الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المهيع الثالث (في المكاتبات إلى من بجزيرة العرب مما هو خارج عن مضافات الديار المصرية، وفيه جملتان)
الجملة الأولى (في المكاتبات إلى ملوك اليمن، وهم فرقتان)
الفرقة الأولى (أئمة الزيدية)
قال المقرّ الشهابيّ بن فضل الله في «التعريف» : وهو من بقايا الحسنيّين القائيمن بآمل الشّطّ «1» من بلاد طبرستان، وقد كان سلفهم جاذب الدولة العباسية حتّى كاد يطيح رداءها، ويشمت بها أعداءها. وهذه البقية الآن بصنعاء وبلاد حضر موت وما والاها من بلاد اليمن. قال: والإمامة الآن فيهم في بني المطهّر، وتقدّم في المقالة الثانية في الكلام على المسالك والممالك أن أوّل من قام من هذه الأئمة باليمن الإمام (يحيى الهادي) بن الحسين الزاهد، بن أبي محمد القاسم الرّسّيّ، بن إبراهيم طباطبا، بن إسماعيل الدّيباج، بن إبراهيم «2» الغمر، بن الحسين المثنّى، بن الحسن السّبط، ابن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي
الله عنه، في سنة ثمان وثمانين ومائتين في خلافة [المعتضد]«1» ؛ وأنه كان فقيها عالما مجتهدا في الأحكام، حتّى قال فيه ابن حزم «2» : إنه لم يبعد عن الجماعة في الفقة كلّ البعد. ثم [ولي بعده ابنه محمد المرتضى وتمّت له البيعة فاضطرب الناس عليه واضطرّ إلى تجريد السيف فجرده ومات سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة لثنتين وعشرين سنة من ولايته و]«3» ولي بعده أخوه (أحمد الناصر) ثم أخوه (القاسم المختار)«4» ثم (الحسين المنتجب) . واطّرد أمرهم بصنعاء إلى أن غلب عليهم السّليمانيّون أمراء مكة عند خروجهم منها، فاستقرّت بأيديهم إلى أن ملك اليمن من جهة الساحل (أحمد الموطّيء) بن الحسين المنتجب المقدّم ذكره، وذلك في أيام سيف الإسلام ابن أيوب سنة خمس وأربعين وستمائة. وبقي أمر الزيديّة هناك في عقبه.
وقد ذكر المقرّ الشهابيّ بن فضل الله أن الإمامة في زمانه، في الدولة الناصرية ابن قلاوون كانت في (حمزة) وذكر في «مسالك الأبصار» أنّ يحيى بن حمزة ولّي بعد أبيه، وكان في زمن المؤيّد داود بن يوسف صاحب اليمن. وذكر قاضي القضاة ابن خلدون أن الإمام قبل الثمانين والسبعمائة كان (عليّ بن محمد) من أعقابهم، وتوفّي قبل الثمانين. وولي ابنه (صلاح) وتابعه الزيدية، وكان بعضهم ينكر إمامته لعدم استكمال الشروط فيه فيقول:«أنا لكم ما شئتم إمام أو سلطان» . ثم مات سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة، وقام بعده ابنه (نجاح) فامتنع الزيديّة من بيعته فقال: أنا «محتسب لله تعالى» . قال في «التعريف» : وأمراء
مكة تسرّ طاعته، ولا تفارق جماعته. قال: ويكون بين هذا الإمام وبين الملك الرّسوليّ باليمن مهادنات، ومفاسخات تارة وتارة. قال: وهذا الإمام وكلّ من كان قبله على طريقة ما غيّروها. وهي إمارة أعرابية لا كبر في صدورها، ولا شمم في عرانينها «1» ؛ وهم على مسكة من التقوى، وتردّ بشعار الزّهد؛ يجلس في نديّ قومه كواحد منهم، ويتحدّث فيهم ويحكم بينهم، سواء عنده المشروف والشريف، والقويّ والضعيف؛ وربما اشترى سلعته بيده، ومشى في أسواق بلده، لا يغلّط الحجاب، ولا يكل الأمور إلى الوزراء والحجّاب، يأخذ من بيت المال قدر بلغته من غير توسّع، ولا تكثّر غير مشبع؛ هكذا هو وكل من سلف قبله مع عدل شامل، وفضل كامل. قال: في «مسالك الأبصار» : ولشيعة هذا الإمام فيه حسن الاعتقاد، حتّى إنهم يستشفون بدعائه، ويمرّون يده على مرضاهم، ويستسقون به المطر إذا أجدبوا، ويبالغون في ذلك كلّ المبالغة. ثم قال: ولا يكبر لإمام هذه سيرته- في التواضع لله، وحسن المعاملة لخلقه، وهو من ذلك الأصل الطاهر والعنصر الطّيّب- أن يجاب دعاؤه ويتقبّل منه. قال: وزيّ هذا الإمام وأتباعه زيّ العرب في لباسهم والعمامة والحنك، وينادى عندهم بالأذان «حيّ على خير العمل» .
