المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌غزوة بدر الكبرى - صحيح الأثر وجميل العبر من سيرة خير البشر (صلى الله عليه وسلم)

[محمد بن صامل السلمي]

فهرس الكتاب

- ‌المقدمة

- ‌التمهيد

- ‌تعريف السيرة النبوية

- ‌السيرة لغة

- ‌السيرة اصطلاحًا

- ‌أهداف ومقاصد دراسة السيرة النبوية

- ‌النطاق الزماني للسيرة النبوية

- ‌النطاق المكاني للسيرة النبوية

- ‌عالمية الرسالة المحمدية

- ‌مصادر السيرة

- ‌1 - القرآن الكريم

- ‌2 - كتب السنة النبوية وشروحها

- ‌3 - كتب السيرة المختصة

- ‌4 - كتب الدلائل والشمائل المحمدية

- ‌5 - كتب تراجم الصحابة

- ‌6 - كتب التاريخ العام المدونة على الحوليات أو على الموضوعات

- ‌7 - كتب تاريخ الحرمين الشريفين

- ‌8 - كتب الأدب والشعر العربي

- ‌أقسام السيرة النبوية

- ‌القسم الأول: تاريخ حياته صلى الله عليه وسلم قبل النبوة

- ‌القسم الثاني: تاريخ حياته صلى الله عليه وسلم من البعثة إِلى الهجرة

- ‌القسم الثالث: تاريخ حياته صلى الله عليه وسلم من الهجرة حتى الوفاة

- ‌والسيرة النبوية بالنظر إِلى موضوعاتها ثلاثة أنواع:

- ‌النوع الأول: الشمائل والأخلاق النبوية

- ‌النوع الثاني: دلائل النبوة والمعجزات

- ‌فوائد معرفة الدلائل:

- ‌النوع الثالث: السير والمغازي

- ‌ثمرات دراسة السيرة النبوية

- ‌جغرافية بلاد العرب

- ‌مكانة مكة المشرفة وحرمتها

- ‌أصول العرب وقبائلهم

- ‌شجرة نسب الرسول صلى الله عليه وسلم إِلى قصي

- ‌شجرة نسب الرسول صلى الله عليه وسلم إلى مضر

- ‌أحوال العرب قبل البعثة النبوية

- ‌1 - الأحوال السياسية

- ‌2 - الأحوال الدينية

- ‌3 - الأحوال الاجتماعية والأخلاقية

- ‌دروس وعبر:

- ‌الفصل الأول: الرسول صلى الله عليه وسلم من مولده إلى بعثته

- ‌الرسول صلى الله عليه وسلم من مولده إلى بعثته

- ‌نسبه صلى الله عليه وسلم

- ‌أسرته صلى الله عليه وسلم

- ‌ شرف عبد المطلب في قومه

- ‌الأول: حفر بئر زمزم

- ‌الثاني: حادثة الفيل

- ‌الثالث: نذر عبد المطلب

- ‌دروس وعبر:

- ‌مولده ورضاعة صلى الله عليه وسلم:

- ‌حادثة شق صدره صلى الله عليه وسلم:

- ‌وفاة أمّه وَجَدّه صلى الله عليه وسلم:

- ‌كفالة عمه أبي طالب:

- ‌دروس وعبر:

- ‌حفظ الله لرسوله صلى الله عليه وسلم من أوضار الجاهلية

- ‌مشاركاته صلى الله عليه وسلم في الأعمال العامة

- ‌1 - حرب الفجار:

- ‌2 - حلف الفضول:

- ‌3 - بناء الكعبة المشرفة:

- ‌حياته صلى الله عليه وسلم الخاصة

- ‌دروس وعبر:

- ‌إرهاصات النبوة وبشائر الخير

- ‌1 - بشارات الأنبياء السابقين به:

- ‌2 - إِخبار اليهود عن بعثته صلى الله عليه وسلم:

- ‌3 - تسليم الحجر عليه بالنبوة قبل البعثة:

- ‌4 - إخبار الكهان والجان ببعثته صلى الله عليه وسلم:

- ‌5 - الرؤيا الصادقة:

- ‌6 - حادثة شق الصدر:

- ‌الفصل الثاني: الرسول صلى الله عليه وسلم من البعثة إلي الهجرة

- ‌الرسول صلى الله عليه وسلم من البعثة إلى الهجرة

- ‌أول نزول القرآن في شهر رمضان:

- ‌شدة الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم وتثبيت خديجة له:

- ‌فترة الوحي:

- ‌الدعوة السرية:

- ‌الدعوة الجهرية:

- ‌ما لقيه النبيّ صلى الله عليه وسلم من أذى المشركين:

- ‌شدة طغيان كفار قريش:

- ‌دروس وعبر:

- ‌الهجرة إلى الحبشة وأسبابها

- ‌إِسلام حمزة رضي الله عنه:

- ‌إِسلام عمر رضي الله عنه:

- ‌صحيفة المقاطعة:

- ‌موت أبي طالب عمّ النبيّ صلى الله عليه وسلم:

- ‌موت خديجة بنت خويلد زوج النبيّ صلى الله عليه وسلم:

- ‌دروس وعبر:

- ‌خروج النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى الطائف

- ‌استماع الجنّ لقراءة النبيّ صلى الله عليه وسلم

- ‌دروس وعبر:

- ‌الإسراء والمعراج

- ‌دروس وعبر:

- ‌انشقاق القمر

- ‌تعرضُه صلى الله عليه وسلم للقبائل في المواسم

- ‌حديث سويد بن الصامت وإِسلام إِياس بن معاذ:

- ‌بدء إسلام الأنصار:

- ‌بيعة العقبة الأولى:

- ‌بيعة العقبة الثانية:

- ‌دروس وعبر:

- ‌الفصل الثالث: الهجرة وترتيب أوضاع المدينة النبوية

- ‌الهجرة وترتيب أوضاع المدينة النبوية

- ‌الهجرة إِلى المدينة النبوية:

- ‌وكان من أسباب الهجرة

- ‌هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم:

- ‌في خيمة أمّ معبد:

- ‌دروس وعبر:

- ‌دخوله عليه الصلاة والسلام المدينة:

- ‌استقراره عليه الصلاة والسلام بالدينة:

- ‌تنظيم المجتمع وبناء المؤسسات

- ‌1 - بناء المسجد:

- ‌2 - المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار:

- ‌3 - موادعة اليهود في المدينة

- ‌وقد تضمنت الوثيقة بنودًا عدّة، منها:

- ‌1 - أنّ اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين

- ‌2 - أن يهود بني عوف أمّة مع المؤمنين

- ‌3 - لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم

- ‌4 - إِلا من ظلم وأثم، فإِنّه لا يوتغ إِلا نفسه وأهل بيته

- ‌5 - أنّه لا تُجار قريشٌ ولا من نصرها

- ‌6 - وإنّه لا يأثم امرؤ بحليفه

- ‌7 - وإِن النصر للمظلوم

- ‌8 - وإِنّ يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة

- ‌9 - وأنه لا يخرج أحد من اليهود إِلا بإِذن النبيّ صلى الله عليه وسلم

- ‌4 - كتابة عهد وميثاق ينظم علاقة المسلمين بعضهم ببعض:

- ‌5 - تأسيس الجيش الإسلامي:

- ‌دروس وعبر:

- ‌أحداث السنة الأولى من الهجرة

- ‌1 - إسلام عبد الله بن سلام حبر اليهود

- ‌2 - موت أسعد بن زُرارة نقيب بني النجّار

- ‌3 - مولد عبد الله بن الزبير بن العوام:

- ‌4 - بناؤه صلى الله عليه وسلم بعائشة رضي الله عنها:

- ‌5 - زيادة ركعتين في صلاة الحضر:

- ‌6 - تشريع الأذان:

- ‌بعض التشريعات والأحداث في السنة الثانية للهجرة

- ‌1 - تحويل القبلة:

- ‌2 - فرض صيام شهر رمضان:

- ‌3 - فرض الزكاة ذات الأنصبة:

- ‌4 - وفاة رقية بنت النبي صلى الله عليه وسلم وزواج عثمان بأختيها أم كلثوم

- ‌5 - زواج علي بن أبي طالب من فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌دورس وعبر:

- ‌الفصل الرابع: الجهاد النبوي(المرحلة الأول)

- ‌الجهاد النبوي (المرحلة الأولى)

- ‌السياسة النبوية تجاه قريش:

- ‌1 - السرايا والغزوات:

- ‌2 - عقد المعاهدات:

- ‌أهداف السرايا والغزوات:

- ‌السرايا والغزوات قبل غزوة بدر

- ‌أولًا: السرايا الأولى:

- ‌1 - سرية حمزة بن المطلب رضي الله عنه

- ‌2 - سرية عبيدة بن الحارث رضي الله عنه

- ‌3 - سرية سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه

- ‌4 - سرية عبد الله بن جحش الأسدي رضي الله عنه

- ‌ثانيًا: الغزوات:

- ‌2 - غزوة بُوَاط

- ‌3 - غزوة بدر الأولى

- ‌4 - غزوة العُشَيْرَة

- ‌دروس وعبر

- ‌غزوة بدر الكبرى

- ‌دروس وعبر:

- ‌غزوة بني قينقاع

- ‌دروس وعبر:

- ‌غزوة أُحُد

- ‌دروس وعبر:

- ‌من آثار غزوة أحد:

- ‌ بعثين للدعوة إِلى الله ونشر الإِسلام

- ‌الأول: بعث الرجيع

- ‌الثاني: بعث بئر معونة

- ‌دروس وعبر:

- ‌غزوة بني النضير

- ‌دروس وعبر:

- ‌غزوة ذات الرقاع

- ‌دروس وعبر:

- ‌غزوة بدر الصغرى

- ‌دروس وعبر:

- ‌غزوة بني المصطلق

- ‌وفي هذه الغزوة ظهر كيد المنافقين من خلال حدثين عظيمين:

- ‌الأول: إِثاوة العصبية الجاهلية والتطاول على رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌الثاني: حديث الإفك على أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها

- ‌دروس وعبر:

- ‌غزوة الأحزاب (الخندق)

- ‌غزوة بني قريظة

- ‌دروس وعبر:

- ‌غزوة بني لحيان

- ‌غزوة الغابة

- ‌صلح الحديبية

- ‌بيعة الرضوان

- ‌دروس وعبر:

- ‌غزوة خيبر

- ‌دروس وعبر:

- ‌الفصل الخامس: انتشار الإسلام ودخول الناس في دين الله أفواجا

- ‌الجهاد النبوي (المرحلة الثانية)

- ‌نشر الدعوة الإِسلامية:

- ‌دروس وعبر:

- ‌غزوة مؤتة

- ‌دروس وعبر

- ‌فتح مكة المشرفة

- ‌دروس وعبر:

- ‌غزوة حنين

- ‌غزوة الطائف وحصارها

- ‌تقسيم غنائم حنين

- ‌دروس وعبر:

- ‌غزوة تبوك

- ‌الوصول إلى تبوك:

- ‌بعث خالد إِلى دُومة الجندل:

- ‌مسجد الضرار:

- ‌استقبال المدينة لرسول الله صلى الله عليه وسلم:

- ‌أصناف الذين تخلفوا عن غزوة تبوك:

- ‌دروس وعبر:

- ‌عام الوفود

- ‌ومن أسباب كثرة الوفود في العام التاسع وما بعده:

- ‌نماذج من الوفود:

- ‌1 - وفد بني تميم

- ‌2 - وفد عبد القيس

- ‌3 - وقد ثقيف

- ‌4 - وفد بني حنيفة:

- ‌5 - وفد نجران

- ‌6 - وفد بني عامر بن صعصعة

- ‌7 - وفد طيء

- ‌8 - وفد دوس

- ‌9 - وفد الأشعريين من اليمن

- ‌10 - وفادة فروة بن مُسِيك المرادي

- ‌11 - جرير بن عبد الله البجلي

- ‌12 - وفد بَلِيّ

- ‌دروس وعبر:

- ‌حج أبي بكر الصديق رضي الله عنه

- ‌حجة الوداع

- ‌دروس وعبر:

- ‌وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم ووصاياه وشمائله وخصائصه وزوجاته

- ‌مقدمات الوفاة:

- ‌مرض النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌خطبة النبي صلى الله عليه وسلم الأخيرة (سببها ومضمونها):

- ‌آخر وصايا النبي صلى الله عليه وسلم:

- ‌اللحظات الأخيرة:

- ‌هل أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخلافة لأحد

- ‌اجتماع الأنصار في سقيفة بني ساعده:

- ‌صفات الرسول صلى الله عليه وسلم الخلقية وأخلاقه وشمائله:

