- ‌شرح بيان النبي صلى الله عليه وسلم معاني القرآن لأصحابه رضي الله عنهم

- ‌أولاً: موضوع البيان النبويِّ للقرآن:

- ‌ هل فسَّر النبي صلى الله عليه وسلم القرآن كله، أم فسَّر بعضَه

- ‌من زعم أنه لم يبين لهم معاني القرآن، أو أنه بيَّنها، وكتموها عن التابعين

- ‌فقولنا بتفسير الصحابة والتابعين لعلمنا بأنهم بلغوا عن الرسول صلى الله عليه وسلم ما لم يصل إلينا إلا بطريقهم

- ‌ البيان النبوي للقرآن على قسمين:

- ‌ السنة شارحة للقرآن ومبينة له

- ‌ في القرآن ما لا يُعلم تفسيره إلا من جهة النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌ لا يوجد في القرآن ما لا يُعلم معناه

- ‌ لا يوجد في القرآن ما خفِيَ علمه على الصحابة

- ‌ لا يوجد في تفسير القرآن ما أخفاه الرسول صلى الله عليه وسلم عن الصحابة رضي الله عنهم

- ‌ كلام شيخ الإسلام من حيث وجود بيان لجميع القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بجميع ألفاظه وجُمَلِهِ فيه إشكالٌ

- ‌بيان ما تدل عليه الآثار من أن النبي صلى الله عليه وسلم بيّن لهم ما يحتاجون إليه:

- ‌ثانيًا: اهتمام الصحابة بتعلُّم معاني القرآن

- ‌ثالثًا: قِلَّةُ النِّزاع بين الصحابة في التفسير:

- ‌ أمثلة للاختلاف الوارد عن الصحابة رضي الله عنهم:

- ‌رابعًا: أنَّ من التابعين من تلقّى جميع التفسير من الصحابة:

- ‌خامسًا: أن التابعين قد يتكلمون في التفسير بالاستنباط والاستدلال:

- ‌اختلاف التنوع واختلاف التضاد في تفسير السلف

- ‌معرفة سبب النُّزول يُعينُ على فهم الآية

- ‌شرح اختلاف التنوع واختلاف التضاد في تفسير السلف

- ‌المسألة الأولى: في تعريف اختلاف التنوع واختلاف التضاد:

- ‌أولاً: اختلاف التنوع:

- ‌اختلاف التنوع في التفسير نوعان:

- ‌ثانيًا: اختلاف التضاد:

- ‌المسألة الثانية: في نوعي الاختلاف اللذَين يكثران في تفسير سلف الأمة:

- ‌الصنف الأول:

- ‌ ذكر رحمه الله أنَّ التفسير يختلف باختلاف مقصود السائلِ

- ‌المثال الأول:

- ‌المثال الثاني:

- ‌الصنف الثاني:

- ‌فائدةُ التفسير بالمثال:

- ‌ إن التفسير بالمثال لا يفيد الحصرَ

- ‌المسألة الثالثة: تنبيهات تتعلق بأسباب النُّزول

- ‌المسألة الأولى:أنَّ الآية لا تختصُّ بالشخصِ المعيَّنِ دون غيرِه

- ‌المسألة الثانية:دخول ما يشبه حال ذلك الشخص في معنى الآية الواردة على سبب من طريقين:

- ‌ أن دخول غير السبب من باب تعميم اللفظ أقوى من دخوله من باب القياس

- ‌مسألة في أثر معرفة سبب النُّزول:

- ‌قال شيخ الإسلام: «ومعرفة سبب النُّزول يعين على فهم الآية

- ‌مسألة في قولهم: نزلت هذه الآية في كذا:

- ‌أمثلة لصيغة (نزلت في) عند البخاري:

- ‌ورود صيغة «فأنزل الله» «فنَزلت» في غير سبب النُّزول المباشر:

- ‌الاحتمالات الواردة على نزول الآية إذا ورد فيها أكثر من سبب:

- ‌الاحتمال الأول: أن تكون الآية نزلت عقب هذه الأسباب، فيكون أكثرُ من حدث سببًا لنُزول الآية

