الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
للمؤمن خير من اختياره، وإنّ مواضع الأمل للعبد خير منها مواقع أقضية الله وأقداره» . فقد كانت حركة احتاجت إليها البلاد التي انفصل عنها، والبلاد التي قدم عليها. أما المصرية منها فبكونها على عدة من نجدته آجلا، وأما الشامية فبكونها على ثقة من نصره عاجلا؛ فقد تماسكت من المسلمين الأرماق، وقد انقطعت من المشركين الأعناق:
تهاب بك البلاد تحلّ فيها
…
ولولا اللّيث ما هيب العرين!
وعرض المملوك ما وصل إليه من مكاتبات المولى على العلم العادليّ وأدركها تحصيلا، وأحاط بها جملة وتفصيلا؛ والمولى- خلّد الله ملكه- فكلّ ما أشار إليه من عزيمة أبداها، ونية أمضاها، فهو الصواب الذي أوضح الله له مسالكه، والتوفيق الذي قرّب الله عليه مداركه؛ ومن أطاع الله أطاعه كلّ شيّ، ومن استخاره بيّن له الرّشد من الغيّ؛ والله تعالى يجعل له من كلّ حادثة نخوة «1» ، ويكتب أجره في كلّ حركة ونفس وخطوة. إن شاء الله تعالى.
القسم الثاني (المكاتبات الصادرة عنهم إلى ملوك الكفر، وفيه طرفان)
الطرف الأول (في الابتداءات، وفيه ثلاث جمل)
الجملة الأولى (في المكاتبات الصادرة إليهم عن ملوك بلاد الشرق من بني بويه فمن بعدهم)
وقد كان الرسم فيها أن تفتتح المكاتبة بلفظ «كتابي أو كتابنا إلى فلان» ويخاطب المكتوب إليه بملك الروم أو نحو ذلك، ويختم بقوله: فإن رأى ذلك فعل إن شاء الله تعالى.
كما كتب أبو إسحاق الصابي عن القائد أبي الفوارس ختور التركي المعزي، إلى وردس بن قنبر المعروف بعسقلاروس «1» [كتابي إلى] ملك الروم الفاضل، الجليل، النبيل، الخطير، أدام الله كفايته وسلامته، ونعمته وسعادته، وعافيته وحراسته. من الحضرة الجليلة بمدينة السلام لثمان ليال خلون من ذي الحجة سنة تسع وسبعين وثلاثمائة، وهو اليوم التاسع من أدار، عن شمول السلامة، وعموم الاستقامة؛ وصلاح حالي في ظل
الدولة المنصورة. والحمد لله رب العالمين وحده لا شريك له، وصلّى الله على محمد وآله وسلّم تسليما.
ووصل كتاب مولانا ملك الروم الفاضل الجليل الصادر عن العسكر بمرج لارضة بتاريخ التاسع من حزيران، وفهمته وجلّ عندي موقعه، وعظم في نفسي خطره؛ وحمدت الله على ما شهد به من انتظام أحواله، واطّراد أموره؛ وسألته أن يتمّم النعمة عليه، ويزيد فيها لديه، ويواصل إحسانه إليه، ويطيل مدّته، في أتمّ رشد وهداية، وأرفع قدم ومنزلة، وأعلى خطر ورتبة، بمنّه وطوله، وجوده ومجده.
فأما ما ذكره سيدنا الملك الجليل: من مقامه على العهد، وافتقاره إلى الميل والودّ، فذاك يوجب فضله البارع، وكرمه الشائع، وخلال الخير التي أهلّه الله لها، وخصّه الله بها، وبالله أحلف إنّني ما خلوت منذ افترقنا من مطالعة أخباره، وتتبّع آثاره، واستعلام مجاري شؤونه، والسرور بكل ما تمّ له ووصل إليه؛ حتّى كأنني حاضر له، وضارب بأوفر سهم فيه، بل مخصوص بجميعه. والله يجريه على أحسن ما أولاه وعوّده، ولا يخليه من الصّنع الجميل فيما أعطاه وقلّده، برحمته.
وكنت قبل ذلك عند ورود رسولي في الدّفعة الأولى على غاية الغمّ وشغل القلب بسبب الغدر الذي لحقه من عدوّه الذي أظفره الله به؛ وأنهيت ذلك في وقته إلى الملك السعيد الماضي، شرف الدولة «1» ، وزين الملة؛ رضي الله عنه.
فاشتغل قلبه- رحمه الله به، وعمل على إنفاذ العساكر لنصرته؛ ثم أتى من قضاء الله في أمره ما قد عرفه.
ولما انتصب في المملكة مولانا السيد بهاء الدولة «2» ، وضياء الملة- أطال