الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لا يلزم أن يكون هو سبب النُّزول المباشر؛ لأنه ليس هناك حدث معين كي تنْزل الآية بسببه، والآية مكية، وفرض الأذان كان في المدينة مما يُبعِد أن تكون هذه الآية نزلت بسبب المؤذنين، وإن كانوا يدخلون في عمومها، والله أعلم.
وقد جعل بعض العلماء صيغة (نزلت في) من قبيل التفسير المسند؛ أي: المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ كالإمام البخاري (ت:256) الذي يروي مثل هذه الصيغة بالإسناد، ولو لم تكن مرفوعة لاكتفى بتعليقها كما يعلِّق جملةً من التفسير المروي عن الصحابة والتابعين وتابعيهم. وأما كتب المسانيد فكما قال شيخ الإسلام (ت:728)، فهي لا تروي ما يأتي بهذه الصيغة إلا نادرًا.
أمثلة لصيغة (نزلت في) عند البخاري:
1 -
قال البخاري: «باب قوله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} [الأنفال: 1].
قال ابن عباس: الأنفال: المغانم.
قال قتادة: ريحكم: الحرب.
يقال: نافلة: عطية.
حدثني محمد بن عبد الرحيم، حدثنا سعيد بن سليمان أخبرنا هشيم، أخبرنا أبو بشر عن سعيد بن جبير، قال: قلت لابن عباس: سورة الأنفال؟ قال: نزلت في بدر» (1).
فإيراد هذه الرواية عن ابن عباس (ت:68) بالسند دليل على دخول مثل هذه الرواية في شرطه، وهو من رواية المرفوعات، بخلاف تفسير ابن عباس للأنفال حيث علَّق الرواية ولم يُسندها.
(1) رواه البخاري في تفسير سورة الأنفال من كتاب التفسير.
2 -
3 -
«حدثنا حفص بن عمر حدثنا شعبة عن علقمة بن مرثد عن سعد بن عبيدة عن البراء بن عازب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا أُقعِد المؤمن في قبره أُتِيَ، ثم شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فذلك قوله:{يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ} [إبراهيم: 27].
حدثنا محمد بن بشار حدثنا غندر حدثنا شعبة بهذا وزاد: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا} [إبراهيم: 27]: نزلت في عذاب القبر» (2).
4 -
والذي يدل على ذلك أنه روى تفسيرًا كثيرًا عن ابن عباس (ت:68) وعلَّقه، ومن ذلك قوله:«باب قول الله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: 30]، قال ابن عباس: {لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ}: إلا عليها حافظ» (4).
وهذه الصيغة (نزلت في)، مع ورودها عند البخاري (ت:256) إلا أنها
(1) رواه البخاري في تفسير سورة البقرة من كتاب التفسير، رقم الحديث:4244.
(2)
رواه البخاري، في كتاب الجنائز، رقم الحديث:1303.
(3)
رواه البخاري في تفسير سورة الفرقان من كتاب التفسير، رقم الحديث:4488.
(4)
رواه البخاري في تفسير سورة البقرة من كتاب التفسير.
قليلة بالنسبة إلى صيغة «فنَزلت» ، وصيغة «فأنزل الله» ، وهذه الصيغة الأخيرة هي الأكثر عنده من بين هذه الصيغ.
أما الصيغة الثانية، وهو ذكر السبب المباشر للآية، وغالبًا ما يذكر السبب، ثُمَّ يُتْبِعُهُ «فنَزلت» أو «فأنزل الله» ، فكل هؤلاء يدخلها في المسند؛ لأنها مرفوعة إلى عهد النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد أبان الحاكم (ت:405) أنَّ ورودَ أسبابِ النُّزولِ الصَّريحةِ عن الصَّحابةِ الكرامِ لها حكمُ الرَّفعِ، وذكر ذلك في كتابه معرفة علوم الحديث، فقال: «
…
فأمَّا الموقوفُ على الصَّحابةِ، فإنَّه قلَّ ما يخفى على أهل العلم ....
ومن الموقوف الذي يُستدلُّ به على أحاديث كثيرة: ما حدَّثناه أحمد بن كاملٍ القاضي، ثنا يزيد بن الهيثم، ثنا محمد بن جعفر الفيدي، ثم ابن فضيل، عن أبي سنان، عن عبد الله بن أبي الهذيل، عن أبي هريرة رضي الله عنه في قول الله عز وجل:{لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ} [المدثر: 29]، قال: تلقاهم جهنَّمُ يوم القيامة، فتلفحُهم لفحةً، فلا تترك لحمًا على عظمٍ إلَاّ وضعت على العراقيب.
قال: وأشباه هذا من الموقوفات تُعَدُّ في تفسيرِ الصَّحابةِ.
فأمَّا ما نقول في تفسير الصَّحابيِّ: مسندٌ، فإنَّما نقولُه في غيرِ هذا النَّوعِ (1)، فإنَّه كما أخبرناه أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصَّفَّار، حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، حدثني مالك بن أنس، عن محمد بن المنكدر، عن جابرٍ قال: كانت اليهود تقول: من أتى امرأته من دبرها في قُبُلِها، جاء الولدُ أحول، فأنزل الله عز وجل:{نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ} [البقرة: 223].
(1) يقصد النوع الخامس الذي ذكره قبل هذا الكلام، وهو الموقوف من الروايات، ينظر: معرفة علوم الحديث (ص:19).
قال الحاكم: هذا الحديث وأشباهُه، مسندةٌ عن آخرها، وليست بموقوفة، فإنَّ الصَّحابيَّ الَّذي شَهِدَ الوحي والتَّنْزيلَ، فأخبر عن آيةٍ من القرآنِ: إنها نزلت في كذا وكذا، فإنَّه حديثٌ مسندٌ» (1).
ومن أمثلتها من صحيح البخاري (ت:256):
1 -
حدثنا أبو نعيم حدثنا سفيان عن ابن المنكدر سمعت جابرًا قال: «كانت اليهود تقول: إذا جامعها من ورائها جاء الولد أحول، فنزلت: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَاتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} [البقرة: 223]» (2).
2 -
حدثنا إبراهيم بن موسى أخبرنا هشام عن ابن جريج قال: أخبرني هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: «أن رجلاً كانت له يتيمة، فنكحها، وكان لها عِذْقٌ، وكان يمسكها عليه، ولم يكن لها من نفسه شيء، فنَزلت فيه: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَاّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى} [النساء: 3]، أحسبه قال: كانت شريكته في ذلك العِذْقِ وفي ماله» (3).
ومن أمثلتها في صحيح مسلم:
1 -
باب في قوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ} [الإسراء: 57].
قال مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبد الله بن إدريس،
(1) معرفة علوم الحديث، للحاكم (ص:20)، وقد نقلته بنصِّه لإبرازِ مذهبِه، إذ قد فَهِمَ بعض الأئمة الأعلامِ أنه يعدُّ تفسير الصَّحابةِ في حكم المرفوع، وسبب ذلك اللَّبس أنه لم يفصِّل كهذا التَّفصيل في المواطن التي ذكرها في المستدرك (1:542)، (2:258)، وممن نَسَبَ له ذلك ابنُ القيِّم، قال في كتابه التبيان في أقسام القرآن (ص:142 ـ 143): «
…
وهذا عند طائفة من أهل الحديث في حكم المرفوع. وقال الحاكم: تفسيرُ الصحابةِ عندنا في حكم المرفوع».
(2)
رواه البخاري في تفسير سورة البقرة من كتاب التفسير، رقم الحديث:(4254).
(3)
رواه البخاري في تفسير سورة النساء من كتاب التفسير، رقم الحديث:(4297).