- ‌الاحتمال الثاني: أن تكون الآية نزلت مرتين، مرة لهذا السبب، ومرة لذلك السبب الآخر

- ‌نوعان آخران من اختلاف التنوع

- ‌النوع الأول: ما يكون اللفظ فيه محتملاً للأمرين:

- ‌أولاً: المشترك اللغوي:

- ‌ثانيًا: المتواطئ:

- ‌النوع الأول من المتواطئ:

- ‌النوع الثاني من المتواطئ:

- ‌النوع الثاني من الاختلاف الموجود عنهم ويجعله بعض الناس اختلافًا: أن يُعبِّروا عن المعنى بألفاظ متقاربة:

- ‌مسائل علمية في هذا الفصل

- ‌أولاً: الألفاظ المترادفة:

- ‌ثانيًا: التضمين:

- ‌ثالثًا: فائدة جمع أقوال السلف:

- ‌رابعًا: وقوع الاختلاف المحقق في تفسير السلف:

- ‌خامسًا: أسباب الاختلاف:

- ‌الاختلاف الواقع في كتب التفسير من جهة النقل ومن جهة الاستدلال

- ‌ وتتضمن تارة جعل اللفظ المطلق العام منحصرًا في شخص واحد

- ‌من أصول العلم

- ‌شرح الاختلاف الواقع في كتب التفسير من جهة النقل ومن جهة الاستدلال

- ‌النوع الأول: ما يرجع إلى النقل

- ‌الإسرائيليات عند شيخ الإسلام في هذه المقدمة:

- ‌تلخيص أفكار شيخ الإسلام في الإسرائيليات:

- ‌إشكال في موقف ابن عباس من الإسرائيليات:

- ‌مسألة في ضابط العقل في ردِّ الإسرائيليات:

- ‌مسألة في وقوع الاختلاف بين علماء الكتاب فيما يروونه:

- ‌فائدة: في عدم تحرِّي العلماء فيما يُنقل عن أهل الكتاب:

- ‌مسألة في خبر عبد الله بن عمرو والزاملتين:

- ‌مسألة في قول الإمام أحمد في كتب التفسير:

- ‌مسألة في المراسيل في التفسير:

- ‌مسألة الموضوعات في كتب التفسير:

- ‌نقد شيخ الإسلام لبعض المفسرين:

- ‌أولاً: الثعلبي (ت:427):

- ‌ثانيًا: الواحدي (ت:468):

- ‌ثالثًا: البغوي (ت:516):

- ‌رابعًا: الزمخشري (ت:538):

- ‌مسائل الاختلاف الواقع في كتب التفسير من جهة الاستدلال

- ‌أولاً: كتب التفسير التي تخلو من الخطأ بسبب الاستدلال

- ‌ثانيًا: الوجه الأول من سببي الخطأ في الاستدلال:

- ‌أصناف من كان نظرهم إلى المعنى أسبق:

- ‌الصنف الأول: من يسلبون لفظ القرآن ما دلَّ عليه وأريد به:

- ‌الصنف الثاني: من يحملونه على ما لم يدل عليه ولم يرد به:

- ‌ثالثًا: الوجه الثاني من سببي الخطأ في الاستدلال:

- ‌قوم فسَّروا القرآن بمجرد ما يسوغ أن يريده من كان من الناطقين بلغة العرب بكلامه

- ‌رابعًا: نقد بعض التفاسير المخالفة لمنهج السلف، وبيان المنهج العقدي العام لها:

- ‌أمثلة لبعض أصول المعتزلة والرافضة التي حملوا ألفاظ القرآن عليها:

- ‌أولاً: أصول المعتزلة التي وافقتهم عليها الرافضة (2):

- ‌ثانيًا: الأصل الذي خالفت فيه الرافضة المعتزلة (الإمامة):

- ‌خامسًا: دخول الفلاسفة والرافضة والقرامطة في التأويلات بسبب تأويلات أهل الكلام:

- ‌سادسًا: الأمثلة التي ذكرها شيخ الإسلام في انحرافات التفسير:

