الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الخطبة الثانية:
الحمد لله، يشهد بآلائه الإنس والجن، خيرُه للناس نازل وشرهم إليه صاعد، {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ} (1).
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ليس العطاء منه دليل الرضى، وليس المنعُ منه علامةَ سخطٍ وعذاب، يبلو بالسراء ليرى مدى الشكر، والضراء ليعلم- وهو أعلم- بالصابرين .. وهو العليم الحكيم.
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أصابته الضراء فصبر، وحين أفاء الله عليه من النعم شكر واستغفر، اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر النبيين والمرسلين.
أيها المسلمون أما معوقات الشكر فكثيرةٌ، ومنها:
الجهل والكبْرُ، والغفلة، فالجاهلُ لا يعرفُ نعمَ الله عليه، وأنَّى له أن يشكر ما لا يعرف، والكبْر داءٌ يتعالى به الفرد وينسى فضل المنعم، ويخيل إليه أن ما حوله من نعم بحوله وقوته، كما قال قارون:{إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي} .
والغفلة آفة تُنسي النعم، ويظل صاحبها يرمق نعمة الله على الآخرين، غافلًا عما أنعم اللهُ به عليه، وإذا لم يتنبه الغافل في العلم، فسبيله للشكر أن يشهد المرضى تارةً، ويشهد أصحاب الحدود تارة أخرى، ليستيقن فضلَ الله بالعفو والعافية فيشكر اللهَ.
ويلحق بذلك عائقُ الشحِّ والطمع والحسد، فمن ابتلي بذلك قل شكرهُ وكثرت شكواه، وأصبح كالعطشان يرد البحر فلا هو ارتوى منه، ولا البحر سقا
(1) سورة فاطر، آية:55.
ظمأه، وفي التنزيل {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (1).
واختر لنفسك ما تشاء من مراتب الإجابة، فكلُّ عبدٍ سئل عن حال فهو بين أن يشكر، أو يشكو، أو يسكت.
يا أخا الإيمان! لا يغب عن بالك أن الشيطان بوسوسته وإغوائه معوق عن الشكر، كيف لا وقد أخذ العهد على نفسه بذلك.
وهاك نموذجًا لإعاقة الشيطانِ للإنسان عن الشكر، قال بكرُ بن عبد الله المزني:«ينزل بالعبد الأمرُ فيدعو الله فيصرفُ عنه، فيأتيه الشيطان فيضعفُ شكره، يقول: إن الأمر كان أيسرَ مما أذهب إليه قال: أو لا يقول العبد كان الأمر أشدَّ مما أذهب إليه ولكن الله صرفه عني» (3).
يا أخا الإيمان!
ومن المعوقات عن الشكر احتقارك نعمةً وهبها الله لك، فتظل تنظر إلى ما أوتيت على أنه شيء قليل، وتنسى أن المعافاة من البلايا نعمة، وأن السلامة من الأمراض نعمة، وهكذا مما صرف الله عنك، فكيف إذا أضيف إليها ما وهبك الله من نعم، ولا تنس أن النعمَ قد تكون مادية وقد تكون معنوية.
يُحكى أن بعض القراء اشتد به الفقرُ، حتى ضاق به ذرعًا، فرأى في المنام كأن قائلًا يقول له: أتودُ أنا أنسيناك من القرآن سورة الأنعام وأن لك ألفتَ
(1) سورة الحشر، آية:9.
(2)
سورة الأعراف، الآيتان: 16، 17
(3)
ابن القيم: عدة الصابرين ص 204.
دينار؟ قال: لا، قال فسورة هود؟ قال: لا، قال فسورة يوسف؟ قال: لا، فعدد عليه سورًا، ثم قال: فمعك قيمة مائةِ ألف دينار، وأنت تشكو، فأصبح وقد سري عنه (1).
أجل لقد كان العارفون يشكرون الله على كلِّ نعمة وهبهم الله إياها.
وهذا الإمام المزني- تلميذ الشافعي- يرحمهما الله، كان مجابَ الدعوة، وذا زهد وتأله، أخذ عنه خلق من العلماء، وبه انتشر مذهب الإمام الشافعي في الآفاق، وألف مختصرًا في الفقه امتلأت البلادُ به، حتى قيل: كانت البكرُ يكون في جهازها نسخةٌ من مختصر المزني، هذا الإمامُ بلغ من شكره كما قال الذهبي: إنه كان إذا فرغ من تبييضِ مسألة، وأودعها مختصره صلى لله ركعتين (2).
أيها المسلمون! وإذا زادتكم سيرُ الشاكرين شكرًا، فإن نهاية الجاحدين للنعم تنهاكم وتخوفكم من الكفرِ بالنعم، وقصصُ القرآنِ للذكرى والعبر، لا لمجرد السلوةِ والنظر، وهاكم نموذجين لعدم الشكر وعاقبةِ الجحود في القرآن، يمثل الأول (سبأ) الذين كانوا في نعمةِ وغبطة، وعيش هنيء رغيد، بلادهم رخيَّة، وأماكنهم آمنة، وقراهم بالخيرات متواصلة، حتى أن مسافرهم لا يحتاج لحملِ زادٍ ولا ماء بل يجد ذلك أنَّى نزل، ويقيل في قرية ويبيت في أخرى، فلما أعرضوا ولم يشكروا أنزل الله بهم بأسه، وخرب ديارهم، وفرق جمعهم وجعلهم أحاديث للناس، حتى أن العربَ لتقول في القوم إذا تفرقوا (تفرقوا أيدي سبأ، وأيادي سبأ، وتفرقوا شهر مذر).
(1) الإحياء ص 2276.
(2)
سير أعلام النبلاء 12/ 493، 495.
أما النموذج الثاني فيمثله أصحاب القرية الذين قال الله فيهم: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} (2).
عباد الله! ليس من الشكر لله تضييع الواجبات كإقامة الصلوات وإيتاء الزكاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونحوها من شعائر الدين. وليس من الشكر فعلُ المحرمات كالزنا وتناول المسكرات والمخدرات، وتعاطي الربا وقطع ما أمر الله به أن يوصل ونحوها من المحرمات .. ليس من الشكر فشو العداوةِ والبغضاء والتنافر بين المسلمين، والمودة والموالاة للكافرين ..
لابد أن تلهجَ ألسنتنا بالذكر والشكر لله، ولابد أن تصح القلوب من الغل والحقد والحسد، ولابد أن تشهد جوارحنا على ذلك بعملِ الصالحات والبعدِ عن المحرمات.
تذكر يا عبد الله أن شكرك لنفسك وأن الله غني عنك {وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} (3).
وكن على يقين بزيادة النعم بعد الشكر، قال الفضيل بن عياض: من عرف
(1) سورة سبأ، الآيات: 15 - 17.
(2)
سورة النحل، آية:112.
(3)
سورة لقمان، آية:12.
نعمة الله بقلبه، وحدث بلسانه لم يستتم ذلك حتى يرى الزيادة لقول الله تعالى:{لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ} (1)(2).
اللهم ما أصبح بنا من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك فلك الحمد ولك الشكر.
اللهم زدنا ولا تنقصنا، اللهم أكرمنا ولا تهنا، اللهم أعطنا ولا تحرمنا. هذا وصلوا
…
(1) سورة إبراهيم، آية:7.
(2)
عدة الصابرين، 194.