الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المقام» كتب بها إلى بعض ملوك اليمن في زمن من الأزمان؛ فأوردها استشهادا لهذا الأسلوب.
الأسلوب الثالث (أن تفتتح المكاتبة بلفظ: «أعزّ الله تعالى نصرة المقام العالي» )
وهذه نسخة كتاب كتب به إلى صاحب اليمن أيضا، عن السلطان الملك المنصور قلاوون، مبشّرا بفتوح «1» صافيتا «2» ، من إنشاء القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر رحمه الله، وهو:
أعزّ الله تعالى نصرة المقام العالي، المولويّ، السلطانيّ، الملكيّ، المظفّريّ، الشّمسيّ؛ وأشركه في كل بشرى تشدّ الرحال لاستماعها، وتحلّ الحبى «3» لاستطلاعها؛ وتتهافت التواريخ والسّير على استرفاعها، وتتنافس الأقلام والسيوف على الأفهام بأجناسها وأنواعها؛ ولا خلا موقف جهاد من اسمه، ولا مصرف أجر من قسمه، ولا غرض هناء من سهمه، ولا أفق ابتهاج من بزوغ شمسه وطلوع نجمه. سطّر المملوك هذه البشرى والسيف والقلم يستمدّان: هذا من دم وهذا من نقس «4» ، ويمضيان: هذا في رأس وهذا في طرس؛ ويتجاوبان:
هذا بالصّليل وهذا بالصّرير، ويتناوبان: هذا يستميل وهذا يستمير «5» ؛ وكلّ منهما ينافس الآخر على المشافهة بخبر هذا الفتح الذي ما سمت إليه همم الملوك الأوائل، ولا وسمت به سيرهم التي بدت أجيادها من حلاه عواطل؛ ولا دار
في خلد أن مثله يتهيّأ في المدد الطويلة، ولا تشكّل في ذهن أنه سيدرك بحول ولا حيلة؛ وهو النّصر المرتّب على حركتنا التي طوى الله لركابنا فيها المراحل، وألقى بدرر عساكرنا في بحر الحديد المالح إلى الساحل؛ وهجومنا على البلاد الفرنجيّة:
وهي طرابلس وصافيتا وأنطرسوس ومرقيّة والمرقب، كما يهجم الغيث؛ ومصادمتنا صدورها كما يصدم الليث، وسلوكنا منها حيث لم يبق حيث؛ وما جرى في هذه الوجهة من إغارات أحسنت متقلّب الأعنّة؛ ومتعلّق السيوف ومخترق الأسنّة؛ وما تهيّأ منها من فتوح صافيتا التي هي أمّ البلاد، ومنتجع الحاضر والباد؛ وكونها قدّمت نفسها في جملة ما يقرى به الضيف، وقالت: هذا فتوح حضر على هذا الفتوح لهذا السيف؛ وتلطّفت في مسح أطراف الأمان، وطلبت شكرا ومنّا شكران؛ وأحضرت إلينا من أهلها الوقت وهدّت السيوف في أعناقهم فتشبّهت بها الأغلال، وأنفت أيمان أهل الإيمان من مصافحتهم لأنهم أصحاب الشّمال؛ فأطلقهم سيفنا وأمله يمتدّ إلى من هو أعزّ منهم مالا، وأكثر احتفالا، وأبزّ مآلا، وأهزّ سيوفا قصارا ورماحا طوالا؛ واستطار منها شرار نار الحرب الموقدة إلى غيرها من القلاع، واستطال إلى سواها من الحصون منهم الباع؛ فلا حصن إلا وافترّت ثنيّته عن نصر مسهّل، وفتح معجل ومؤجّل.
