الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
من البشر ولا يكون على أجمل منها، وشرع له الدين العظيم الذي لم يشرعه لأحد قبله، فكان فيه من الحياء والكرم والشجاعة والحلم والصفح والرحمة وسائر الأخلاق الكاملة ما لا يحُدّ ولا يمكن وصفه" (1).
وقد وصفه ربه سبحانه وتعالى بوصف هو فوق كل وصف، ومَدَحه بمِدحة هي فوق كل مِدْحه أحد، فقال:{وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} (2). قال العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أي: وإِنك لعلى دين عظيم، وهو الإِسلام، وهكذا قال مجاهد والسدي والضحاك. وقال عطية: لَعلَى أُدب عظيم (3). وقال تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} (4)
النوع الثاني: دلائل النبوة والمعجزات
الدلائل، هي المعجزات والبراهين الدالة على صدقه في النبوة والرسالة، ودلائل النبوة منها المعنوي، ومنها الحسي الخارق للعادة، ويسمى معجزة ودليلًا وبرهانًا وآية من الآيات.
والدلائل التي يؤيد الله بها رسله ويُجري بعضها على أيديهم ليست من كسبهم ولا قدرتهم الذاتية وإِنما هي محض فضل من الله وهبة منه لتكون تأييدًا وتصديقًا لهم وبيانًا لمنزلتهم عنده عز وجل. ومن سنة الله سبحانه وتعالى أنه لا يؤيد الكاذب عليه، وقد باء بالخزي والخذلان كل من ادعى النبوة من الكذابين مثل الأسود العنسي، ومسيلمة الكذاب، والمختار بن أبي عبيد وغيرهم.
(1) البداية والنهاية: 8/ 456.
(2)
سورة القلم، آية:4.
(3)
البداية والنهاية 8/ 455.
(4)
سورة التوبة، آية:128.
ودلائل نبوة نبينا محمَّد صلى الله عليه وسلم كثيرة جدًا وقد ذكر الإِمام البيهقي أنها تزيد على ألف دليل (2). بل ذكر النووي في مقدمة شرح صحيح الإِمام مسلم أنها تزيد على ألف ومائتي دليل (3).
ودلائل النبوة جاءت بحسب وقوعها على مراحل:
1 -
ما وقع قبل البعثة، مثل بشارات الأنبياء به في الكتب السابقة (4)، وأخبار الكهان والجان (5)، وتسليم حجر عليه بالنبوة في مكة (6)، وشق صدره وهو في بادية بني سعد (7).
2 -
ما وقع على يديه صلى الله عليه وسلم بعد البعثة حتى توفاه الله، ومن أعظم ذلك نزول الوحي بهذا القرآن العظيم على الرسول الله الأمي الذي لا يعرف القراءة والكتابة، ومثل نزول المطر بعد دعائه مباشرة (8)، ونبع الماء بين أصابعه (9)، ودعائه في الماء القليل فيكون كثيرًا (10)، وحنين الجذع الذي بمسجده عندما ترك الاستناد إِليه (11)،
(1) سورة الحاقة، الآيات: 44 - 47.
(2)
دلائل النبوة: 1/ 60.
(3)
انظر: شرح النووي على صحيح مسلم 1/ 2.
(4)
صحيح البخاري، ح رقم:4838.
(5)
صحيح البخاري، ح:3866.
(6)
صحيح مسلم، ح رقم:2278.
(7)
متفق عليه.
(8)
صحيح البخاري، ح رقم:3582.
(9)
المصدر نفسه، ح رقم: 3573، 3585.
(10)
المصدر نفسه، ح رقم: 3575 - 3574.
(11)
المصدر نفسه، ح رقم: 3583 - 3585.
وانقياد الأشجار والبهائم لأمره صلى الله عليه وسلم (1)، وشهادة الذئب ببعثته ونبوته (2)، وانشقاق القمر نصفين عندما طلبت قريش آية حتى رأوا ذلك (3)، وتحقق وعد الله له بهزيمة المشركين في بدر، قال تعالى في سورة القمر المكية:{أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (44) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} (4)، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من العريش يوم بدر وهو يتلو هذه الآيات، وأخبر صلى الله عليه وسلم بمصارع القوم في بدر وقال لأصحابه: هذا مصرع فلان، وهذا مصرع فلان، فما جاوز رجل منهم
مصرعه (5)، واخبر عن مقتل أمراء مؤتة قبل أن يأتي الخبر بمقتلهم (6).
3 -
ما وقع بعد وفاته صلى الله عليه وسلم مما أخبر أنه سيقع فوقع كما أخبر فقد أخبر صلى الله عليه وسلم عن فتح الحيرة، وبلاد فارس، وكثرة المال، ففي صحيح البخاري عن عدي بن حاتم قال: بينما أنا عند النبي صلى الله عليه وسلم إِذ أتاه رجل فشكا إِليه فاقة، ثم أتاه آخر فشكا إِليه قطع السبيل، فقال: يا عدي بن حاتم: هل رأيت الحيرة؟ فقلت: لم أرها، وقد أنبئت عنها. قال: فإِن طالت بك حياة: لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحدًا إِلا الله. قلت: - فيما بيني وبين نفسي -فأين دُعّارُ (7) طيء الذين سَعَّروا البلاد؟. ولئن طالت بك حياة: لتفتحن كنوز كسرى، قلت: كسرى بن هرمز!! قال: كسرى بن هرمز. ولئن طالت بك
(1) سنن ابن ماجة، ح رقم: 4028 وقال في الزوائد إِسناده صحيح.
