الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لها الحين «1» ، وقيّض لها من اقتضى منها الدّين؛ فصبّحها بما ساء به صباحها.
وزعزعها بالزّئير الذي خرس له نباحها. وكان من خبرها أننا لما أطللنا عليها مغيرين، وأطفنا بها دائرين، ولكؤوس الحرب مديرين؛ تغلّبت الأنجاد والأبطال على الزّحف، وأعجل ارتياح النصر عن انتظام عقد الصّف؛ وانقضّوا عليها، انقضاض البزاة على طرائدها، وأسرعوا إليها، إسراع العطاش إلى مواردها؛ ورفعت الألوية خافقة كذوائب الضّرام «2» ، طالعة برسائل الحمام، مشيرة بالعذبات «3» إشارة لم يطمئنوا إليها بالسّلام؛ وجاءهم الموت من كلّ مكان، وأمطرت الشّهب من كل سنان؛ فرأوا مثواهم الحبيب، ومحلّهم الخصيب؛ وقد ركضت فيه خيول الغير، واعترضت فيه سيول العبر، وجرّدت فيه نصول القدر؛ والنار قد لعبت فيه مجدّه، واحمرّت فيه خدودها مخدّه «4» ؛ وأقواتهم المدّخره، وأموالهم المثمّره؛ نفلا «5» مباحا، وزبدا مطاحا؛ ومغنما مشاعا، ونهبا مضاعا؛ قد ملئت منه الرّحال وأخصبت، واتّسعت به الأيدي وضاقت به الأرض بما رحبت.
الأسلوب الثاني (أن تفتتح المكاتبة بلفظ الإصدار)
مثل: أصدرنا هذه المكاتبة، أو أصدرت، أو صدرت؛ ويؤتى على المقصود على ما تقدّم.
وهذه نسخة كتاب من هذا الأسلوب كتب به القاضي الفاضل «6» ، عن
السلطان «صلاح الدين يوسف بن أيوب» إلى أخيه سيف الإسلام سلطان اليمن، يستقدمه إليه معاونا له على قتال الفرنج خذلهم الله! ويبشّره بفتح كوكب «1» ، وصفد، والكرك في سنة أربع وثمانين وخمسمائة وهو:
«أصدرنا هذه المكاتبة إلى المجلس، ومما تجدّد بحضرتنا فتوح كوكب:
وهي كرسيّ الاستباريّة «2» ودار كفرهم، ومستقرّ صاحب أمرهم، وموضع سلاحهم وذخرهم؛ وكان بمجمع الطّرق قاعدا، ولملتقى السّبل راصدا؛ فتعلّقت بفتحه بلاد الفتح واستوطنت، وسلكت الطّرق فيها وأمنت وعمرت بلادها وسكنت؛ ولم يبق في هذا الجانب إلا صور، ولولا أن البحر ينجدها، والمراكب تردها؛ لكان قيادها قد أمكن، وجماحها قد أذعن؛ وما هم بحمد الله في حصن يحميهم، بل في سجن يحويهم؛ بل هم أسارى وإن كانوا طلقاء، وأموات وإن كانوا أحياء؛ قال الله عز وجل: فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا
«3» ولكلّ امرىء أجل لابدّ أن يصدقه غائبه، وأمل لابدّ أن يكذبه خائبه- وكان نزولنا على كوكب بعد أن فتحت صفد بلد الديوية ومعقلهم، ومشتغلهم وعملهم، ومحلّهم الأحصن ومنزلهم؛ وبعد أن فتحنا الكرك وحصونه؛ والمجلس السيفيّ «4» أسماه الله أعلم بما كان على الإسلام من مؤونته المثقلة، وقضيّته المشكلة، وعلّته المعضلة؛ وأن الفرنج- لعنهم الله- كانوا يقعدون منه مقاعد للسّمع، ويتبوّأون منه مواضع للنّفع، ويحولون بين قات (؟) وراكبها، فيذلّلون الأرض بما كانوا منه ثقلا على مناكبها؛
والآن ما أمن بلاد الهرمين، بأشدّ من أمن بلاد الحرمين؛ فكلّها كان مشتركا في نصرة المسلمين بهذه القلعة التي كانت ترامي ولا ترام، وتسامي ولا تسام؛ وطالما استفرغنا عليها بيوت الأموال، وأنفقنا فيها أعمار الرجال، وقرعنا الحديد بالحديد إلى أن ضجّت النّصال من النّصال؛ والله المشكور على ما انطوى من كلمة الكفر وانتشر من كلمة الإسلام. وإنّ بلاد الشام اليوم لا تسمع فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما. وكان نزولنا على كوكب والشتاء في كوكبه، وقد طلع بيمن الأنواء في موكبه؛ والثلوج تنشر على البلاد ملاءها الفضيض، وتكسوا الجبال عمائمها البيض؛ والأودية قد عجّت بمائها، وفاضت عند امتلائها؛ وشمخت أنوفها سيولا، فخرقت «1» الأرض وبلغت الجبال طولا؛ والأوحال قد اعتقلت الطّرقات، ومشى المطلق فيها مشية الأسير في الحلقات، فتجشّمنا العناء نحن ورجال العساكر، وكاثرنا العدوّ والزمان وقد يحرز الحظّ المكاثر؛ وعلم الله النية فأنجدنا بفضلها، وضمير الأمانة فأعان على حملها، ونزلنا من رؤوس الجبال بمنازل كان الاستقرار عليها أصعب من ثقلها، والوقوف بساحتها أهون من نقلها؛ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ
«2» .