- ‌أما أخلاقه

- ‌خصائصه صلى الله عليه وسلم

- ‌بيوته وأدواته صلى الله عليه وسلم:

- ‌زوجاته صلى الله عليه وسلم الطاهرات رضي الله عنهن:

- ‌1 - خديجة بنت خويلد القرشية الأسدية رضي الله عنها

- ‌2 - سودة بنت زمعة القرشية، العامرية رضي الله عنها

- ‌3 - عائشة بنت أبي بكر الصديق القرشية التيمية رضي الله عنها

- ‌4 - حفصة بنت عمر بن الخطاب القرشية العدوية رضي الله عنها

- ‌5 - زينب بنت خزيمة الهلالية من هوازن رضي الله عنها

- ‌6 - أم سلمه هند بنت أبي أمية القرشية المخزومية رضي الله عنها

- ‌7 - زينب بنت جحش من بني أسد بن خزيمة رضي الله عنها

- ‌8 - جويرية بنت الحارث الخزاعية المصطلقية رضي الله عنها

- ‌9 - أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان القرشية الأموية رضي الله عنها

- ‌10 - صفية بنت حيي بن أخطب النضرية الإِسرائيلية رضي الله عنها

- ‌11 - ميمونة بنت الحارث الهلالية من هوازن رضي الله عنها

- ‌12 - مارية القبطية المصرية رضي الله عنها

- ‌الحكمة من تعدد زوجات النبي صلى الله عليه وسلم:

- ‌فهرس المصادر والمراجع

الفصل: ‌غزوة بدر الكبرى

5 -

اقتصرت السرايا والغزوات السابقة على المهاجرين دون الأنصار من أجل إِحياء قضيتهم في نفوسهم وفي نفوس غيرهم، لأن المهاجرين أصحاب حق سليب، أخوجوا من ديارهم ظلمًا وعدوانًا، وهم أولى الناس بالانتصار ممن ظلمهم (1)، قال الله تعالى:{أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} (2). ولأن البيعة مع الأنصار مختصة بالحماية في المدينة.

6 -

حرص الرسول صلى الله عليه وسلم على اكتشاف قدرات أصحابه العسكرية والسياسية والإدارية، من خلال تنويعه في اختيار قادة السرايا، ومن خلال تعدد نوابه الذين يستخلفهم على المدينة عند خروجه غازيًا صلى الله عليه وسلم.

7 -

جواز قتال الكفار المحاربين في الأشهر الحرم، وهذا ما دلت عليه سرية عبد الله بن جحش رضي الله عنه، وما تلاها من غزوات رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن تعظيم حرمة تلك الأشهر باقٍ وإِن أبيح فيها القتال (3).

‌غزوة بدر الكبرى

كانت في شهر رمضان من السنة الثانية من الهجرة، حيث جاءت الأخبار إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قافلة قريش التي أفلتت من المسلمين في غزوة العشيرة -وهي ذاهبة إِلى الشام- قد بدأت رحلة العودة إِلى مكة بقيادة أبي سفيان، فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان

(1) محمَّد عبد القادر أبو فارس: السيرة النبوية دراسة تحليلية 327.

(2)

سورة الحج، آية 39 - 40.

(3)

محمود العيساوى، فقه الغزوات 70؛ بريك العمري، السرايا والبعوث النبوية 106.

ص: 196

حاضرًا من أصحابه للخروج لتلقي القافلة، وقال عليه الصلاة والسلام:(هذه عير قريش فيها أموالهم فاخرجوا إِليها لعل الله ينفلكموها)(1)، وكان أبو سفيان لما اقترب من مناطق نفوذ المسلمين غربي المدينة، جعل يتحسس الأخبار حتى علم بخروج المسلمين لأخذ القافلة، فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري وبعثه إِلى مكة يستنفر قريشًا، لنجدة القافلة، فتجهزت قريش وخرجت لملاقاة المسلمين وهي تقول: أيظن محمَّد وأصحابه أن تكون كعير ابن الحضرمي (2)، كلَّا والله ليعلمن غير ذلك (3). لقد خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة يريد قافلة قريش ومعه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلًا من أصحابه رضوان الله عليهم، كما ثبت عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: (لما كان يوم بدر نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إِلى المشركين وهم ألف وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلًا

) (4).