ورسم المكاتبة إليه على ما ذكره في «التعريف» : أدام الله تعالى أو ضاعف الله تعالى نعمة، أو جلال الجانب الكريم، العالي، السّيديّ، الإماميّ، الشريفيّ، النّسيبيّ، الحسيبيّ، العلّاميّ، سليل الأطهار، جلال الإسلام، شرف الأنام، بقيّة البيت النبويّ، فخر النّسب العلويّ، مؤيّد أمور الدّين، خليفة الأئمة، رأس العلياء، صالح الأولياء، علم الهداة، زعيم المؤمنين، ذخر المسلمين، منجد الملوك والسلاطين. ولا زال زمانه مربعا، وغيله مسبعا، وقراه مشبعا، وكرمه لفيض نداه منبعا، وهداه حيث أمّ بالصّفوف متّبعا، وملكه المجتمع باليمن لو أدركه
سيف بن ذي يزن «1» لم يكن إلا لديه منتضى وتبّع «2» لم يكن له إلا تبعا. ولا فتئت معاقد شرفه بالجوزاء، وعقائد حبّه تعدّ لحسن الجزاء، ومعاهد وطنه آهلة بكثرة الأعزّاء، ومياسم أهل ولائه تعزّ إليه بالاعتزاء، ومباسم ثغور أودّائه «3» ضاحكة السّيوف في وجوه الأرزاء؛ هذه النّجوى إلى روضه الممرع وإلا فما تزمّ «4» الرّكائب، وإلى حوضه المترع وإلا فما الحاجة إلى السّحائب؛ وإلى حماه المخصب وإلا ففيم يسري الرائد، وإلى مرماه المطنّب فوق السماء وإلّا إلى أين يريد الصاعد؛ تسري ولها من هادي وجهه دليل، وفي نادي كرمه مقيل، وإلى بادي حرمه وما فيه للعاكف، وإلى عالي ضرمه ما لا ينكره العارف، وفي آثار قدمه ما يحكم به كل عائف؛ وفي بدار خدمه ما يذر عداه كرماد اشتدّت به الرّيح في يوم عاصف. مبدية وأوّل ما تبدأ بسلام يقدّمه على قول كيت وكيت، وثناء ولا مثل
قوله: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ
«1» صدر آخر- ولا عطّل محراب هو إمامه، ولا بطل عمل هو تمامه، ولا جفّ ثرى نبات هو غمامه، ولا خفّ وقار امريء بيده المصرّفة زمامه، ولا ارتدّ مضرب سيف رؤوس أعاديه كمامه؛ ولا ارتأى في حصول الخيرة له من كان إلى كنفه انضمامه. وأطال الله باع عليائه، وأطاب بأنبائه سماع أوليائه، وأدام إجماع السّرور عليه، ومصافاته لأصفيائه وتراميه إليه. صدرت بها الركائب إليه مخفّة، وسرت بها النجائب لتقف عليه والقلوب بها محفّة «2» ؛ وأهوت لديه يشمخ بها لوصولها إليه الكبر، وطوت إليه البيد طيّ الشّقّة تقيسها المطايا بالأذرع والثّريّا بالشّبر؛ تأتي بالعجب إذ تجلب إليه المسك الأذفر «3» ، وتجلو له الصّباح وما لاح والليل وما أسفر؛ وتحلّ في مقرّ إمامته، وتحلّي العاطل بما نثره من الطّلّ صوب غمامته؛ موصّلة لعلمه ما لا يقطع، ومضوّعة عنده من عنبر الشّحر «4» ما يستبضع، ومعلمة له كيت وكيت.
قلت: هذا ما أصّله في «التعريف» وحاصله أنه يأتي بالصّدر المقدّم ذكره إلى قوله: «منجد الملوك والسلاطين» ، ثم يأتي بالدعاء المناسب؛ ثم يقول:
«هذه النجوى» إلى آخره «مبدية لعلمه» أو «معلمة» أو «صدرت بها الركائب» ونحو ذلك.