- ‌ قاعدة في ضابط معرفة الانحراف في تفسير الألفاظ بأشخاص مُعَيَّنين

- ‌الضابط الأول: تفسير اللفظ بما لا يدل عليه بحال:

- ‌الضابط الثاني: جعل اللفظ العام منحصرًا في شخص واحد:

- ‌سابعًا: تفسير الزمخشري وابن عطية والطبري:

- ‌تفسير ابن عطية (ت:542):

- ‌تفسير الطبري:

- ‌ثامنًا: تفسير أبي عبد الرحمن السلمي، وأقوال الصوفية:

- ‌تاسعًا: مكانة تفسير من خالف السلف، وكيفية معرفة تلك المخالفة:

- ‌أحسن طرق تفسير القرآن

- ‌شرح أحسن طرق تفسير القرآن

- ‌تفسير القرآن بالقرآن

- ‌تفسير القرآن بالسنة

- ‌تفسير القرآن بأقوال الصحابة:

- ‌تفسير القرآن بأقوال التابعين

- ‌الرأي في التفسير:

- ‌الملاحق العلمية: نقولٌ من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية

- ‌الملحق الأولويشتمل على ثلاث مسائل:

- ‌الملحق الثانيكلام ابن القيم (ت:751) في مسألة البيان النبوي للقرآن:

- ‌الملحق الثالثكلام آخر لابن القيم (ت:751) في مسألة البيان النبوي للقرآن:

- ‌الملحق الرابعأنواع اختلاف التنوع في تفسير السلف:

- ‌الملحق الخامسفي طرق معرفة الكذب في المنقول:

- ‌الملحق السادسفي كتب التفسير:

- ‌الملحق السابعأمثلة تفسيرية مما لا ينقضي منها عجب العالم:

- ‌فهرس المصادر والمراجع

الفصل: ‌الملحق الأولويشتمل على ثلاث مسائل:

‌الملحق الأول

ويشتمل على ثلاث مسائل:

الأول: مسألة البيان النبوي للقرآن.

الثانية: مسألة اختلاف التنوع.

الثالثة: مسألة أسباب النُّزول.

جاء في «مجموع الفتاوى» (5:153 ـ 163) ما نصه: «سئل شيخ الإسلام فريد الزمان بحر العلوم تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية رحمه الله عن رجلين تباحثا في «مسألة الإثبات للصفات، والجزم بإثبات العلو على العرش» .

فقال أحدهما: لا يجب على أحد معرفة هذا، ولا البحث عنه: بل يكره له، كما قال الإمام مالك للسائل: وما أراك إلا رجل سوء. وإنما يجب عليه أن يعرف ويعتقد أن الله تعالى واحد في ملكه، وهو رب كل شيء وخالقه ومليكه؛ بل ومن تكلم في شيء من هذا فهو مجسم حشوي.

فهل هذا القائل لهذا الكلام مصيب أم مخطئ؟ فإذا كان مخطئًا فما الدليل على أنه يجب على الناس أن يعتقدوا إثبات الصفات والعلو على العرش ـ الذي هو أعلى المخلوقات ـ ويعرفوه؟ وما معنى التجسيم والحشو؟

أفتونا وابسطوا القول بسطًا شافيًا يزيل الشبهات في هذا مثابين مأجورين إن شاء الله تعالى.

ص: 303

فأجاب: الحمد لله رب العالمين. يجب على الخلق الإقرار بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، فما جاء به القرآن العزيز أو السنة المعلومة وجب على الخلق الإقرار به جملة، وتفصيلاً عند العلم بالتفصيل؛ فلا يكون الرجل مؤمنًا حتى يقر بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، وهو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله.

فمن شهد أنه رسول الله شهد أنه صادق فيما يخبر به عن الله تعالى، فإن هذا حقيقة الشهادة بالرسالة؛ إذ الكاذب ليس برسول فيما يكذبه، وقد قال الله تعالى:{وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ *لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ *ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ} [الحاقة: 44 ـ 46].