فمن ذلك حصن الأكراد الذي تاه بعطفه على الممالك والحصون، وشمخ بأنفه عن أن تمتدّ إلى مثله يد الحرب الزّبون «1» ؛ وغدا جاذبا بضبع «2» الشام، وآخذا بمخانق بلاد الإسلام؛ وشللا في يد البلاد، وشجا في صدر العباد؛ تنقضّ من عشّه صقور الأعداء الكاسرة، وترتاع من سطوتها قلوب الجيوش الطائرة؛ وتربض بأرباضه آساد تحمي تلك الآجام، وتفوّق من قسيّه سهام تصمي مفوّقات السّهام؛ تعطيه الملوك الجزية عن يد وهم صاغرون، ويصطفي كرام أموالهم وهم
صابرون لا مصابرون؛ كم شكت منه حماة تثني بنكرها قلّة الإنصاف، وكم خافته معرّة وما من معرّة خاف؛ ما زالت أيدي الممالك تمتدّ إلى الله بالدعاء عليه تشكو من جور جواره تلك الحصون والصّياصي، وتبكي بمدمع نهرها من تأثير آثاره مع عصيانها وناهيك بمدمع العاصي؛ حتّى نبّه الله ألحاظ سيوف الإسلام من جفونها، ووفّى النّصرة ما وجب من ديونها؛ وذاك بأنّا قصدنا فسيح ربعه، ونزلنا ونازلنا محميّ صقعه، وختمنا بنصالنا على قلبه وسمعه؛ وله مدن حوله خمس هو كالراحة وهي كالأنامل، وتكاد بروجه ترى كالمطايا المقطّرة وهي منها بمنزلة الزّوامل «1» ؛ ما خيّمنا به حتّى استبحنا محميّ تلك المدائن المكنيّ عنها بالأرباض، وأسحنا بساحاتها بحرا من الحديد ما اندفع حتّى فاض؛ وأخذنا الثّقوب في أسوار لا تنقض ولا ينقضّ بنيانها المرصوص، ولا تقرأ المعاول ما لخواتم أبراجها من نقوش الفصوص؛ ونصبنا عليها عدّة مجانيق حملت في شواهق الجبال، على رؤوس الأبطال؛ فتغيّظت السّمهريّة «2» أنّ الذي تقوم به هذه تلك به لا تقوم، وأنّ ما منها إلا له من الأيدي والرّؤوس مقام معلوم؛ وصار يرمي بها كلّ كميّ مختلس، وأروع منتهس «3» ، وكلّ ليث غابة يحميها وتحميه. فشكرا لأسود حتّى غاباتها تفترس؛ إلى أن جئت أسوارها على الرّكب، وكانت سهام مجانيقها تميل من العجب فصارت تميد من العجب، وكانت تطلب فصارت تهرب من الطّلب؛ واشتدّ الأمر على الكفّار فقاتلوا قتالا أقضّ مضاجع الأسلحة، وأطار حجارة مجانيقهم بغير أجنحة، وأشجى بشجو النّصول المترنّمة على غصون السّهام المترنّحة؛ هذا وأهل الإيمان يتلقّون ذلك كلّه بصبر يستطعمون منه شهدا، وإقدام يتلقّى صدى الحديد بأكباد ما زالت إلى موارده قصدا؛ يقتحمون نار الحرب التي كلّما أوقدوها أطفأها الله وقال يا نار كوني بردا، والبلاد الفرنجيّة قد غضّت منها الأبصار وخشعت القلوب،
واعتقد كلّ منها في نفسه أنه بعد هذا الحصن المطلوب؛ فهذه تودّ لو أكنّتها البحار تحت جناح أمواجها، وهذه لو أسبلت الرياح العواصف عليها ذيول عجاجها؛ وهذه لو اجتثّت من فوق الأرض ما لها من قرار، وهذه لو خسف بها الثّرى وعفت منها الآثار؛ وذلك لما بلغهم وشاهدوه من ويل حلّ بأهل هذا الحصن المنيع، ومن فتك أمحل ربعه المريع، وضيّق مجاله الوسيع؛ وقراع أضجر الحديد من الحديد وا لأبطال لم تضجر، ونضال أسهر كلّ جفن حتّى جفون السيوف لأنا عوّدناها مثل جفوننا أن تسهر؛ فكم شكت النّقوب من مناكبهم زحاما، والشّرفات من ترقّبهم التزاما، والرّقاب من سيوفهم اقتساما؛ وكم حمدت التجارب من رأيهم شيخا وحمد الأقدام من ثبوتهم غلاما؛ قد دوّخوا البلاد فلا موطن إلا لهم به معركة، وأرملوا الحلائل فلا مشرك إلا وقد أرمل من مشركة، وأزعجوا الكفر فلا قلب إلا به منهم خوف ولا سمع إلا لهم به حركة، وملأوا الأرض كثرة وكيف لا يكّثر الله جمعا للإسلام جعل الله فيه بركة.
وكتابنا هذا والمولى بحمد الله أحقّ من هنّيء بهذا الفتح الذي تثني على كتاب بشائره الحقائب، وتجري إلى سماع أخباره الركائب، وتتزاحم على المسير تحت البرد الواصلة به متون الصّبا وظهور الجنائب «1» ؛ وإذا ذكرت ملاحمه، قال كلّ: هذا كتاب أم كتيبة تلوح، وإذا شوهدت حمرة طرسه قيل: وهذا ما صبغته في اليد المعلّمة عليه دم الكفر السمفوح، وينعم- أعز الله نصره- بالإعلان بهذا النبإ الحسن الذي تستروح إليه الأسماع، وتسرّ بالأفهم به أخوات هذا الحصن من مدنه ومن قلاعه العظيمة الامتناع؛ فإنه ما برح الأخ يفرح بأخيه، وإذا كان الهناء عظيما اشترك كلّ شيء فيه، إن شاء الله تعالى.
وهذه نسخة كتاب آخر إلى صاحب اليمن من هذا الأسلوب: كتب به
الفاضل محيي الدين بن عبد الظاهر أيضا، عن الملك المنصور قلاوون، جواب تعزية أرسلها إليه في ولده الملك الصالح في ورق أزرق؛ وكانت العادة أن تكون في ورق أصفر. ونصها بعد البسملة.
