الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الخطبة الثانية:
الحمد لله الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملًا، وجعل الليل والنهار خلفةً لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يهب لمن يشاء إناثًا ويهب لمن يشاء الذكور أو يزوجهم ذكرانًا وإناثًا ويجعل من يشاء عقيمًا إنه عليم قدير وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله علم الناس الخير ودعاهم إليه، وبين لهم الشر وحذرهم منه .. اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر النبيين والمرسلين وعلى الآل والأصحاب والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أيها المسلمون والمسلمات .. لا تقف عناية الإسلام بالمرأة عند هذه الحدود السابقة، بل يأمر الإسلام بإكرام المرأة أمًا، وبنتًا، وزوجة وأختًا، وعمةً، وخالة، منذ ولادتها وحتى مماتها.
فعندما تكون بنتًا ضعيفة لا حول لها ولا طول يأمر أباها وأمها بحسن رعايتها وتوفير حاجاتها، ويرتب على ذلك من الأجر والمثوبة ما يدفع للخدمة والرعاية دون ضجر أو ملل، ويقول عليه الصلاة والسلام فيما يقول- «من ولدت له أنثى فلم يئدها ولم يهنها ولم يؤثر ولده- يعني الذكر- عليها أدخله الله بها الجنة» (1).
وفي الحديث الأخر: «من كن له ثلاث بنات فصبر على لأوائهن وضرائهن، أدخله اللهُ الجنة برحمته إياهن، فقال رجلٌ وابنتان يا رسول الله قال: وابنتان قال رجل يا رسول الله وواحدة، قال: وواحدة» (2).
(1) رواه الحاكم في مستدركه 4/ 177 وصححه ووافقه الذهبي.
(2)
رواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين 4/ 176 وقال هذاحديث صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.
ويبلغ عائل الجاريتين القمة والرسول صلى الله عليه وسلم يقول له: «من عال جارتين حتى تبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو كهاتين» وضمَّ أصابعه» (1).
وحين تشب البنت عن الطوق وتصبح زوجة يوليها الإسلام عنايته، ويعتبر المتعة بها والأنس معها أفضل ما في الدنيا:«الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة» (2).
وجعل الإسلام الحياة الزوجية ترتكز على دعائم قوية من المودة والرحمة تعجز الأنظمة البشرية أن تبلغه بتشريعاتها فهو آية من آيات الله كما قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (3).
وإذا كان أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا، كما أخبر الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم ففي بقية الحديث نفسه قال عليه الصلاة والسلام:«وخياركم خياركم لنسائهم» (4).
فإذا كانت المرأة أمًا، فهي المنزلة التي لا تدانيها منزلة، وهي أحق ما في الوجود بحسن الصحبة والرعاية، والإحسان لها وللأب يُقرن بحق الله في العبودية «وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانًا .. » .
والوصية بهما تنزل من السماء {وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا} .
ويلفت النظر إلى حق الأم لزيادة مشقتها: {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا} (5).
(1) رواه مسلم وغيره (رياض الصالحين ص 138).
(2)
رواه مسلم 1467، رياض الصالحين ص 143.
(3)
سورة الروم، آية:21.
(4)
رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح، وصححه ابن حبان وغيره، رياض الصالحين ص 143.
(5)
سورة الأحقاف، آية:15.
والرسول صلى الله عليه وسلم يرددها ثلاثًا: «رغم أنفُ، ثم رغم أنف، ثم رغم أنف من أدرك أبويه عند الكبر أحدهما أو كليهما فلم يدخل الجنة» (1).
ولقد فقه سلف الأمة وخيارها هذه الحقوق فرعوها حق رعايتها بأقوالهم وأفعالهم فهذا ابن عباس رضي الله عنهما يقول (2)«إني لا أعلمُ عملًا أقرب إلى الله عز وجل من بر الوالدة» وهذا ابن عمر رضي الله عنهما يشهد رجلًا يمانيًا يطوف بالبيت وقد حمل أمه وراء ظهره ويقول:
إني لها بعيُرها المذلل
…
إن أُذعرتْ ركابها لم أُذْعرْ
ثم قال: يا ابن عمر أتُراني جزيتُها؟ قال: لا، ولا بزفرة واحدة» (3).
وفي صحيح مسلم قال أبو هريرة رضي الله عنه: والذي نفسُ أبي هريرة بيده لولا الجهاد في سبيل الله، والحج، وبر أمي لأحببت أن أموت وأنا مملوك، قال أحد رواة مسلم: وبلغنا أن أبا هريرة رضي الله عنه لم يكن يحج حتى ماتت أمه لصحبتها» (4).
فأي تشريع غير الإسلام يبلغ بالمرأة هذه المنزلة، وأي حقوق يمكن أن يهبها لها البشر فوق ما حباها به رب البشر؟
ولولا أن يطول الحديث لاستكملت عناية الإسلام بالمرأة أختًا، وعمةً وخالةً وقريبةً أم بعيدةً .. وألتفت بعد ذلك إلى صوتٍ نسائي منصفٍ تعد صاحبته في طليعة المتعلمين .. وإن كان كل أحدٍ يؤخذ من كلامه ويرد إلا صاحبَ القبر أعني رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ثبت عن مالك.