وبالجملة، فهذا معلوم بالاضطرار من دين الإسلام؛ لا يحتاج إلى تقريره هنا، وهو الإقرار بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، وهو ما جاء به من القرآن والسنة؛ كما قال الله تعالى:{لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [آل عمران: 164].

وقال تعالى: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} [البقرة: 151].

وقال تعالى: {وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ} [البقرة: 231].

وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَاّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ} [النساء: 64].

وقال تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65].

وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: 59].

ص: 304

ومما جاء به الرسول: رِضَاهُ عن السابقين الأولين، وعن من اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين؛ كما قال تعالى:{وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} [التوبة: 100].

ومما جاء به الرسول: إخباره بأنه تعالى قد أكمل الدين بقوله سبحانه: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِيناً} [المائدة: 3].

ومما جاء به الرسول: أمر الله له بالبلاغ المبين كما قال تعالى: {وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَاّ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [النور: 54]، وقال تعالى:{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44]، وقال تعالى:{يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة: 67].

ومعلوم أنه قد بلغ الرسالة كما أمر ولم يكتم منها شيئًا، فإن كتمان ما أنزل الله إليه يناقض موجب الرسالة؛ كما أن الكذب يناقض موجب الرسالة.

ومن المعلوم من دين المسلمين أنه معصوم من الكتمان لشيء من الرسالة، كما أنه معصوم من الكذب فيها، والأمة تشهد له بأنه بلّغ الرسالة كما أمره الله، وبيّن ما أنزل إليه من ربه، وقد أخبر الله بأنه قد أكمل الدين؛ وإنما كمل بما بلغه؛ إذ الدين لم يعرف إلا بتبليغه، فعلم أنه بلغ جميع الدين الذي شرعه الله لعباده كما قال صلى الله عليه وسلم:«تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك» .

وقال: «ما تركت من شيء يقربكم إلى الجنة إلا وقد حدثتكم به، وما من شيء يبعدكم عن النار إلا وقد حدثتكم به» .

وقال أبو ذر: لقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علمًا.

ص: 305

إذا تبين هذا: فقد وجب على كل مسلم تصديقه فيما أخبر به عن الله تعالى: من «أسماء الله وصفاته» مما جاء في القرآن وفي السنة الثابتة عنه، كما كان عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان؛ الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه.

فإن هؤلاء هم الذين تلقوا عنه القرآن والسنة، وكانوا يتلقون عنه ما في ذلك من العلم والعمل، كما قال أبو عبد الرحمن السلمي: لقد حدثنا الذين كانوا يقرؤوننا القرآن، كعثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما، أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعًا.

وقد قام عبد الله بن عمر ـ وهو من أصاغر الصحابة ـ في تعلم البقرة ثماني سنين، وإنما ذلك لأجل الفهم والمعرفة، وهذا معلوم من وجوه:

أحدها: أن العادة المطردة التي جبل الله عليها بني آدم توجب اعتناءهم بالقرآن ـ المنزل عليهم ـ لفظًا ومعنى، بل أن يكون اعتناؤهم بالمعنى أوكد، فإنه قد علم أنه من قرأ كتابًا في الطب أو الحساب، أو النحو أو الفقه أو غير ذلك، فإنه لا بد أن يكون راغبًا في فهمه، وتصور معانيه، فكيف بمن قرؤوا كتاب الله تعالى المنزل إليهم، الذي به هداهم الله، وبه عرّفهم الحق والباطل، والخير والشر، والهدى والضلال، والرشاد والغي؟!

فمن المعلوم أن رغبتهم في فهمه وتصور معانيه أعظم الرغبات، بل إذا سمع المتعلم من العالم حديثًا فإنه يرغب في فهمه؛ فكيف بمن يسمعون كلام الله من المبلغ عنه، بل ومن المعلوم أن رغبة الرسول صلى الله عليه وسلم في تعريفهم معاني القرآن أعظم من رغبته في تعريفهم حروفه، فإن معرفة الحروف بدون المعاني لا تحصّل المقصود؛ إذ اللفظ إنما يراد للمعنى.

