الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذكرى وتنبيهات للصائمين
(1)
الخطبة الأولى:
الحمد لله رب العالمين، بلَّغنا شهر الصيام، وأسبغ علينا نعمة الأمن والإيمان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، بيده خزائن السماوات والأرض، وشهر رمضان شهر الجود والإحسان، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله كان أجود الناس بالخير وأجود ما يكون في رمضان حيث يُدارسه جبريل القرآن، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد وعلى سائر الأنبياء والمرسلين وارض اللهم عن الصحابة أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد فاتقوا الله معاشر الصائمين واعلموا أن الصيام سبب ووسيلة للتقوى كما قال ربنا {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (2).
ويتذكر المتقون بتقواهم منازلهم وما قدموا لها وهم على يقين أن الله مطلع على ما يعملون {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} (3).
أيها المسلمون بشراكم شهر الصيام، وهنيئًا لكم إدراك شهر رمضان، وحقَّ للمسلمين أن يفرحوا ويغتبطوا بشهر القرآن، وكيف لا يفرح المسلمُ بشهر
(1) ألقيت هذه الخطبهة يوم الجمعة الموافق 1/ 9/ 1417 هـ.
(2)
سورة البقرة، آية:183.
(3)
سورة الحشر، آية:18.
الرحمة والمغفرة والعتق من النار، ويفرح المشمرون لأن الفرصة تتجدد لهم، ولأن أبواب الخير تهيأ لهم، ويستبشر أولوا العزائم لأن ميدانًا فسيحًا للمسارعة للخيرات يفتح أمامهم، وواعظ القرآن يغذو سيرَهم {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} . {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ} ، كما يفرح المخطئون لأن الحسنة تضاعف لهم، ومردةُ الجانِ التي تُعيق سيرهم تُصفَّد ويضعف أثرُهم يستبشر المذنبون والمقصرون بشهر الصيام لأنهم يجدون فيه عونًا على التوبة وتطهير النفوس وإصلاح القلوب وما منا إلا وله ذنبٌ وخطايا، وفي شهر رمضان فرصةٌ للخلاص منها، والاستزادة من الحسنات الماحيات، والحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين.
أيها الصائمون .. يا من أدركهم شهرُ الصيام وهم يتمتعون بالصحة والعافية هلا تذكرتم إخوانًا لكم أقعدهم المرضُ عن الصيام مع المسلمين، وحبسهم العذر عن الصلاة والقيام مع المصلين، وهلا قادكم ذلك إلى شكر المنعم واستثمار الصحة بتقديم الصالحات، فقد يمرض الصحيح، ويضعف القوي، وحينها يتمنى على الله الأماني.
ويا من أدركهم شهر الصيام وهم آمنون في أوطانهم، مطمئنون بين أهليهم وعشيرتهم هلا تذكرتم نفرًا من المسلمين ساد الرعبُ والقلقُ بلادهم، وحل الخوفُ محلَّ الأمن بين شعوبهم هل ترونه يهدأ بال الخائف، أم ترونه يطمئن في عبادته الذي لا يأمن على نفسه ومن تحت يده .. ؟ ؟
إن الذين يُهيءُ اللهُ لهم نعمة الصحة في الأبدان والأمن في الأوطان، والفراغ مما يشغل بال الإنسان ثم لا يستثمرون هذه النعم في مرضاة الله هم مغبونون بكل حال يقول عنهم عليه الصلاة والسلام:«نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ» .
أيها الصائم أدرك نعمة الله عليك وتدارك نفسك وتقرب إلى مولاك، وأضمر جيادك، والملتقى في جنان الخلد إن قبلت منا صلاة وطاعات وإحسان! !
يا أخا الإيمان افتح قلبك لداعي الخير، ولا يصدنك الشيطان وأنت في شهر الصيام فتقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين، أتدوي لم سُمي رمضانُ برمضان؟ قال العلماء: لأنه يرمِضُ الذنوب أي يحرقها بالأعمال الصالحة- من الإرماض وهو الإحراق-.
وقيل: لأن القلوب تأخذ فيه من حرارة الموعظة والفكرة في أمر الآخرة كما يأخذ الرملُ والحجارة من حرارة الشمس (1).
