الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الكتاب نهنّئكم بما سنّاه الله لمجدكم الرفيع، من حسن الصّنيع، ونقرّر ما عندنا من الودّ الكريم، والحبّ الصّميم، ونستفهم عن أحوال أخوّتكم لنكون من علمها على السّنن القويم، وحتّى لا تزال الأسباب متّصلة، والمودّة جديدة مقتبلة؛ ولولا العوائق المانعة، والشّقّة البعيدة الشاسعة، والأمواج المترامية المتدافعة، لم نغبّ «1» المخاطبة، ولوصلنا المراسلة والمكاتبة؛ ومجدكم يقبل الأعذار الصحيحة بمقتضى كماله، ومعهود إفضاله؛ والله تعالى يصلح بكم الأحوال، ويسكّن الأهوال، ويبلّغكم من فضله الآمال. وغرضنا أن تعرّفونا بما لديكم من المتزيّدات، والصنائع المتجدّدات، وبما عندكم من أحوال محلّ أبينا وصل الله عوائد النّصر لسلطانه، وتكفّل بإعلاء أمره وتمهيد أوطانه. وقد كتبنا إليه صحبة هذا كتابا غرضنا من أخوّتكم الطاهرة، أن يصل إلى حضرته العلية تحت عنايتكم ووصاتكم، والرعاية التي تليق بذاتكم؛ وهو سبحانه يصل سعدكم ويحرس مجدكم، ويحفظ ولاءكم الكريم وودّكم؛ والسلام الكريم عليكم ورحمة الله وبركاته.
الأسلوب الثاني (أن تفتتح المكاتبة باسم المكتوب إليه أو المكتوب عنه، وهو على ضربين)
الضرب الأول (أن تفتتح المكاتبة باسم المكتوب إليه تعظيما له)
والرسم فيه أن يقال: إلى فلان، وينعت بما يليق به؛ ثم يؤتى بالسلام، ويقال: أما بعد ويؤتى بخطبة، ثم يقال: فإنا كتبناه إليكم كتب الله لكم كذا وكذا، من موضع كذا، ويتخلّص إلى المقصود بلفظ «وإلى هذا» ويؤتى على المقصود إلى آخره ويختم بالسلام.
كما كتب ابن الخطيب عن سلطانه ابن الأحمر إلى الأمير يلبغا العمريّ
الشهير بالخاصكيّ: أتابك «1» العساكر بالديار المصرية في الدولة الأشرفيّة «شعبان بن حسين» .
إلى الأمير المؤتمن على أمر سلطان المسلمين، المقلّد بتدبيره السديد قلادة الدّين، المثني على رسوم برّه المقامة لسان الحرم الأمين، الآوي من مرضاة الله تعالى ورسوله إلى ربوة ذات قرار ومعين، المستعين من الله على ما تحمّله وأمّله بالقويّ المعين، سيف الدّعوة، ركن الدولة، قوام الملة، مؤمّل الأمّة، تاج الخواصّ، أسد الجيوش، كافي الكفاة، زين الأمراء، علم الكبراء، عين الأعيان، حسنة الزمان، الأجلّ، المرفّع، الأسنى، الكبير، الأشهر، الأسمى، الحافل، الفاضل، الكامل المعظم، الموقّر، الأمير، الأوحد، «يلبغا الخاصكيّ» وصل الله له سعادة تشرق غرّتها، وصنائع تسحّ فلا تشحّ درّتها، وأبقى تلك المثابة قلادة الله وهو درّتها؛ سلام كريم، طيب عميم، يخص إمارتكم التي جعل الله الفضل على سعادتها أمارة، واليسر لها شارة، فيساعد الفلك الدوّار مهما أعملت إدارة، وتمتثل الرسوم كلّما أشارت إشارة.
أما بعد حمد الله الذي هو بعلمه في كل مكان، من قاص ودان، وإليه توجّه الوجوه وإن اختلفت السّير وتباعدت البلدان، ومنه يلتمس الإحسان، وبذكره ينشرح الصدر ويطمئن القلب ويمرح اللّسان، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد رسوله العظيم الشان، ونبيّه الصادق البيان، الواضح البرهان،
والرضا عن آله وأصحابه، وأعمامه وأحزابه، أحلاس «1» الخيل، ورهبان الليل، وأسود الميدان، والدعاء لإمارتكم السعيدة بالعزّ الرائق الخبر والعيان، والتوفيق الوثيق البنيان؛ فإنا كتبناه إليكم- كتب الله لكم حظّا من فضله وافرا، وصنيعا عن محيّا السّرور سافرا، وفي جوّ الإعلام بالنّعم الجسام مسافرا. من حمراء غرناطة- حرسها الله- دار الملك بالأندلس، دافع الله عن حوزتها كيد العداة، وأتحف نصلها ببواكر النّصر المهداة؛ ولا زائد إلا الشوق إلى التّعارف بتلك الأبواب الشريفة التي أنتم عنوان كتابها المرقوم، وبيت قصيدها المنظوم، والتماس بركاتها الثابتة الرّسوم، وتقرير المثول في سبيل زيارتها بالأرواح عند تعذّره بالجسوم.
وإلى هذا فإنّنا كانت بين سلفنا- تقبّل الله جهادهم وقدّس نفوسهم وأمّن معادهم- وبين تلك الأبواب السلطانية- ألقى الله على الإسلام والمسلمين ظلالها، كما عرّفهم عدلها وإفضالها- مراسلة ينمّ عرف الخلوص من خلالها، وتسطع أنوار السعادة من آفاق كمالها؛ وتلتمح من أسطار طروسها محاسن تلك المعاهد، الزاكية المشاهد، وتعرب عن فضل المذاهب وكرم المقاصد، اشتقنا إلى أن نجدّدها بحسن منابكم، ونصلها بمواصلة جنابكم، ونغتنم في عودها الحميد مكانكم، ونفضل لها زمانكم؛ فخاطبنا الأبواب الشريفة في هذا الغرض بمخاطبة خجلة من التقصير، وجلة من الناقد البصير؛ ونؤمّل الوصول في خفارة يدكم التي لها الأيادي البيض، والموارد التي لا تغيض؛ ومثلكم من لا تخيب المقاصد في شمائله، ولا تضحى المآمل في ظلّ خمائله؛ فقد اشتهر من عظيم سيرتكم ما طبّق الآفاق، وصحب الرّفاق واستلزم الإصفاق؛ وهذه البلاد مباركة، ما أسلف أحد فيها مشاركة، إلا وجدها في نفسه وماله ودينه وعياله، والله أكرم من وفّى لامرىء بمكياله؛ والله جل جلاله يجمع القلوب على طاعته، وينفع بوسيلة النبيّ الذي نعوّل على شفاعته، ويبقي تلك الأبواب ملجأ للإسلام والمسلمين، وظلّا لله على العالمين، وإقامة لشعائر الحرم الأمين، ويتولى إعانة إمارتكم على