أعز الله تعالى نصرة المقام إلى آخر الألقاب، وأحسن بتسليته الصبر على كل فادح، والأجر على كلّ مصاب قرح القرائح وجرح الجوانح؛ وأوفد من تعازيه كلّ مسكّن طاحت به من تلقاء صنعاء اليمن الطّوائح؛ وكتب له جزاء التصبّر عن جار من دمع طافح، على جار لسويداء القلب صالح.
المملوك يخدم خدمة لا يذود المواصلة بها حادث، ولا يؤخّرها عن وقتها أمر كارث، ولا ينقضها عن تحسينها وترتيبها بواعث الاختلاف ولا اختلاف البواعث؛ ويطلع العلم الكريم على ورود مثال كريم، لولا زرقة طرسه وزرقة لبسه لقال:
وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ
«1» . تتضمّن ما كان حدث من رزء تلافى الله بتناسيه، وتوافى بعود الصبر فتولّى التسليم تليين تقاسيه وتمرين قاسيه؛ فشكرنا الله تعالى على ما أعطى وحمدناه على ما أخذ، وما قلنا: هذا جزع قد انتبه إلا وقلنا هذا تثبّت قد انتبذ، ولا توهّمنا أنّ فلذة كبد قد اختطفت إلا وشاهدنا حولنا من ذرّيتنا والحمد لله فلذ؛ وأحسنّا الاحتساب، ودخلت الملائكة علينا من كل باب، ووفّانا الله عز وجل أجر الصابرين بغير حساب؛ ولنا- والشكر لله- صبر جميل لا نأسف معه على فائت ولا نأسى على مفقود، وإذا علم الله سبحانه حسن الاستنابة إلى قضائه، والاستكانة إلى عطائه، عوّض كلّ يوم ما يقول المبشّر به: هذا مولى مولود. وليست الإبل بأغلظ أكبادا ممن له قلب لا يبالي بالصّدمات كثرت أو قلّت، ولا بالتّباريح حقرت أو جلّت، ولا بالأزمات إن هي توالت أو توّلت، ولا بالجفون إن ألقت بما فيها من الدّموع والهجوع وتخلّت؛ ويخاف من الدّهر من لا حلب أشطره، ويأسف على الفائت من لا بات بنبإ الخطوب الخطرة؛ على أنّ الفادح
بموت الولد الملك الصالح- رضي الله عنه وإن كان منكيا، والنافح بشجوه وإن كان مبكيا، والنائح بذلك الأسف وإن كان لنار الأسف مذكيا، فإن وراء ذلك من تثبيت الله عز وجل ما ينسفه نسفا، ومن إلهامه الصبر ما يجدّد لتمزيق القلوب أحسن ما به ترفى. وبكتاب الله تعالى وبسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم عندنا حسن اقتداء يضرب عن كلّ رثاء صفحا، وما كنّا مع ذلك- والمنة الله- نصغي لمن يؤنّب ويؤبّن أذنا، ولا نعيرها لمن يلحا إذ الولد الذاهب في رضوان الله تعالى سالكا طريقا لا عوج فيها ولا أمتا «1» ، وانتقل سارّا بارّا صالحا صالحا وما هكذا كلّ الموتى نعيا ونعتا، ولئن كان نفعنا في الدنيا فها نحن بالصّدقات والترحّم عليه ننفعه، وإذا كان الولد عمل أبيه وقد رفع الله تعالى روح ولدنا إلى أعلى علّيّين تحقّق أنه العمل الصالح يرفعه؛ وفيما نحن بصدده من اشتغال بالحروب، ما يهوّن ما يهول من الكروب؛ وفيما نحن عاكفون عليه من مكافحات الأعداء ما بين المرء وقلبه يحول، بل عن تخيّل أسف في الخاطر يجول.
إذا اعتاد الفتى خوض المنايا
…
فأهون ما تمرّ به الوحول!
فلنا بحمد الله تعالى ذرّية دريّة، وعقود والشكر لله كلّها درّيّة.
إذا سيّد منهم خلا قام سيّد
…
قؤول لما قال الكرام فعول!
ما منهم إلا من نظر سعده ومن سعده ينتظر، ومن يحسن أن يكون المبتدأ وأن يسدّ حاله بكفالته وكفايته مسدّ الخبر، (والشمس طالعة إن غيّب القمر) ؛ لا سيما من الذي يراد «2» هو صلاحه أعرف، ومن إذا قيل لبناء ملك هذا عليه قد وهي قيل هذا خير منه من أعلى بناء سعد أشرف. وعلى كل حال لا عدم إحسان العمل الذي يتنوّع في برّه؛ ويعاجل قضاء الحقوق فيساعف مرسومه في توصيله طاعة بحره وبرّه؛ وله الشكر على مساهمة المولى في الفرح والتّرح، ومشاركته في