(1) رواه مسلم (2551) رياض الصالحين ص 157.
(2)
كما في صحيح الأدب المفرد ص 34.
(3)
صحيح الأدب المفرد للألباني ص 36.
(4)
صحيح مسلم 3/ 1285.
- وتقول الدكتورة بنتُ الشاطئ (عائشة عبد الرحمن) عن قضية المرأة:
إننا لم نكن في حاجةٍ إلى فهم هذه القضية ومثلها كما نحن الآن، إذ يعوز المرأة لكي تعرف حقيقة مكانها في عالم اليوم، وتميز دورها فيه- أن تستكمل وعيها لذاتها، وأن تفهم مقومات وجودها، وجوهر شخصيتها ومحالٌ أن يتحقق شيءٌ من ذلك إذا بُترنا من ماضٍ لنا بعيد طويل، وجهلنا ما تأصل في أعماقنا من تراثٍ لنا، فكري وروحي ومادي- ظل يتناقل جيلًا بعد جيل وخلفًا بعد سلف متغلغلًا في كياننا، متحكمًا في سلوكنا الفردي والجماعي، موجهًا أساليب تناولنا للحياة، وفهمنا لها، وسيرنا فيها ..
إلى أن تقول: أجل لقد سمع اللهُ شكوى شاكيةٍ منا وغضب سبحانه لواحدة أخرى أفتري عليها ظلمًا وبهتانًا، فجعل براءتها آيةً تتلى وقرآنًا يتعبد به من يؤمن بالله واليوم الآخر
…
إلى أن تقول:
ولو لم يصنع الإسلام غير هذا لكان حسبنا نحن المسلمات، ولو لم يكن لنا من القرآن الكريم سوى هذه الآيات من سورة المجادلة والنور لرضينا بها حظًا ونصيبًا .. أي صنيع يمكن للإنسانية الكريمة أن تطمع فيه للأنثى أسمى من صون حصانتها، وحماية سمعتها من أراجيف المبطلين.
وبعد عرضها لنماذج من حقوق النساء في الإسلام عادت لترد على المغرضين المتشبثين بقضايا زعموا أن فيها إجحافًا بحق المرأة.
وتقول: «أفأحتاج بعد هذا إلى إطالةِ الوقوفِ عند الذين زعموه مجحفًا بنا من إباحة تعددِ الزوجات، والطلاق، واحتساب نصيب الأنثيين في الميراث كنصيب الذكر الواحد، وشهادة الأنثيين مكان شهادة الرجل؟
كلا فحكمة الإسلام في كل مسألة من هذه المسائل تبدو واضحة لا يجحدها إلا جاهلٌ أو مكابرٌ، تعدد الزوجات تقضي به أحيانًا ضرورةٌ قاهرة ويضبطه الإسلام بحدود ماديةٍ وأدبية
-ولا يزال الكلام للكاتبة- والطلاق لا محيد عنه إذا لم تعد الحياةُ الزوجية مستطاعة ولا محتملة، وهو مع ذلك أبغض الحلالِ عند الله، وإعطاءُ الأنثى نصف الذكر من الميراث يقابله إعفاؤها من أعباء النفقة حتى مع ثرائها وفقر زوجها وشهادة الاثنتين بدلًا من شهادة رجل منظورٌ فيها إلى عاطفية المرأة التي هي جوهر أنوثتها (1).
أيتها الأخت المسلمةُ مع الفارق في الحقوق التي منحها الحكيمُ الخبيرُ للمرأة، والتخبط المشين لأدعياء حقوق المرأة فإن هناك فارقًا آخر ألمح إليه الدكتور السباعي في كتابه «المرأة بين الفقه والقانون» وقال: كان التشريعُ الإسلاميُّ نبيلَ الغاية والهدف حين أعطى المرأة حقوقها من غير تملقٍ لها أو استغلالٍ لأنوثتها، ففي الحضارتين اليونانية والرومانية، وفي الحضارة الغربية الحديثة، سمح لها بالخروج وغشيان المجتمعات للاستمتاع بأنوثتها، لا اعترافًا بحقوقها وكرامتها بينما حد الإسلام من نطاق اختلاطها بالرجال وغشيانها المجتمعات حين أعطاها حقوقها وبعد أن أعطاها وصانها وأعلن كرامتها راعى في كل ما رغب إليها من عمل وما وجهها إليه من سلوك أن يكون ذلك منسجمًا مع فطرِتها وطبيعتها وأن لا يرهقها من أمرها عسرًا (2).
أما الحضارات المادية القائمة .. أما جهدُ المرأةِ وضياعها .. أما حسرتها وقلقها .. فلعلي أقص عليكم من نبأ ذلك في خطبة لاحقة بإذن الله.
اللهم هيء لنا من أمرنا رشدًا .. وأرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه. هذا وصلوا.
(1) الأخت المسلمة أساس المجتمع الفاضل: محمود الجوهري ص 93 - 100.
(2)
المرأة بين الفقه والقانون ص 44.