الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين يستحق الحمد والثناء، اللهم لك الحمدُ بما خلقتنا ورزقتنا، وهديتنا وعلمتنا، وأنقذتنا وفرَّجت عنا، لك الحمد بالإسلام والقرآن، ولك الحمد بالأهل والمال والمعافاة، اللهم لك الحمد بكل نعمة أنعمت بها علينا في قديم أو حديث أو سرٍّ أو علانية أو خاصةٍ أو عامة، لك الحمد حتى ترضى ولك الحمد إذا رضيت.
وأشهد أن لا إله إلا الله في ربوبيته وإلاهيته وأسمائه وصفاته وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر النبيين.
أيها المؤمنون والشاكرون أطيب الناس قلبًا، وأهنأهم عيشًا، وأوصلهم لما أمر الله به أن يوصل الشاكرون يقنعون باليسير، ويستجلبون بالشكر المزيد، يعلم الشاكرون أنهم وإن حرموا شيئًا فقد أعطوا أشياء، وإن اشتكوا مرضًا في جانب من جسدهم فقد أصحَّ لهم جوانب كثيرة أخرى.
والشاكرون لا يشكون المصائب وينسون النعم، بل ينسون مصائبهم في مقابل ما وهبهم الله من نعم، ولسان حالهم يقول:
يا أيها الظالمُ في فعله
…
والظلم مردود على من ظلم
إلى متى أنت وحتى متى
…
تشكو المصيبات وتنسى النعم (1)
ويدرك الشاكرون أن الشكر سبيلٌ لرضى من يستحق الرضى والشكر، ثبت في صحيح مسلم عنه صلى الله عليه وسلم قال:«إن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده، ويشرب الشربة فيحمده عليها» (2).
(1) عدة الصابرين، 195.
(2)
(4/ 89).
وهو طريق للمزيد من النعم، كذا جاء الخبر مؤكدًا في كتاب الله {لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ} قال الحسن البصري: إن الله ليمتع بالنعمة ما شاء فإذا لم يُشكر عليها قلبها عذابًا».
ولهذا كانوا يُسمون الشكر بـ (الحافظ) لأنه يحفظ النعم الموجودة، و (الجالب) لأنه يجلب النعمَ المفقودة.
يا أخا الإيمان، الشكر وصية الرسول صلى الله عليه وسلم لمن أحب، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ:«والله إني أحبك فلا تنسَ أن تقول دبرَ كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك، وحسن عبادتكِ» (1).
والشكر سببٌ للثبات على الإيمان وعدم الانقلاب على الأعقاب حين تُزلزل الأقدام، وتأمل موقف الشاكرين حين ارتد من ارتد من العرب يوم توفي عليه الصلاة والسلام، قال تعالى:{وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} (2).
إخوة الإسلام إن منزلة الشكر عظيمة، ويكفي أن صاحبها يبلغ الصائم الصابر، قال عليه الصلاة والسلام:«الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر» (3).
ونقيض الشكر من الجحود وتناسي فضل المنعم يورد صاحبه موارد الهلكة، ولهذا السبب كانت النساء أكثر أهل النار، كما قال عليه الصلاة والسلام: «لو
(1) رواه أحمد والبخاري ومسلم وغيرهم.
(2)
سورة آل عمران، آية:144.
(3)
أخرجه الترمذي وأبق ماجه بسند صحيح (صحيح سنن الترمذي 2/ 304).
أحسنت إلى إحداهن الدهر، ثم رأت منك شيئًا قالت: ما رأيت منك خيرًا قط» (1).
فإذا كان هذا بترك شكر نعمة الزوج، وهي في الحقيقة من الله، فكيف بمن ترك شكر نعمة الله؟
يا ابن آدم كم لله عليك من نعمة تُدرك شيئًا وتغيب عنك أشياء، فبأي شيء تُراك قابلت هذه النعم؟
تنسَّك رجلٌ فقال: لا آكل الخبيص، لا أقوم بشكره فقال الحسن: هذا أحمق، وهل يقوم بشكر الماء البارد؟ (2).
وجاء رجلٌ إلى يونس بن عبيد يشكو ضيق حاله فقال له يونس: «أيسرك ببصرك هذه مائة ألف درهم؟ قال الرجل: لا، قال: فبيديك مائة ألف؟ قال: لا، قال فبرجليك مائة ألف؟ قال: لا .. قال: فذكَّره نعم الله عليه ثم قال له يونس؟ أرى عندك مئين الألوف، وأنت تشكو الحاجة؟ ! (3).
وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: من لم يعرف نعمة الله عليه إلا في مطعمه ومشربه فقد قلَّ علمُه وحضر عذابه».
عباد الله وما بالنا ونعم الله تترى علينا نضيق بنازلةٍ يسيره، ونغتاظ لمرض يسير ألمَّ بنا، ونكره لفوات محبوب من ملاذ الدنيا فات علينا - ولئن حُرمنا القليل فقد أُعطينا الكثير، ولئن ألم بنا مرضٌ يسير فقد متعنا الله بالصحة عمرًا طويلًا.
(1) متفق عليه.
(2)
عدة الصابرين 197، 198.
(3)
عدة الصابرين 207.
أين الشكر على نحو قوله عليه الصلاة والسلام: «من أصبح آمنًا في سربه معافًا في بدنه، عنده قوت يومه وليلته فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها» .
أين الشكرُ على نعمةِ الجوارح وسلامتها؟ وأين الشكر على نعمة الأمن والرخاء، وأين الشكر على نعمة العقل والإرادة وأين الشكر على نعمةِ الأموال والأزواج والبنين .. وقبل ذلك وأين الشكر على نعمة الإسلام والإيمان .. إنها وغيرها نعمٌ تستحق الشكر باللسان والقلب والجوارح.