الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الملحق السابع
أمثلة تفسيرية مما لا ينقضي منها عجب العالم:
قال شيخ الإسلام ـ كما في الفتاوى (13:235 ـ 239) ـ: «فصل: وأما إذا أريد بالعلم الباطن العلم الذي يبطن عن أكثر الناس، أو عن بعضهم، فهذا على نوعين:
أحدهما: باطن يخالف العلم الظاهر. والثاني: لا يخالفه.
فأما الأول فباطل: فمن ادعى علمًا باطنًا أو علمًا بباطن وذلك يخالف العلم الظاهر كان مخطئًا، إما ملحدًا زنديقًا وإما جاهلاً ضالاً.
وأما الثاني فهو بمنْزلة الكلام في العلم الظاهر قد يكون حقًا، وقد يكون باطلاً فإن الباطن إذا لم يخالف الظاهر لم يعلم بطلانه من جهة مخالفته للظاهر المعلوم، فإن عُلِمَ أنه حقٌّ قُبِلَ، وإن عُلِمَ أنه باطل رُدَّ وإلا أمسك عنه، وأما الباطن المخالف للظاهر المعلوم فمثل ما يدعيه الباطنية القرامطة من الإسماعيلية والنصيرية وأمثالهم، ممن وافقهم من الفلاسفة وغلاة المتصوفة والمتكلمين.
وشرُّ هؤلاء القرامطة، فإنهم يدَّعون أن للقرآن والإسلام باطنًا يخالف الظاهر؛ فيقولون:«الصلاة» المأمور بها ليست هذه الصلاة، أو هذه الصلاة إنما يؤمر بها العامة، وأما الخاصة فالصلاة في حقهم معرفة أسرارنا، و «الصيام» كتمان أسرارنا، و «الحج» السفر إلى زيارة شيوخنا المقدَّسين، ويقولون: إن «الجنة» للخاصة: هي التمتع في الدنيا باللذات، و «النار» هي التزام الشرائع والدخول تحت أثقالها.
ويقولون: إن «الدابة» التي يخرجها الله للناس هي العالم الناطق بالعلم
في كل وقت، وإن «إسرافيل» الذي ينفخ في الصور هو العالِم الذي ينفخ بعلمه في القلوب حتى تحيا، و «جبريل» هو العقل الفعال الذي تفيض عنه الموجودات، و «القلم» هو العقل الأول الذي تزعم الفلاسفة أنه المبدع الأول، وأن الكواكب والقمر والشمس التي رآها إبراهيم هي النفس والعقل وواجب الوجود، وأن الأنهار الأربعة التي رآها النبي صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج هي العناصر الأربعة، وأن الأنبياء التي رآها في السماء هي الكواكب. فآدم هو القمر، ويوسف هو الزهرة، وإدريس هو الشمس، وأمثال هذه الأمور.
وقد دخل في كثير من أقوال هؤلاء كثير من المتكلمين والمتصوفين؛ لكن أولئك القرامطة ظاهرهم الرفض وباطنهم الكفر المحض، وعامة الصوفية والمتكلمين ليسوا رافضة يفسقون الصحابة ولا يكفرونهم؛ لكن فيهم من هو كالزيدية الذين يفضلون عليًا على أبي بكر، وفيهم من يفضل عليًا في العلم الباطن كطريقة الحربي وأمثاله، ويدَّعون أن عليًا كان أعلم بالباطن، وأن هذا العلم أفضل من جهته، وأبو بكر كان أعلم بالظاهر. وهؤلاء عكس محققي الصوفية وأئمتهم، فإنهم متفقون على أن أعلم الخلق بالعلم الباطن هو أبو بكر الصديق، وقد اتفق أهل السنة والجماعة على أن أبا بكر أعلم الأمة بالباطن والظاهر، وحكى الإجماع على ذلك غير واحد.
وهؤلاء الباطنية قد يفسرون: {وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ} [يس: 12] أنه علي، ويفسرون قوله تعالى:{تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} [المسد: 1] بأنهما أبو بكر وعمر، وقوله:{فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ} [التوبة: 12] أنهم طلحة والزبير، والشجرة الملعونة في القرآن بأنها بنو أمية.
وأما باطنية الصوفية فيقولون في قوله تعالى: {اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ} [طه: 24، النازعات: 17] إنه القلب، و {إِنَّ اللَّهَ يَامُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} [البقرة: 67] إنها النفس، ويقول أولئك: هي عائشة، ويفسرون هم والفلاسفة تكليم موسى بما يفيض عليه من العقل الفعال أو غيره، ويجعلون (خلع النعلين) ترك الدنيا
والآخرة، ويفسرون (الشجرة) التي كلم منها موسى و (الوادي المقدس) ونحو ذلك بأحوال تعرض للقلب عند حصول المعارف له، وممن سلك ذلك صاحب «مشكاة الأنوار» وأمثاله، وهي مما أعظم المسلمون إنكاره عليه، وقالوا: أمرضه «الشفاء» ، وقالوا: دخل في بطون الفلاسفة، ثم أراد أن يخرج فما قدر، ومن الناس من يطعن في هذه الكتب، ويقول: إنها مكذوبة عليه، وآخرون يقولون: بل رجع عنها، وهذا أقرب الأقوال؛ فإنه قد صرح بكفر الفلاسفة في مسائل، وتضليلهم في مسائل أكثر منها، وصرح بأن طريقتهم لا توصل إلى المطلوب.
وباطنية الفلاسفة يفسرون الملائكة والشياطين بقوى النفس، وما وعد الناس به في الآخرة بأمثال مضروبة لتفهيم ما يقوم بالنفس بعد الموت من اللذة والألم، لا بإثبات حقائق منفصلة يتنعم بها ويتألم بها، وقد وقع في هذا الباب في كلام كثير من متأخري الصوفية، ما لم يوجد مثله من أئمتهم ومتقدميهم، كما في كلام كثير من متأخري أهل الكلام والنظر من ذلك ما لا يوجد عن أئمتهم ومتقدميهم.
وهؤلاء المتأخرون ـ مع ضلالهم وجهلهم ـ يدَّعون أنهم أعلم وأعرف من سلف الأمة ومتقدميها، حتى آل الأمر بهم إلى أن جعلوا الوجود واحدًا، كما فعل ابن عربي صاحب الفصوص وأمثاله فإنهم دخلوا من هذا الباب حتى خرجوا من كل عقل ودين، وهم يدعون مع ذلك أن الشيوخ المتقدمين: كالجنيد بن محمد، وسهل بن عبد الله التستري، وإبراهيم الخواص، وغيرهم ماتوا وما عرفوا التوحيد، وينكرون على الجنيد وأمثاله إذا ميزوا بين الرب والعبد كقوله:«التوحيد» إفراد الحدوث عن القدم، ولعمري إن توحيدهم الذي جعلوا فيه وجود المخلوق وجود الخالق هو من أعظم الإلحاد الذي أنكره المشايخ المهتدون، وهم عرفوا أنه باطل فأنكروه وحذروا الناس منه، وأمروهم بالتمييز بين الرب والعبد، والخالق والمخلوق،
والقديم والمحدث، وأن التوحيد أن يعلم مباينة الرب لمخلوقاته وامتيازه عنها، وأنه ليس في مخلوقاته شيء من ذاته ولا في ذاته شيء من مخلوقاته.
ثم إنهم يدعون أنهم أعلم بالله من المرسلين، وأن الرسل إنما تستفيد معرفة الله من مشكاتهم، ويفسرون القرآن بما يوافق باطنهم الباطل، كقوله:{مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ} [نوح: 25]، فهي التي خطت بهم فغرقوا في بحار العلم بالله، وقولهم: إن العذاب مشتق من العذوبة
…
».