الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وأما المتواطئ الذي من قبيل مفسر الضمير، ففي احتمال مشابهتهِ اللفظَ العامَّ إشكالٌ؛ لأن الضمير ـ في كثير من الأحيان ـ يراد به ذاتٌ واحدة لا غير، ففي قوله:{فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَاّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا} [مريم: 24] المنادي إما جبريل، وإما عيسى، ولا يُتصوَّر جواز إرادتهما معًا حتى يقال بمشابهته للعموم.
تنبيه:
يلاحظ أنَّ الاختلاف العائد إلى المشترك اللغوي، وإلى المتواطئ الذي هو من قبيل الأوصاف فيه شبه بالنوع الأول الذي يعود إلى تنوع الأسماء والصفات، فالتغاير بين الأقوال هو الجامع بينهما، واحتمال عودهما إلى ذات واحدة حاصل بطريق التأويل، وإليك المثال الموضح لذلك:
في تفسير الصراط المستقيم بالإسلام أو القرآن هناك تغاير في الأوصاف بين الإسلام والقرآن، واتفاق في عودها إلى مراد واحد وهو الصراط المستقيم.
وكذا في النازعات، ففي تفسيره بالملائكة أو النجوم تغاير، وهما يعودان إلى معنى واحد وهو النَّزعُ، فإذا ذهبت إلى هذا التأويل ظهر لك أنَّ هذا الاختلاف الذي يعود إلى ما يكون اللفظ فيه محتملاً للأمرين من باب التفصيل في النوعين الأولين.
النوع الثاني من الاختلاف الموجود عنهم ويجعله بعض الناس اختلافًا: أن يُعبِّروا عن المعنى بألفاظ متقاربة:
ومن الأمثلة التي ذكرها تفسير لفظ «تبسل» من قوله تعالى: {وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ} [الأنعام: 70].
وقد أورد فيها معنيين: تحبس، وترتهن.
وهذان اللفظان متقاربان في المعنى، وإن كان لكل واحدٍ منهما معناه الخاصُّ به، وتفسير لفظ تبسل بهما من باب تقريب المعنى فحسب.
قال ابن عطية (ت:542): «ومعناه: تُسْلَم، قاله الحسن وعكرمة، وقال قتادة: تُحبس وتُرتهن، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: تُفضح، وقال الكلبي وابن زيد: تجزى.
وهذه كلها متقاربة المعنى
…
» (1).
ومن أمثلة التعبير عن المعنى بألفاظ متقاربة ما يأتي:
1 -
ورد في تفسير لفظ اتسق من قوله تعالى: {وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ} [الانشقاق: 18] عدة أقوال:
الأول: إذا استوى، ورد ذلك عن ابن عباسٍ (ت:68) (2)، وسعيد بن جبير (ت:94)، ومجاهد (ت:104)، وعكرمة (ت:105)، والضحاك (ت:105)، وقتادة (ت:117).
الثاني: إذا اجتمع وامتلأ، عن الحسن (ت:110).
الثالث: لثلاث عشرة ـ أي: صار مستديرًا ـ عن سعيد بن جبير (ت:94)، ومجاهد (ت:104).
الرابع: إذا استدار، عن قتادة (ت:117).
وهذه الأقوال متقاربة المعنى، فاستوى واجتمع واستدار وامتلأ كلها تعبير عن صيرورة القمر بدرًا، وهي التي تبدأ بليلة الثالث عشر كما ذكر مجاهد في تفسيره.
(1) المحرر الوجيز، ط: قطر (5:238).
(2)
من طريق علي بن أبي طلحة والعوفي، وزاد العوفي عبارة «اجتمع» .
ولعلك تلاحظ ورود أكثر من عبارة عن المفسر الواحد، وما ذاك إلا لأنه ليس هناك اختلافٌ حقيقيٌ، وإنما هو اختلاف عبارة.
2 -
ورد في تفسير قوله تعالى: {فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونَ} [الذاريات: 59] قولان متقاربان:
الأول: الذَّنوب، الدَّلو، وقد ورد عن ابن عباس (ت:68)، والحسن البصري (ت:110).
الثاني: الذَّنوب: السَّجْلُ، وقد ورد عن سعيد بن جبير (ت:94)، ومجاهد (ت:104)، وقتادة (ت:117).
هذا وستأتي إشارة شيخ الإسلام إلى التعبير عن التفسير عند السلف عند حديثه عن الطريق الرابع من طرق التفسير، وهو التفسير بأقوال التابعين وسأذكر هناك طرفًا من تخريجه لعباراتهم.
3 -
قوله تعالى: {ثُمَّ يَاتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَاكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَاّ قَلِيلاً مِمَّا تُحْصِنُونَ} [يوسف: 48].
قال الطبري: «{إِلَاّ قَلِيلاً مِمَّا تُحْصِنُونَ} ، يقول: إلا يسيرًا مما تحرزونه.
والإحصان: التَّصْيِير في الحِصْنِ، وإنما المراد منه الإحراز»، ثم أورد الرواية عن السلف كالآتي:
ـ قتادة (ت:117): ما تدخرون.
ـ ابن عباس (ت:68): تخزنون، وفي رواية أخرى: تُحرزون.
ـ السدي (ت:128): ترفعون.
ثمَّ قال ـ معقِّبًا ـ: «وهذه الأقوال في قوله: {تُحْصِنُونَ}، وإن اختلفت ألفاظ قائليها فيه، فإن معانيها متقاربة، وأصل الكلمة وتأويلها على ما بيَّنتُ» (1).
(1) تفسير الطبري، ط: الحلبي (12:231)، وينظر في هذه الطبعة (4:54، 56)، (6:64)، (10:28)، (12:24)، (13:50، 61).