(2)
موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان، ص 519.
(3)
صحيح البخاري، ح رقم 3636 - 3638 وصحيح مسلم، ح رقم 2800 - 2803.
(4)
سورة القمر، الآيات: 44 - 45.
(5)
صحيح البخاري، ح رقم:4876.
(6)
المصدر نفسه، ح رقم: 4262
(7)
دعار: جمع داعر، والداعر: الخبيث المفسد، والمراد هنا قطاع الطريق (النهاية في غريب الحديث والأثر مادة:
دعر 2/ 119.
حياة: لترين الرجل يخرج ملء كفه من ذهب أو فضة يطلب من يقبله فلا يجد أحدًا يقبله منه. وليلقين الله أحدكم يوم يلقاه وليس بينه وبن الله ترجمان يترجم له، فيقول: ألم أرسل إِليك رسولًا فيبلغك؟ فيقول: بلى. فيقول: ألم أعطك مالًا وأفضل عليك؟ فيقول: بلى. فينظر عن يمينه فلا يرى إِلا جهنم، وينظر عن شماله فلا يرى إِلا جهنم. قال عدي: سمعت الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة.
قال عدي: فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إِلا الله.
وكنت في من افتتح كنوز كسرى بن هرمز. ولئن طالت بكم حياة لترون ما قال النبي أبو القاسم صلى الله عليه وسلم يخرج ملء كفه (1).
ومن ذلك:
إِخباره أن ابنته فاطمة هي أول أهله لحاقًا به (2)، فوقع الأمر كما أخبر.
وإخباره أن زينب بنت جحش هي أسرع زوجاته لحاقًا به (3)، فوقع الأمر كذلك.
وإِخباره بقتل عمار رضي الله عنه (4)، وبصلح الحسن مع معاوية رضي الله عنه (5).
وإِخباره بتقليد طائفة من أمته أعداء الإِسلام حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلوه وراءهم (6). وإِخباره بتنافس أمته في الدنيا حتى أهلكتهم وفرقتهم (7).
(1) صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب علامات النبوة ح رقم 3595 وانظر:(فتح الباري 6/ 610).
(2)
صحيح البخاري، ح رقم 3626.
(3)
صحيح مسلم، ح رقم:2452.
(4)
صحيح البخاري، ح رقم: 447، وصحيح مسلم، ح رقم:2916.
(5)
صحيح البخاري، ح رقم:2704.
(6)
المصدر نفسه، ح رقم 7319 و7320.
(7)
المصدر نفسه، ح رقم: 6425 و 6426 وصحيح مسلم: ح 1052.
وإِخباره ببشارة عظيمة لهذه الأمة وهي: بقاء طائفة منصورة على الحق إِلى قيام الساعة (1).
4 -
ما لم يقع حتى الآن ولكنه أخبر بوقوعه مستقبلا، ومن ذلك أشراط الساعة التي أخبر بوقوعها ولم تقع حتى الآن، وكذا عود الجزيرة العربية مروجًا وأنهارًا، وخراب الكعبة، وخراب المدينة، وحسر الفرات عن جبل من ذهب، وخروج الدجال، ونزول عيسى عليه السلام، وخروج يأجوج ومأجوج، والخسوفات الثلاثة، بالمشرق، والمغرب، وجزيرة العرب، وخروج الدابة، وكلام السباع والجمادات للإِنس (2). وقد أخبر صلى الله عليه وسلم عن فتح القسطنطينية، وروما. كما في مسند الإمام أحمد، ومستدرك الحاكم، عن أبي قبيل قال:"كنا عند عبد الله بن عمرو ابن العاص رضي الله عنهما، وسئل أي المدينتين تفتح أولًا: القسطنطينية أو رومية؟ قال: فدعا عبد الله بصندوق له حَلَق فأخرج منه كتابًا، قال: فقال عبد الله: بينما نحن حول رسول الله صلى الله عليه وسلم نكتب إِذْ سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي المدينتين تفتح أولًا: أقسطنطينية أو رومية؟ فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم مدينة هرقل تفتح أولًا" يعني القسطنطينية (3).
وقد تحقق الفتح الأول للقسطنطينية على يد السلطان العثماني محمَّد الفاتح سنة 857 هـ (4). الموافق 1453م، وبذلك تحقق الشطر الأول من الحديث، أما الشطر الثاني وهو الإِخبار عن فتح روما فلم يقع حتى الآن، وسيقع بحول الله كما أخبر الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم.
(1) صحيح البخاري، ح رقم: 3640 و 3641.
(2)
انظر: يوسف الوابل، أشراط الساعة، ص 210، 204، 225، 231، 277، 347، 371، 381.
(3)
مسند الإِمام أحمد 2/ 176 ومستدرك الحاكم 3/ 422، 4/ 508 وقال: صحيح الإِسناد، ووافقه الذهبي، وقد صححه العلامة الألباني، في السلسلة الصحيحة ح رقم:4.
(4)
انظر: المنح الرحمانية في الدولة العثمانية، لابن أبي السرور الصديقي ص 39.