الوجه الثاني: أن الله سبحانه وتعالى قد حضهم على تدبره وتعقله واتباعه في غير موضع، كما قال تعالى:{كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ} [ص: 29]،

ص: 306

وقال تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد: 24]، وقال تعالى:{أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَاتِ آبَاءَهُمْ الأَوَّلِينَ} [المؤمنون: 68]، وقال تعالى:{أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82].

فإذا كان قد حض الكفار والمنافقين على تدبره: علم أن معانيه مما يمكن الكفار والمنافقين فهمها ومعرفتها، فكيف لا يكون ذلك ممكنًا للمؤمنين؟ وهذا يبين أن معانيه كانت معروفة بينة لهم.

الوجه الثالث: أنه قال تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [يوسف: 2]، وقال تعالى:{إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [الزخرف: 3]، فبيّن أنه أنزله عربيًا لأن يعقلوا، والعقل لا يكون إلا مع العلم بمعانيه.

الوجه الرابع: أنه ذم من لا يفهمه فقال تعالى: {وَإِذَا قَرَاتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا} {وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا} [الإسراء: 45، 46]، وقال تعالى:{فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا} [النساء: 78]، فلو كان المؤمنون لا يفقهونه أيضًا لكانوا مشاركين للكفار والمنافقين فيما ذمهم الله تعالى به.

الوجه الخامس: أنه ذم من لم يكن حظه من السماع إلا سماع الصوت دون فهم المعنى واتباعه، فقال تعالى:{وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَاّ دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} [البقرة: 171]، وقال تعالى:{أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَاّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً} [الفرقان: 44]، وقال تعالى:{وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ} [محمد: 16]، وأمثال ذلك.

ص: 307

وهؤلاء المنافقون سمعوا صوت الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يفهموا وقالوا: ماذا قال آنفًا؟ أي الساعة، وهذا كلام من لم يفقه قوله، فقال تعالى:{أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ} [محمد: 16]، وأمثال ذلك.

فمن جعل السابقين الأولين ـ من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان ـ غير عالمين بمعاني القرآن؛ جعلهم بمنْزلة الكفار والمنافقين فيما ذمهم الله تعالى عليه.

الوجه السادس: أن الصحابة رضي الله عنهم فسروا للتابعين القرآن، كما قال مجاهد: عرضت المصحف على ابن عباس من أوله إلى آخره، أقف عند كل آية منه وأسأله عنها، ولهذا قال سفيان الثوري:«إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به» .

وكان ابن مسعود يقول: «لو أعلم أحدًا أعلم بكتاب الله مني تبلغه الإبل لأتيته» .

وكل واحد من أصحاب ابن مسعود وابن عباس نقل عنه من التفسير ما لا يحصيه إلا الله. والنقول بذلك عن الصحابة والتابعين ثابتة معروفة عند أهل العلم بها.

فإن قال قائل: قد اختلفوا في تفسير القرآن اختلافًا كثيرًا، ولو كان ذلك معلومًا عندهم عن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا فيه.

فيقال: الاختلاف الثابت عن الصحابة، بل وعن أئمة التابعين في القرآن أكثره لا يخرج عن وجوه:

أحدها: أن يعبر كل منهم عن معنى الاسم بعبارة غير عبارة صاحبه، فالمسمى واحد، وكل اسم يدل على معنى لا يدل عليه الاسم الآخر، مع أن كلاهما حق؛ بمنْزلة تسمية الله تعالى بأسمائه الحسنى، وتسمية الرسول صلى الله عليه وسلم بأسمائه، وتسمية القرآن العزيز بأسمائه، فقال تعالى:{قُلْ ادْعُوا اللَّهَ أَوْ ادْعُوا الرَّحْمَانَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [الإسراء: 110].

ص: 308

فإذا قيل: الرحمن الرحيم الملك القدوس السلام، فهي كلها أسماء لمسمى واحد سبحانه وتعالى، وإن كان كل اسم يدل على نعت لله تعالى لا يدل عليه الاسم الآخر.

