الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فيما ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه واجب القبول، أو فيما ينقل عن الصحابة.
وأما ما ينقل من الإسرائيليات ونحوها؛ فهم لا يكترثون بضبطها ولا بأحوال نقلها؛ لأن أصلها غير معلوم، وغايتها أن تكون عن واحد من علماء أهل الكتاب أو من أخذ عن أهل الكتاب؛ لما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«إذا حدثكم أهل الكتاب؛ فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، فإما أن يحدثوكم بباطل فتصدقوه، وإما أن يحدثوكم بحق فتكذبوه» .
فإذا كنا قد نهينا عن تصديق هذا الخبر وأمثاله مما يؤخذ عن أهل الكتاب لم يجز لنا أن نصدقه، إلا أن يكون مما يجب علينا تصديقه، مثل ما أخبرنا به نبينا عن الأنبياء وأممهم، فإن ذلك يجب تصديقه مع احتراز في نقله، فهذا هذا
…
» (1).
مسألة في خبر عبد الله بن عمرو والزاملتين:
قال شيخ الإسلام: «
…
رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: «بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ومن كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار» رواه البخاري عن عبد الله بن عمرو ولهذا كان عبد الله بن عمرو قد أصاب يوم اليرموك زاملتين من كتب أهل الكتاب، فكان يحدث منهما بما فهمه من هذا الحديث من الإذن في ذلك».
يثير موضوع الزاملتين عددًا من الأسئلة، من أهمها:
1 -
ما صحة خبر هاتين الزاملتين؟
الذي يبدو أن خبر الزاملتين له أصل صحيح، وإن كان خبرُ الزاملتين عزيزًا جدًّا، لا تكاد تجده في كتب الآثار، ومن الآثار التي ورد فيها خبر هاتين الزاملتين ما رواه الإمام أحمد:
(1) تلخيص كتاب الاستغاثة، المعروف بالرد على البكري، لابن تيمية، تحقيق: أبي عبد الرحمن محمد بن علي عجال، نشر مكتبة الغرباء الأثرية.
قال الإمام أحمد: ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن الحكم، سمعت سيفًا يحدث عن رشيد الهجري، عن أبيه أن رجلاً قال لعبد الله بن عمرو: حدثني ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعني وما وجدت في وسقك يوم اليرموك.
قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» (1).
فإن صحَّ هذا الخبر، فإنه يدلُّ على أنَّ بعض الذين يروون عن عبد الله بن عمرو بن العاص (ت:65) يتحرَّزون من الرواية عن هاتين الزاملتين.
2 -
هل ثبت أن عبد الله كان من الصحابة الذين رجعوا إلى مرويات بني إسرائيل؟ وهل يوجد فيما بين أيدينا روايات إسرائيلية مروية من طريق عبد الله بن عمرو بن العاص؟
إن الذي بين يدينا من الروايات الإسرائيلية لا ترجع إلى عبد الله بن عمرو، بل الرواية عنه في هذا الباب نادرة جدًّا، فهل يصلح أن يقال: إنه يروي من تلك الزاملتين؟ فأين رواياته (2)؟
(1) مسند الأمام أحمد (2:194).
(2)
إنني أتعجَّب من سلوك الدكتور محمد محمد أبو شهبة رحمه الله في كتابه (الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير) الذي كان فيه ذا غَيرَة وحماية لجناب كلام ربِّ العالمين، لكن بالأسلوب العاطفي الخطابي لا العلمي المتوازن، وقد قال في حقِّ عبد الله بن عمرو بن العاص قولة من لم يطَّلع على الآثار، قال: «وقد روى عبد الله بن عمرو بن العاص تفاسير كثيرة فيما يتعلق بالقصص وأخبار الفتحة (كذا) والآخرة وما أشبهها، بأن تكون مما تحمله عن أهل الكتاب الذين أسلموا، وما وجده من كتبهم التي أصاب منها في اليرموك زاملتين، وقد نقد العلماء كل ذلك، وبيَّنوا الصحيح من العليل والمقبول من المردود
…
».
الإسرائيليات والموضوعات في التفسير (ص:159). فأين ما يقوله الدكتور رحمه الله في حقِّ عبد الله بن عمرو، وأين بيان العلماء الذين أحال عليهم؟!
بيد أن ابن كثير (ت:774) توقَّف في بعض الآثار (1)، وحملها على الزاملتين، وأنا أسوقها ليتبَّين أثر خبرهما على عَلَمٍ من أعلامِ نُقَّادِ الأحاديث والآثار:
1 -
قال ابن كثير (ت:774) في تفسير قوله تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ} [آل عمران: 96]: «
…
فأما الحديث الذي رواه البيهقي في بناء الكعبة في كتابه دلائل النبوة من طريق ابن لهيعة عن يزيد أبي حبيب عن أبي الخير عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا: «بعث الله جبريل إلى آدم وحواء فأمرهما ببناء الكعبة، فبناه آدم، ثم أمر بالطواف به، وقيل له: أنت أول الناس، وهذا أول بيت وضع للناس» = فإنه كما ترى من مفردات ابن لهيعة، وهو ضعيف، والأشبه ـ والله أعلم ـ أن يكون هذا موقوفًا على عبد الله بن عمرو، ويكون من الزاملتين اللتين أصابهما يوم اليرموك من كلام أهل الكتاب».