والحمد لله ربّ الذي ألهمنا بنعمته الحديث، ونصر بسيف الإسلام الذي هو سيفه وسيف الإسلام الذي هو أخونا الطيب على الخبيث؛ فمدح السيف ينقسم على حدّيه، ومدح الكريم يتعدّى إلى يديه؛ والآن فالمجلس- أسماه الله- يعلم أن الفرنج لا يسلون «3» عما فتحنا، ولا يصبرون على ما جرحنا؛ فإنهم- خذلهم الله- أمم لا تحصى، وجيوش لا تستقصى؛ ووراءهم من ملوك البحر من يأخذ كلّ سفينة غصبا «4» ، ويطمع في كل مدينة كسبا؛ ويد الله فوق أيديهم، والله محيط
بأقربيهم وأبعديهم؛ وسَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً
«1» ، لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً
«2» وما هم إلا كلاب قد تعاوت «3» ، وشياطين قد تغاوت «4» ، وإن لم يقذفوا من كل جانب دحورا «5» ، ويتبعوا بكلّ شهاب ثاقب مدحورا، استأسدوا واستكلبوا، وتألّبوا وجلّبوا وأجلبوا «6» ، وحاربوا، وحزّبوا؛ وكانوا لباطلهم الداحض، أنصر منّا لحقّنا الناهض؛ وفي ضلالهم الفاضح، أبصر منا لهدانا الواضح. ولله درّ جرير حيث يقول:
إن الكريمة ينصر الكرم ابنها،
…
وابن اللئيمة للّئام نصور!
فالبدار إلى النّجدة البدار! والمسارعة إلى الجنة فإنها لا تنال إلا بإيقاد نار الحرب على أهل النّار؛ والهمّة الهمة! فإن البحار لا تلقى إلا بالبحار، والملوك الكبار لا يقف في وجوهها إلا الملوك الكبار:
وما هي إلا نهضة تورث العلا
…
ليومك ما حنّت روازم نيب! «7»
ونحن في هذه السنة- إن شاء الله تعالى- ننزل على أنطاكية، وينزل ولدنا الملك المظفّر- أظفره الله- على طرابلس؛ ويستقرّ الركاب العادليّ «8» - أعلاه
الله- بمصر؛ فإنها مذكورة عند العدو- خذله الله- بأنها تطرق، وأن الطلب على الشام ومصر تفرّق؛ ولا غنى عن أن يكون المجلس السيفيّ- أسماه الله- بحرا في بلاد الساحل يزخر سلاحا، ويجرّد سيفا يكون على ما فتحناه قفلا ولما لم يفتح بعد مفتاحا، فإنه ليس لأحد ما للأخ من سمعة لها في كل مسمع سمعه «1» ، وفي كل روع روعه «2» ؛ وفي كل محضر محضر «3» ، وفي كل مسجد منبر، وفي كل مشهد مخبر؛ فما يدعى العظيم إلا للعظيم «4» و [لا يرجى]«5» لموقف الصبر الكريم إلا الكريم [هذا]«6» والأقدار ماضيه، وبمشيئة الله جاريه؛ فإن يشإ الله ينصر على العدو المضعّف، بالعدد الأضعف؛ ويوصّل إلى الجوهر الأعلى بالعرض الأدنى؛ فإنا لا نرتاب بأن الله ما فتح علينا هذه الفتوح ليغلقها، ولا جمع علينا هذه الأمة ليفرّقها؛ وأن العدوّ إن خرج من داره بطرا «7» ، ودخل إلى دارنا كان فيها جزرا «8» ؛ وما بقي إن شاء الله إلا أموال تساق إلى ناهبها، ورقاب تقاد إلى ضاربها، وأسلحة تحمل إلى كاسبها؛ وإنما نؤثر أن لا تنطوي صحائف الحمد خالية من اسمه، ومواقف الرشد خاوية من عزمه؛ ونؤثر أن يساهم آل أيّوب في ميراثهم منه مواقع الصبر، ومطالع النصر؛ فو الله إنا على أن نعطيه عطايا الآخرة الفاخرة، أشدّ منّا حرصا عى أن نعطيه عطايا الدنيا القاصرة؛ وأنا لا يسرّنا أن ينقضى عمره في قتال غير الكافر، ونزال غير الكفء المناظر؛ ولا شكّ أن سيفه لو اتصل بلسان ناطق وفم، لقال ما دمت هناك فلست ثمّ «9» ؛ وما هو محمول على خطّة يخافها، ولا