ومثال هذا التفسير كلام العلماء في تفسير (الصراط المستقيم) فهذا يقول: هو الإسلام، وهذا يقول: هو القرآن؛ أي: اتباع القرآن، وهذا يقول: السنة والجماعة، وهذا يقول: طريق العبودية، وهذا يقول: طاعة الله ورسوله.

ومعلوم أن الصراط يوصف بهذه الصفات كلها، ويسمى بهذه الأسماء كلها ولكن كل واحد منهم دل المخاطب على النعت الذي به يعرف الصراط، وينتفع بمعرفة ذلك النعت.

الوجه الثاني: أن يذكر كل منهم من تفسير الاسم بعض أنواعه أو أعيانه على سبيل التمثيل للمخاطب، لا على سبيل الحصر والإحاطة، كما لو سأل أعجمي عن معنى لفظ الخبر، فأُرِيَ رغيفًا، وقيل: هذا هو، فذاك مثال للخبز وإشارة إلى جنسه؛ لا إلى ذلك الرغيف خاصة.

ومن هذا ما جاء عنهم في قوله تعالى: {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ} [فاطر: 32].

فالقول الجامع: أن الظالم لنفسه: هو المفرط بترك مأمور أو فعل محظور.

والمقتصد: القائم بأداء الواجبات وترك المحرمات.

والسابق بالخيرات: بمنْزلة المقرب الذي يتقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض حتى يحبه الحق.

ثم إن كلاً منهم يذكر نوعًا من هذا. فإذا قال القائل:

الظالم: المؤخر للصلاة عن وقتها.

ص: 309

والمقتصد: المصلي لها في وقتها.

والسابق: المصلي لها في أول وقتها حيث يكون التقديم أفضل.

وقال آخر: الظالم لنفسه: هو البخيل الذي لا يصل رحمه ولا يؤدي زكاة ماله.

والمقتصد: القائم بما يجب عليه من الزكاة وصلة الرحم وقرى الضيف والإعطاء في النائبة.

والسابق: الفاعل المستحب بعد الواجب كما فعل (الصديق الأكبر) حين جاء بماله كله، ولم يكن مع هذا يأخذ من أحد شيئًا.

وقال آخر: الظالم لنفسه: الذي يصوم عن الطعام، لا عن الآثام.

والمقتصد: الذي يصوم عن الطعام والآثام.

والسابق: الذي يصوم عن كل ما لا يقربه إلى الله تعالى، وأمثال ذلك = لم تكن هذه الأقوال متنافية، بل كلٌّ ذكر نوعًا مما تناولته الآية.

الوجه الثالث: أن يذكر أحدهم لنُزول الآية سببًا، ويذكر الآخر سببًا آخر لا ينافي الأول، ومن الممكن نزولها لأجل السببين جميعًا، أو نزولها مرتين: مرة لهذا، ومرة لهذا.

وأما ما صح عن السلف أنهم اختلفوا فيه اختلاف تناقض، فهذا قليل بالنسبة إلى ما لم يختلفوا فيه، كما أن تنازعهم في بعض مسائل السنة، كبعض مسائل الصلاة والزكاة والصيام والحج والفرائض والطلاق، ونحو ذلك = لا يمنع أن يكون أصل هذه السنن مأخوذًا عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ وجملها منقولة عنه بالتواتر.

وقد تبين أن الله تعالى أنزل عليه الكتاب والحكمة؛ وأمر أزواج نبيه صلى الله عليه وسلم أن يذكرن ما يتلى في بيوتهن من آيات الله والحكمة.

ص: 310

وقد قال غير واحد من السلف: إن «الحكمة» هي السنة؛ وقد قال صلى الله عليه وسلم: «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه» .

فما ثبت عنه من السنة فعلينا اتباعه؛ سواء قيل: إنه في القرآن، ولم نفهمه نحن، أو قيل: ليس في القرآن؛ كما أن ما اتفق عليه السابقون الأولون والذين اتبعوهم بإحسان؛ فعلينا أن نتبعهم فيه؛ سواء قيل: إنه كان منصوصًا في السنة ولم يبلغنا ذلك، أو قيل: إنه مما استنبطوه واستخرجوه باجتهادهم من الكتاب والسنة».

ص: 311