لقد كان هدف المسلمين هو قافلة قريش لكن الله سبحانه وتعالى أراد لهم أمرًا آخر، أراد لهم التمكين في الأرض، والانتصار ممن حادَّ الله ورسوله، فعن كعب بن مالك رضي الله عنه قال: (

إِنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد عير قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد) (5). قال تعالى: {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (5) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (6) وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (7) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ} (6).

(1) ابن هشام، السيرة 1/ 401.

(2)

هو الذي قتله المسلمون في سرية عبد الله بن جحش رضي الله عنه إلى وادي نخلة.

(3)

ابن هشام، السيرة 1/ 403.

(4)

صحيح مسلم بشرح النووي 12/ 84.

(5)

صحيح البخاري مع الفتح 7/ 285.

(6)

سورة الانفال، الآيات 5 - 8.

ص: 197

وعند علم رسول الله صلى الله عليه وسلم فوات عير قريش أراد الاستيثاق من أمر الأنصار الذين كانوا قد وعدوه في بيعة العقبة أن ينصروه داخل المدينة، فكان يقول: أشيروا علي أيها الناس، وهو يريد الأنصار، فقال له سعد بن معاذ رضي الله عنه: (والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال أجل، قال: فقد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا، على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، وما تخلف منا رجل واحد وما نكره أن تلقى بنا عدونا، وإِنا لَصُبُرٌ في الحرب، صُدُقٌ في اللقاء. لعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله.

فَسُرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول سعد ونشَّطَهُ. ثم قال: سيروا وأبشروا، فإِن الله تعالى قد وعدني إِحدى الطائفتين، والله لكأني الآن انظر إِلى مصارع القوم (1).

فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إِلى بدر وهناك علم أن عير قريش قد نجت وأن جيشهم قد نزل ببدر، وفي ذلك يقول الحق سبحانه وتعالى:{إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ} (2).

(1) ابن هشام، السيرة 1/ 408، وانظر: صحيح مسلم بشرح النووي 12/ 142، وعنده: أن القائل سعد بن عبادة.

(2)

سورة الأنفال، آية 42.

ص: 198

خريطة موقعة بدر

وعن ليلة السابع عشر من رمضان، وهي ليلة بدر يحدثنا علي رضي الله عنه فيقول:(لقد رأيتنا يوم بدر، وما منا إِلا نائم، إِلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإِنه كان يصلي إِلى شجرة ويدعو حتى أصبح، فلما طلع الفجر نادى، الصلاة عباد الله، فجاء الناس فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وحرض على القتال (1).

(1) البنا، الفتح الرباني في ترتيب مسند الإِمام أحمد 21/ 39.

ص: 199

ومِن دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر ما رواه عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: (لما كان يوم بدر نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إِلى المشركين وهم ألف، وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلًا، فاستقبل نبي الله صلى الله عليه وسلم القبلة ثم مَدّ يديه فجعل يهتف بربه: اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آت ما وعدتني، اللهم إِن تهلك هذه العصابة من أهل الإِسلام لا تعبد في الأرض، فمازال يهتف بربه مادًا يديه مستقبلًا القبلة حتى سقط رداءه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه ثم التزمه من ورائه وقال: يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك فإِنه سينجز لك ما وعدك، فأنزل الله عز وجل: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ} (1). فأمده الله بالملائكة (2).

وعن الحكمة من اشتراك الملائكة في القتال يوم بدر بهذا العدد الكبير، مع أن جبريل عليه السلام قادرٌ على إِهلاك المشركين بريشة من جناحه يقول الشيخ تقي الدين السبكي:(سُئلت عن الحكمة في قتال الملائكة مع النبي صلى الله عليه وسلم، مع أن جبريل قادر على أن يدفع الكفار بريشة من جناحه، فقلت: وقع ذلك لإِرادة الله أن يكون الفعل من النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وتكون الملائكة مددًا على عادة الجيوش، رعايةً لصورة الأسباب وسننها التي أجراها الله تعالى في عباده، والله تعالى هو مالك الجميع، والله أعلم)(3).

ولما بدأ القتال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يباشر القتال بنفسه وفي ذلك يقول علي رضي الله عنه: (لقد رأيتنا يوم بدر ونحن نلوذ برسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أقربنا إِلى العدو، وكان من أشد الناس بأسًا)(4).

(1) سورة الأنفال، آية 9.