ثم لم يتعرّض في «التعريف» لقطع الورق الذي يكتب إليه فيه، ولا للعلامة له، ولا لعنوان كتابه، ولا لتعريفه، ونبّه على ذلك في «التثقيف» وأنه
أهمل ذلك ثم لم ينبّه هو عليه. وقد رأيت في دستور منسوب للمقرّ العلائيّ بن فضل الله بيان ما أهملاه من ذلك فقال: والخطاب له بمولانا الإمام، والطلب منه «والمسؤول» وختم الكتاب بالإنهاء، والعنوان بالألقاب والدعاء المقدّم ذكره، والعلامة «الخادم» .
وقد ذكر في «التعريف» أنه وصل إلى الديار المصرية، في الأيام الناصرية «محمد بن قلاوون» سقى الله عهده رسول من هذا الإمام [ابن مطهّر إمام الزيدية]«1» من صنعاء، بكتاب منه يقتضي الاستدعاء. أطال فيه الشّكوى من صاحب اليمن، وعدّد قبائحه، ونشر على عيون الناس فضائحه، واستنصر بمدد يأتي تحت الأعلام المنصورة لإجلائه عن دياره، وإجرائه مجرى الذين ظلموا في تعجيل دماره؛ وقال: إنه إذا حضرت الجيوش المؤيّدة قام معها، وقاد إليها الأشراف والعرب أجمعها؛ ثم إذا استنقذ منه ما بيده أنعم عليه ببعضه، وأعطي منه ما هو إلى جانب أرضه. ثم قال: فكتبت إليه مؤذنا بالإجابة، مؤدّيا إليه ما يقتضي إعجابه؛ وضمن الجواب أنه لا رغبة [لنا]«2» في السلب، وأنّ النّصرة تكون لله خالصة وله كلّ البلاد لا قدر ما طلب.
وهذه نسخته:
ضاعف الله تعالى جلال الجانب- بالألقاب والنعوت- وأعزّ جانبه عزّا تعقد فواضله بنواصي الخيل، وصياصي «3» المعاقل التي لم يطلع على مثلها سهيل «4» ؛ وأقاصي الشرف الذي طلع منه في الطّوق وتمسّك سواه بالذّيل؛ وقدّمه للمتقين إماما، وجعله للمستقين غماما، وشرّفه على المرتقين في علا النسب العلويّ ونوّره وصوّره تماما، ومنّ على اليمن بيمنه، وأعلم بصنعاء حسن صنيعه وبحضر موت
[حضور]«1» موت أعدائه، وبعدن أنّها مقدّمة لجنّات عدنه؛ ولا زالت الآفاق تؤمّل من فيضه سحابا دانيا، وتتهلّل إذا شامت له برقا يمانيا، وتتنقّل في رتب محامده ولا تبلغ من المجد ما كان بانيا.
هذه النجوى وكفى بها فيما يقدّم بين يديها، ويقوّم ولا يقوم من كلّ غالي الثمن ما عليها؛ تطوي المراحل «2» ، وتجوب البرّ والبلد الماحل، وتثب إليه البحار وتقذف منها العنبر إلى الساحل؛ وترسي به سفنها، وتحط إليه بل تخط لديه مدنها؛ وتؤذن علمه- سره الله- بما لم يحل إليه من نظر، ولم يخل منه من سبب ألف به النّوم أو نفر، ورود وارد رسوله فقال: يا بشراي ولم يقل هذا غلام، ووصوله بالسلامة والسلام؛ وما تضمّنه ما استصحب منه من صحيفة كلّها كرم، وأخبار صحيحة كلّها مما لو قذف به الماء لاضطرم، ذكر فيها أمر المتغلّب العادي، [والصاحب الذي يفعل فعل الأعادي]«3» ، والجار الذي جار والظالم البادي، وما مدّ الأيدي إليه من النّهاب وما اختطف به القلوب من الإرهاب؛ وتحدّث عن أخباره وعندنا علمه، وأخبر عن أفعاله مما له أجر الصبر عليه وعليه ظلمه، وقصّ رسوله القصص، وزاد الشّجى وضيّق مجال الغصص، وأطار من وكر هذا العدوان طائرا كأنما كان في صدره، وحرّك منه لأمر كان يتجرّع له كأس صبره؛ وقد أسمع الدّاعي، وأسرع الساعي؛ وبلّغ الأمانة حاملها، وأوصل الكلمة قائلها؛ ومرحبا مرحبا بداعي القيام من قبله، وأهلا أهلا بما بلّغ على ألسنة رسله؛ وهلمّ هلمّ إلى قلع هذه الشجرة التي لم ينجب ظنّ غارسها، وقطع هذه الصّخرة التي لم تنصب إلا مزلفة لدائسها؛ والتعاضد التعاضد لما هتف به هاتفه الصارخ، وسمعه حتّى الرمح الأصمّ والسيف المتصاوخ «4» ، فليأخذ لهذا الأمر الأهبة، وليشدّ عليه فقد