الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين وعد من خافه جنتين، وتوعد من عصاه نارًا وسمومًا وظلًا من يحموم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يمهل ولا يهمل، وإذا أخذ الظالم لم يفلته، {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ} .
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، كان يسمع لصدره- إذا صلى- أزيز كأزيز الرحى، أو كأزيز المِرْجل من البكاء .. اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر النبيين والمرسلين.
عباد الله، هناك أمور وأسباب تدعو للرقة والبكاء (1) ومنها: مسحُ رأس اليتامى، وإطعام المساكين.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلًا شكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم قسوة قلبهِ، فقال:«امسح رأس اليتيم، وأطعم المسكين» (2).
وزيارةُ القبور تُرقق القلوب، كما قال صلى الله عليه وسلم لأبي ذر رضي الله عنه:«زُر القبور تَذكرُ بها الآخرة، واغسل الموتى فإن معالجة جسدٍ خاوٍ عظةٌ بليغة، وصل على الجنائز لعل ذلك يحزنك فإن الحزين في ظل الله يوم القيامة» (3).
وقراءة القرآن قراءة متدبرةً تخشع لها القلوب، وتلين لها الجلود وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ
(1) وعلى من يجدون قسوة في قلوبهم أن يستعينواالله بفعلها.
(2)
رواه أحمد، وقال الهيثمي ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد 8/ 163).
(3)
رواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك 4/ 330).
جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} (1).
ومن دواعي البكاء والخشية لله استشعار العبدِ مِنَّةَ اللهِ عليه لخير أصابه، فشكر الله عليه ولم يتمالك عينيه من البكاء، وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأبي بن كعب:«إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن» ، قال أبى: آللهُ سماني لك؟ قال: «الله سمَّاك» فجعل أُبي يبكي.
وفي رواية للبخاري أيضًا: قال أبي: آلله سماني لك؟ قال: نعم قال: وذكرت عند رب العالمين؟ قال: «نعم» ، فذرفت عيناه
…
(2).
ومما يرقق القلب ويُبعد وحشته ويخفف قسوته مجالسةُ العلماء ومصاحبةُ الأخيار، فهؤلاء يذكرون الآخرة، قال الحسنُ البصريُ يرحمه الله: إخوانُنا أغلى عندنا من أهلينا، فأهلونا يذكروننا الدنيا، وإخواننا يذكروننا بالآخرة» (3).
ومما يرقق القلب تعاهُده بالإيمان إذا ضعف، والمبادرةُ إلى عمل الحسنة بعد السيئة حتى تمحو أثرها، وقد ورد ما يفيد تقلب القلب وأن الله يقلبه كيف شاء، وورد أيضًا في حديث صحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال مشبهًا للقلب بضوء القمر:«ما من القلوب قلبٌ إلا وله سحابةٌ كسحابةِ القمر، بينا القمرُ مضيء إذ علته سحابة فأظلم، إذ تجلت عنه فأضاء» (4).
وإذا كان هذا شأن القمر، فقلبُ المؤمن تعتريه أحيانًا سحابٌ مظلمة من
(1) سورة الزمر، آية:23.
(2)
الحديث متفق على صحته في كتاب التفسير (لمن يكن) ومناقب الأنصار (مناقب أبي) ومسلم: كتاب صلاة المسافرين، باب استحباب قراءة القرآن على أهل الفضل .. ).
(3)
المنجد، ظاهرة ضعف الإيمان ص 24.
(4)
رواه أبو نعيم وهو في السلسلة الصحيحة 2268، ظاهرة ضعف الإيمان ص 32.
المعصية فيحجب نورَه، فيبقى صاحبُه في ظلمة ووحشة، فإذا سعى لزيادة إيمانه واستعان بالله في عمل الصالحات انقشعت تلك السحب وعاد نورُ قلبه يضيء كما كان.
ولهذا قال بعض السلف: من فقه العبدِ أن يتعاهدَ إيمانَه، وما ينقص منه، ومن فقه العبد أن يعلمَ أيزدادُ إيمانُه أو ينقص؟ وإذن من فقه الرجل أن يبلغ نزغات الشيطانُ أنى تأتيه؟ (1).