وعندي في نسب هذا الخبر إلى مرويات بني إسرائيل نظر، فإن من خَبَرَ كتبهم لا يجد فيها ذكرًا للكعبة، وهو مما حرفوه، وحذفوه من كتبهم، كما حذفوا كل فضيلة لإسماعيل، وللعرب من أهل الجزيرة العربية.
والحقُّ أن أمر الزاملتين يلفُّه غموضٌ لا يكفي فيه أنَّ من شكَّ في مروية جاءت عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن ينسبها لهاتين الزاملتين.
2 -
وقال في تفسير قوله تعالى: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَاّ أَنْ تَاتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَاتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَاتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَاتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ} [الأنعام:
(1) لم أجد من نقد آثارًا عن عبد الله بن عمرو، ونسبها إلى الزاملتين سوى ابن كثير، في تفسيره وتاريخه (1:19)، (2:107، 299، 326)، (6:61)، (8:340)، وهذا غريب يحتاج إلى بحث واستقصاء لتتبُّع ما قاله النقاد في مرويات عبد الله بن عمرو بن العاص.
158 -
]: «
…
قال الطبراني: حدثنا أحمد بن يحيى بن خالد بن حيان الرقي، حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن زبريق الحمصي، حدثنا عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار، حدثنا ابن لهيعة، عن حيي بن عبد الله، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا طلعت الشمس من مغربها خر إبليس ساجدًا ينادي ويجهر: إلهي، مُرْنِي أن أسجد لمن شئت. قال: فيجتمع إليه زبانيته، فيقولون كلهم: ما هذا التضرع؟! فيقول: إنما سألت ربي أن ينظرني إلى الوقت المعلوم، وهذا الوقت المعلوم. قال: ثم تخرج دابة الأرض من صدع في الصفا، قال: فأول خطوة تضعها بأنطاكيا، فتأتي إبليس فتخطمه» . هذا حديث غريب جدًا، وسنده ضعيف، ولعله من الزاملتين اللتين أصابهما عبد الله بن عمرو يوم اليرموك فأما رفعه فمنكر والله أعلم».
أقول: كان يكفي في نكارته ضعف إسناده، وأمر الزاملتين ما دام غير معلومٍ فلا حاجة إلى تحميل ابن عمرو، أمرهما بهذه الصورة، والله أعلم.
3 -
وقال في تفسير قوله تعالى: {فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ} [الأعراف: 78]: «
…
وقد روي متصلاً من وجه آخر كما قال محمد بن إسحاق، عن إسماعيل بن أمية، عن بجير بن أبي بجير، قال: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول حين خرجنا معه إلى الطائف فمررنا بقبر ـ، فقال: هذا قبر أبي رغال، وهو أبو ثقيف، وكان من ثمود، وكان بهذا الحرم، فدفع عنه، فلما خرج أصابته النقمة التي أصابت قومه بهذا المكان، فدفن فيه، وآية ذلك أنه دُفِنَ معه غصن من ذهب إن أنتم نبشتم عنه أصبتموه، فابتدره الناس، فاستخرجوا منه الغصن، وهكذا رواه أبو داود، عن يحيى بن معين، عن وهب بن جرير بن حازم، عن أبيه، عن ابن إسحاق به.
قال شيخنا أبو الحجاج المزي: وهو حديث حسن عزيز.
قلت: تفرد بوصله بجير بن أبي بجير هذا شيخ لا يعرف إلا بهذا الحديث.
قال يحيى بن معين: ولم أسمع أحدًا روى عنه غير إسماعيل بن أمية.
قلت: وعلى هذا، فيخشى أن يكون وهم في رفع هذا الحديث، وإنما يكون من كلام عبد الله بن عمرو مما أخذه من الزاملتين. قال شيخنا أبو الحجاج ـ بعد أن عرضت عليه ذلك ـ: وهذا محتمل والله أعلم».
وفي هذا نظر أيضًا، فأبو رغال عربي، وليس في كتب بني إسرائيل أخبار العرب الذين في جزيرة العرب، وهذا ـ كما قلت لك ـ ظاهر من كتبهم التي بين يدينا اليوم، وكذا من المرويات المنسوبة لهم، ولست أدري، لماذا يُحمِّل ابن كثير (ت:774) ابن عمرو أمر هاتين الزاملتين في مثل هذا الخبر العربي؟!
4 -
وقال في تفسير قوله تعالى: {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلاً} [الفرقان: 25]: «قال ابن جرير: حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا المعتمر بن سليمان عن عبد الجليل، عن أبي حازم، عن عبد الله بن عمرو قال: «يهبط الله عز وجل حين يهبط، وبينه وبين خلقه سبعون ألف حجاب؛ منها النور والظلمة، فيضرب الماء في تلك الظلمة صوتًا تنخلع له القلوب» . وهذا موقوف على عبد الله بن عمرو من كلامه، ولعله من الزاملتين، والله أعلم».
ولا أدري لم يُنسب هذا الخبر إلى الزاملتين، وليس فيه ما هو غريب، فكم من أمور الآخرة التي صحَّت، وهي غريبة، فما المانع من أن يكون مما تلقاه عن النبي صلى الله عليه وسلم؟!
3 -
وإذا كان أصاب زاملتين من كتب أهل الكتاب، فإنه يلزم أحد أمرين: