الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
على أربعة وجوه: وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله تعالى ذكره» (1).
وإذا علمت أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يبتدئ أصحابه بالتعليم في أحيان كثيرة = ظهر لك أنَّ المدارسة التي بينهم في العلم قد تكون مع الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد تكون فيما بينهم، فإذا أشكل عليهم شيء من العلم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن كان كثير من العلم يبتدئهم به الرسول صلى الله عليه وسلم دون سؤال منهم.
وإنَّ النتيجة التي يمكن أن تخلص إليها من جملة هذه الآثار: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم بيّن لهم من المعاني ما احتاجوا إليه، بدلالة قوله صلى الله عليه وسلم:«تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك؛ كتاب الله وسنتي» (2).
وكان من أعظم ما يدخل في البيان أصول الدين والشرائع والمعاملات، وأنَّ الخلاف الوارد في التفسيرِ كان في أمورٍ قابلة للاجتهاد، والأمر فيها واسع، وهي ترجع إلى احتمال الآية للمعنى المذكور من عدمه.
ثانيًا: اهتمام الصحابة بتعلُّم معاني القرآن
(3):
طرح شيخ الإسلام في هذه المسألة دليل النقل ودليل العقل:
أما دليل النقل، فما رواه أبو عبد الرحمن السُّلمي، قال: «حدثنا الذين
(1) تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (1:75).
(2)
مسند الإمام أحمد (1:126)، وقد أخرجه غيره.
(3)
هذه المسألة من القضايا العلمية التي تحتاج إلى بحث ليُتعرَّف منه على طريقة السلف في تعلُّم القرآن وتعليمه حروفًا ومعاني، ثم معرفة طريقتهم في العمل به.
كانوا يقرئوننا: عثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما، أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل»، وأثر ابن عمر في تعلُّمه سورة البقرة في ثمان سنين.
ويمكن أن يضاف إلى دليل النقل ما ورد عن ابن عمر، وهو قوله:«لقد عشنا برهة من دهرنا، وإن أحدنا ليؤتى الإيمان قبل القرآن وتنْزل السورة على محمد، فنتعلم حلالها وحرامها، وما ينبغي أن يوقف عنده منها؛ كما تتعلمون أنتم القرآن اليوم، ولقد رأينا اليوم رجالاً يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان، فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته ما يدري ما آمره ولا زاجره، ولا ما ينبغي أن يوقف عنده منه» (1).
وكذا ما ورد عنهم من الأسئلة التفسيرية التي يستوضحون فيها عن ما يشكل عليهم في معنى آية من الآيات، ومن ذلك ما ورد عن مسروق قال: إنا سألنا عبد الله عن هذه الآية {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} فقال: أما إنا قد سألنا عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى تلك القناديل
…
» (2).
ومنها ما ورد عن مسروق قال: قال عبد الله ـ يعني: ابن مسعود ـ: «والذي لا إله غيره ما نزلت آية من كتاب الله؛ إلا وأنا أعلم فيمن نزلت، وأين نزلت، ولو أعلم مكان أحد أعلم بكتاب الله مني تناله المطايا لأتيته» .
(1) رواه مسلم برقم 1887 (3:1502).
(2)
أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى (2:342)، والطبري، تحقيق: شاكر (1:80)، وهو في الصحيحين وغيرهما بلفظ (تبلغه الإبل). صحيح البخاري، باب القراء من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم رقم الحديث 4716، وصحيح مسلم رقم الحديث 2436 (4:1913).
وما ورد عن الأعمش أيضًا، عن أبي وائل، عن ابن مسعود قال:«كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن» (1).
وما ورد عن أبي الطفيل قال: «شهدت عليًّا يخطب، وهو يقول: سلوني، فوالله لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم.
وسلوني عن كتاب الله، فوالله ما من آية إلا وأنا أعلم أبليل نزلت، أم بنهار، أم في سهل، أم في جبل» (2).
ومنها ما رواه الطبري (ت:310)، قال: «حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ} إلى قوله: {وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ} [البقرة: 206، 207]؛ قال: كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا صلى السُّبحة وفرغ دخل مربدًا له، فأرسل إلى فتيان قد قرءوا القرآن؛ منهم ابن عباس وابن أخي عيينة.
قال: فيأتون فيقرءون القرآن ويتدارسونه، فإذا كانت القائلة انصرف.
قال: فمروا بهذه الآية: {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ} {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ} [البقرة: 206، 207]، قال ابن زيد: وهؤلاء المجاهدون في سبيل الله.
فقال ابن عباس لبعض من كان إلى جنبه: اقتتل الرجلان.
فسمع عمر ما قال، فقال: وأي شيء قلت؟
قال: لا شيء، يا أمير المؤمنين.
قال: ماذا قلت؟ اقتتل الرجلان!
(1) تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (1:80).
(2)
أخرجه عبد الرزاق في تفسير سورة الذاريات، تحقيق: قلعجي (2:195)، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (6:191).
قال: فلما رأى ذلك ابن عباس، قال: أرى ههنا من إذا أمر بتقوى الله أخذته العزة بالإثم، وأرى من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله، يقوم هذا فيأمر هذا بتقوى الله، فإذا لم يقبل، وأخذته العزة بالإثم، قال هذا: وأنا أشتري نفسي، فقاتله، فاقتتل الرجلان.
فقال عمر: لله بلادك يابن عباس» (1).
وهذه الآثار وغيرها تدلُّ على حرص الصحابة على تعلُّمِ كتاب الله، ومعرفة معانيه، ومدارسته والعمل بما فيه.
وأما دليل العقل، فما جرت به العادة من حرص الطلاب على تعلُّم كتابٍ في العلم الذين يريدون أن يتعلموه، وقد قال في غير هذه المقدمة: «أن العادة المطردة التي جبل الله عليها بني آدم = توجب اعتناءهم بالقرآن المنَزَّل عليهم لفظًا ومعنًى، بل أن يكون اعتناؤهم بالمعنى أوكد. فإنه قد عُلِمَ أنه من قرأ كتابًا في الطبِّ أو الحساب أو النحو أو الفقه أو غير ذلك فإنه لا بد أن يكون راغبًا في فَهْمِهِ وتصوُّرِ معانيه، فكيف بمن قرؤوا كتاب الله تعالى؛ المَنزل إليهم؛ الذي به هداهم الله، وبه عرَّفهم الحق والباطل، والخير والشر، والهدى والضلال، والرشاد والغيَّ.
فمن المعلوم أن رغبتهم في فهمه وتصور معانيه أعظم الرغبات، بل إذا سَمِعَ المتعلم من العالم حديثًا، فإنه يَرْغَبُ في فَهْمِهِ، فكيف بمن يسمعون كلام الله من المبلغ عنه؟!
بل، ومن المعلوم أن رغبة الرسول صلى الله عليه وسلم في تعريفهم معاني القرآن أعظم من رغبته في تعريفهم حروفه، فإن معرفة الحروف بدون المعاني لا تُحَصِّلُ
(1) تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (4:245)، قال محمود شاكر:«في المطبوعة: «لله تلادك» بالتاء في أوله، ولا معنى له، والصواب ما أثبت. وفي الدر المنثور (1:241): «لله درك» ، والعرب تقول: لله در فلان، ولله بلاده».