أيها المسلمون مستحيل أن يسلمَ العبدُ من الذنوبِ والأخطاء، ولو شاءَ اللهُ ذلك لجعلَ في الأرضِ ملائكة مقربين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، بل اقتضت الحكمة الإلهية أن يكون الخليفة في الأرض بشرًا يحقق العبودية لله في أرضه، يذنبُ فيستغفر ويخطئ فيتوب، ويذكر الله إذا نسي، ولقد نسي أبو البشر آدم ما عهد إليه ربه، وأزله وزوجه الشيطان فأخرجهما مما كانا فيه، وأهبط إلى الأرض فكانت مستقرًا لهما ولذريتهما، واستمر الشيطان يوسوس لهم ويزين، ولم تقتصر وسوسةُ الشيطان على الفجار والمجرمين بل شملت المتقين، ولكن ميزة هؤلاء أنهم يتذكرون ويستغفرون فيبصرون {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ} (2).
وهذا يعني أن الإنسان لا يمكن أن يستمر طيلة حياتهِ على الرقةِ والخشوع والبكاء إذ هو إنس مفتونٌ مُبتلى في هذه الحياة، وحسبُه أن يجاهد نفسه على الثبات على دين الله، وتجديد التوبة وكثرة الاستغفار، وألا يصحو على كبيرةٍ ولا يستخف بصغيرة، وعليه أن يتذكر إذا ذُكر.
(1) شرح نونية ابن القيم لابن عيسى 2/ 140، ظاهرة ضعف الإيمان ص 33.
(2)
سورة الأعراف، 201.
يقول عليه الصلاة والسلام: «ما من عبدٍ مؤمن إلا وله ذنوب يعتاده الفينة بعد الفينة أو ذنبٌ هو مقيمٌ عليه لا يفارقُه حتى يفارق الدنيا، إن المؤمنَ خُلق مُفتنًا، توابًا، نسيًا، إذا ذكِّر ذكر» (1).
يُقال هذا حتى لا ييأسَ قساةُ القلوب من رقتها إذا تعاهدوا أنفسهم، وجاهدوا أهواءهم وشياطينَ الجنِّ، وإخوانهم الذين يمدونهم في الغيِّ ثم لا يقصرون، وحتى لا يقنط المسرفون على أنفسهم بالمعاصي من رحمة الله، فالله يغفر الذنوب جميعًا لمن تاب إليه واسترجع، ويقال ذلك حتى لا يداخل نفوسً الخيرين العجبُ بأعمالهم، ولذا قال ابن القيم رحمه الله:«فلولا تقديرُ الذنبِ هلك ابنُ آدم من العجب» وقال ابن الجوزي: «إن النفس لو دامت لها اليقظة لوقعت فما هو شرٌّ من فوتِ ما فاتها وهو العجبُ بحالها والاحتقار لجنسها .. » .
عباد الله إن تغييب الخاتمة عن الإنسان سرٌّ عجيب، وفيه حكمة بالغة وتدبير لطيف لأنه لو علم وكان ناجيًا أُعجب وكسل، وإن كان هالكًا ازداد عتوًا فحُجِب عنه» (2).
عبادَ الله وإذا كان الفرق كبيرًا بين أهل اليقظة وأهل الغفلة فأهلُ اليقظة أنفسهم متفاوتون في سيرهم إلى الله، يقول الشيخ السعدنيُّ يرحمه الله: «سبحان من فاوت بين أهل اليقظة في قوة السير وضعفه، وفي استغراقِ جميعِ الأوقاتِ في العبادة وعدمِه، منهم من يكون سيرُه مستقيمًا في ليله ونهاره، ومع ذلك يتخيرُ من الأعمال أفضلها وأكملها، ولا ينزل من فاضلها إلى مفضولها إلا لمصلحة تقترن بالمفضول توجبُ أن يساويَ العملَ الفاضلَ، ويزيدَ عليه وقد
(1) رواه الطبراني عن ابن عباس، وهو في صحيح الجامع 5/ 172.
(2)
معالم في السلوك ص 100، عن السلوم: إذاصح الإيمان ص 103.
يكون المباحُ في حقِّ هذا عبادةً لكمال إخلاصه، ونيتُه بذلك المباحِ أن يُجمَّ به نفسه ويتقوى به على الخير، فتراه ينتقل في مقامات العبودية في كل وقت بما يناسبه ويليق به، لا فرق عنده بين العبادة المتعلقة بحقوق الله المحضة، وبين العبادة المتعلقةِ بحقوق الخلق على اختلاف مراتبهم وأحوالهم .. » (1).
هذا فضل من الله يؤتيه من يشاء .. اللهم لا تحرمنا فضلك، واسلك بنا سبيلك، وأعنا على أنفسنا ولا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا.
هذا وصلوا
…
(1) الفتاوى السعدية ص 49 - 51.