الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أولاً: أن يكون السائل يريد طلب الاهتداء بما عندهم، أو معرفة شرع الله، أو معرفة بعض العقائد دون غيرها من الأخبار؛ لأن هذه الأمور لا يجوز أن تؤخذ عن غير المعصوم في خبره.
أما الأخبار الأخرى فإنها مما لا يلزم تصديقه ولا تكذيبه، ولا يُبنى عليها علم، وليس فيها هدى، قال ابن كثير (ت:747): «ثم ليعلم أن أكثر ما يتحدثون به غالبه كذب وبهتان؛ لأنه قد دخله تحريف وتبديل وتغيير وتأويل، وما أقلَّ الصدق فيه، ثم ما أقلَّ فائدة كثير منه لو كان صحيحًا.
قال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا أبو عاصم، أخبرنا سفيان، عن سليمان بن عامر، عن عمارة بن عمير، عن حريث بن ظهير، عن عبد الله هو ابن مسعود قال: لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء، فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا؛ إما أن تكذبوا بحق، أو تصدقوا بباطل، فإنه ليس أحد من أهل الكتاب إلا وفي قلبه تالية تدعوه إلى دينه كتالية المال» (1).
ثانيًا: أن يكون رأيًا متأخرًا له.
ثالثًا: أنه رأى كثرة الرجوع إليهم، فأراد أن يسد هذا الباب.
مسألة في ضابط العقل في ردِّ الإسرائيليات:
يلاحظ هنا أنَّ ضابط العقل أو الغرابة ليس مما يُتفقُ عليه.
ففي تفسير قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا} [الأحزاب: 69]، ورد الخبر الآتي:
إن موسى كان رجلاً حَيِيًّا سِتِّيرًا، لا يُرَى من جلده شيء استحياء منه، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل، فقالوا: ما يستَتِر هذا التستر إلا من عيب بجلده: إما برصٌ، وإما أُدْرَةٌ، وإما آفةٌ.
(1) تفسير ابن كثير، تحقيق: البنا (6:2700 ـ 2701)، والمراد بالتالية: البقيَّة.
وإن الله أراد أن يُبَرِّئه مما قالوا لموسى، فَخَلا يومًا وحده، فوضع ثيابه على الحجر، ثم اغتسل، فلما فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها، وإنَّ الحجر عَدَا بثوبه، فأخذ موسى عصاه، وطلب الحجر، فجعل يقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر، حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل، فرأوه عُرْيانًا أحسن ما خلق الله، وأبرأه مما يقولون.
وقام الحجر، فأخذ ثوبه، فلبسه، وطَفِقَ بالحجر ضربًا بعصاه، فوالله إن بالحجر لندبًا من أثر ضربه ثلاثًا أو أربعًا أو خمسًا، فذلك قوله:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا} [الأحزاب: 69](1).
فهذا الخبر لا تخفى غرابته، وقد لا تُصدِّقه بعض العقول، لكن إذا علِمت أنه خبر صحيح مرويٌّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، رواه البخاري (ت:256) وغيره = سلَّمت لذلك الخبر، وأدركت أنه خبر حقيقي واقع، مع ما فيه من الغرابة.
وليس يعني هذا أن يُقبل كل خبرٍ مع ما فيه من الغرابة، لكن المراد أنَّ الغرابة ليست ضابطًا كافيًا في ردِّ مثل هذه الأخبار.
ومن الأمور التي يحسن التنبه لها أنَّ رواية السلف للإسرائيلية ـ خصوصًا الصحابة ـ لا يعني قبول ما فيها من التفاصيل، ومرادهم بها بيان مجمل ما ورد في القرآن بمجمل ما ذُكِرَ في القصة، دون أن يلزم ذكرهم لها إيمانهم بهذه التفاصيل التي تحتاج في نقلها إلى سند صحيح، وذلك عزيز جدًّا فيما يرويه بنو إسرائيل في كتبهم.
وقد ورد في بعض آثار الصحابة ما يدل على أنهم يميزون كذبها ويعرفونه، ولا يصدقون كل ما يُروى لهم من الإسرائيليات، وإن كان الذي
(1) رواه البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، رقم الحديث:(3404).