(2)

صحيح مسلم بشرح النووي 12/ 85.

(3)

ابن حجر: فتح البارى 7/ 364.

(4)

أحمد بن حنبل، المسند (تحقيق أحمد شاكر) 2/ 228.

ص: 200

وكعادة القتال في ذلك العصر فقد بدأت المعركة بالمبارزة، حيث خرج من قريش عتبة بن ربيعة وأخوه شيبة وابنه الوليد بن عتبة، فتصدى لهم من المسلمين حمزة بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب وعبيدة بن الحارث رضي الله عنهم، فقتلوهم وكبَّر المسلمون، ثم التحم الجيشان، ودارت الدائرة على قريش فُقتل أبو جهل بعد أن انقض عليه غلامان من الأنصار هما أبناء عفراء، معاذ بن عمرو بن الجموح، وأخوه معوذ رضي الله عنهما، بعد أن دلهما عليه عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، حيث أخبراه أنهما يريدان قتل أبي جهل لأنه كان يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) وأخذ المشركون يتساقطون في أرض المعركة، حتى قُتِل منهم سبعون، وأسر سبعون، وفرّ الباقون تاركين خلفهم غنائم كثيرة (2).

هذا وقد أشكل موضوع الأسرى والغنائم على المسلمين، وفي ذلك يقول عبد الله بن عباس رضي الله عنهما:(فلما أسروا الأسارى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر ما ترون في هؤلاء الأسارى: فقال أبو بكر: يا نبي الله هم بنو العم والعشيرة أرى أن تأخذ منهم فدية فتكون لنا قوة على الكفار فعسى الله أن يهديهم للإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما ترى يا ابن الخطاب. قال: لا والله يا رسول الله، ما أرى الذي رأى أبو بكر، ولكني أرى أن تمكنَّا فنضْرب أعناقهم، هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها. فهوي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر (3) وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الفداء، لكن القرآن نزل موافقًا لرأي عمر رضي الله عنه في الأسرى (4)، وأجاز تصرف النبي صلى الله عليه وسلم في أخذ الفداء.

(1) صحيح مسلم بشرح النووي 12/ 62.

(2)

صحيح مسلم بشرح النووي 12/ 86؛ أكرم العمري: السيرة النبوية الصحيحة 2/ 366.

(3)

صحيح مسلم بشرح النووي 12/ 86.

(4)

صحيح مسلم بشرح النووي 12/ 87.

ص: 201

قال تعالى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (67) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (1)، ثم إِن الله سبحانه وتعالى بمنِّه ولطفه بهذه الأمة أحل لها الغنائم، ولم تحل لأمة قبلها، قال تعالى:{فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (2)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أُعطيتُ خمسًا لم يعطهن أحد قبلي

وذكر منها وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي (3)، وكانت الأمم السابقة من أتباع الرسل يجمعون الغنائم في مكان ولا يأخذون منها شيئًا، فتأتي نار بقدر الله فتحرقها (4). وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بسحب قتلى المشركين إِلى إِحدى الآبار، فقُذفوا فيها. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إِذا ظهر على قوم أقام بساحتهم ثلاثة أيام، فلما كان اليوم الثالث مشى إِلى البئر الذي طُرِح فيه قتلى المشركين (فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم

أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله؟ فإِنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقًا، فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقًا. فقال عمر: يا رسول الله، ما تكلم من أجساد لا أرواح لها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم) (5)، أما شهداء المسلمين وعدتهم أربعة عشر شهيدًا فقد دُفنوا في مصارعهم كما هي السنة في ذلك (6). ثم ارتحل رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤيدًا منصورًا قرير العين بنصر الله، ومعه الأسرى والمغانم، ودخل المدينة، وقد خافه كل عدو بالمدينة وحولها، فأسلم كثير من الناس،

(1) سورة الأنفال، آية 67 - 68.

(2)

سورة الأنفال، آية 69.

(3)

صحيح البخاري، كتاب التيمم ح 335، ومسلم كتاب المساجد ومواضع الصلاة ح 521.

(4)

ابن سعدي، تيسير الكريم الرحمن ص 286.

(5)

صحيح البخاري مع الفتح 7/ 351،

(6)

ابن القيم: زاد المعاد 3/ 214، 217؛ د. أحمد العليمي: مرويات غزوة بدر 435.

ص: 202