فما نصيبك أيها الصائم من هذه وتلك، ذلك سؤالٌ أطرحه على نفسك، وأنت في بداية الشهر، وأجب عليه في نهايته وإياك أن تظلم نفسك بنفسك، وسيُقال لك يومًا من الأيام {اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا} (2).
يا أخا الإيمان أسوق لك أنموذجًا صالحًا للاعتبار في (الصيام أو القيام، وفي حياة السلف عمومًا عبرٌ توقظ الغافلين وهممٌ تشدُّ أصحاب العزائم الصادقين.
وقد روي أن قومًا من السلف باعوا جارية لهم لقوم آخرين، فلما أقبل رمضان أخذوا يتهيأون بألوان المطعومات والمشروبات فلما رأت الجارية منهم ذلك قالت: ولم تصنعون ذلك؟ قالوا: لاستقبال شهر رمضان، فقالت: وأنتم لا تصومون إلا في رمضان؟ والله لقد جئتُ من قومٍ السنةُ عندهم كلُّها رمضان، ولا حاجة لي فيكم، ردوني إليهم ورجعت إلى سيدها الأول.
(1) تفسير القرطبي 2/ 291.
(2)
سورة الإسراء، آية:14.
وفي قيام الليل يُروى أن الحسن بن صالح رحمه الله -وكان معدودًا في الأخفياء الأتقياء- كان يقوم الليل هو وأخوه وأمه أثلاثًا، فلما ماتت أمه تناصف هو وأخوه الليل، فلما مات أخوه صار يقوم الليل كله (1).
يا أخا الإيمان جدد إيمانك في شهر الصيام وقد قيل للمؤمنين: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا} (2). واستمر في إحداث التوبة والزم الاستغفار ولاسيما في شهر القرآن، ونبيك صلى الله عليه وسلم يقول:«إني لأتوب إلى الله تعالى في اليوم سبعين مرة» (3).
وفي حديث آخر صحيح: «إني لأستغفر الله في اليوم سبعين مرة» (4).
وإياك أن تستثقل شيئًا من تكاليف الإسلام، أو تتبرم بشهر رمضان، وكم هي نهاية مؤلمة تلك الحادثة لسفيهٍ يُروى إنه ضاق ذرعًا حين أقبل رمضان، فأنشد:
دعاني شهر الصوم لا كان من شهر ولا صمتُ شهرًا بعده آخر الدهر
فلو كان يعديني الأنام بقوة
…
على الشهر لاستعديت قومي على الشهر فأصيب بمرض الصرع، فكان يصرع في اليوم عدة مرات، وما زال كذلك حتى مات قبل أن يصوم رمضان الآخر (5).
يا أخا الإسلام: لا يغب عن بالك شفاعة الصيام والقرآن لأصحابهما، رَوَى الإمام أحمد والحاكم بسند حسن عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيامُ: أي
(1) دروس رمضان؟ سلمان العودة 6، 7.
(2)
سورة النساء، آية:136.
(3)
حديث صحيح رواه النسائي وأبن حبان (صحيح الجامع 2/ 324).
(4)
صحيح الجامع 2/ 325.
(5)
دروس رمضان 8.
ربِّ منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه، ويقول القرآن: منعتُه النومَ بالليل فشفعني فيه، قال: فيشفعان» (1).
أيها الصائمون يا من تستعيذون بالله دائمًا من النار، تذكروا أن الصيام جُنةٌ من النار، قال عليه الصلاة والسلام:«الصومُ جنةٌ يستجنُّ بها العبدُ من النار» (2).
وتأمل عظيم فضل الله، ورسوله يقول في الحديث المتفق على صيحته:«من صام يومًا في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفًا» فكيف بمن صام شهرًا كاملًا، وكيف إذا كان هذا الشهر شهر رمضان؟ اللهم لا تحرمنا فضلك، ولا تُلهنا عن ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} (3).
نفعني الله وإياكم بهدي القرآن، وسنة محمد عليه الصلاة والسلام، أقول ما تسمعون.
(1) المسند 2/ 174، مستدرك الحاكم 1/ 554.
(2)
رواه الطبراني في الكبير بسند حسن (ح 3867).
(3)
سورة البقرة، آية:185.