الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الكتاب من كتبهم الموروثة عن أنبيائهم، ولكن يد التحريف قد فعلت فعلها حتى خفي الحق وظهر الشرك، وقد اندرست معالم التوحيد، والبشرية بحاجة إِلى منقذ يخرجها من الضلال والشرك الذي وقعت فيه.
3 - الأحوال الاجتماعية والأخلاقية
الأحوال الاجتماعية والأخلاقية فرع عن التصور والاعتقاد وهي أثر من آثاره، فإِذا فسد الإِيمان واختل التوحيد ظهر أثر ذلك في السلوك، وفي النظام الاجتماعي، والعلاقات بين الناس، وقد عرفنا ما كان عليه العرب بل أهل الأرض قبيل البعثة من فساد الاعتقاد وظهور الشرك والوثنية، لهذا كانت حياتهم الاجتماعية والأخلاقية مختلة كاختلال عقيدتهم، فقد سيطرت عليهم التقاليد والعادات وأصبحت بمثابة القوانين المرعية، وكانوا يتعصبون للقبيلة، ويتفاخرون بالأنساب، ونظرتهم للمرأة غير متزنة، ولا يعطونها حقها من الميراث، ويتزوج أحدهم بلا حَدّ، فقد يجمع بين عشر نساء أو أكثر، والطلاق بلا عدد، وإِذا توفي زوج المرأة فقد تحبس فلا تتزوج، وقد ينكحها أكبر ولد زوجها من غيرها. قال تعالى:{وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا} (1) وكانوا يجمعون بين الأختين.
وكان بعضهم يئد البنات خشية العار، وقد يقتلون أبناءهم خشية الفقر، ولا يمتنعون عن المحرمات من الفواحش، وسفك الدماء، وأكل الربا، وظلم الضعفاء، والإِغارة على بعضهم، ونهب أموالهم، وسبي نسائهم وذراريهم، ويحتقرون بعض المهن الحرفية والصناعية، وكانت تنتشر فيهم الأمية، والجهل، وجُل معارفهم المفاخر والشعر ومثالب الآخرين.
(1) سورة النساء آية 22.
ومع هذا فعندهم عادات حسنة وأخلاق حميدة مثل الكرم، والشجاعة، وإباء الضيم، والعفة، والذكاء والفطنة، وقوة الحافظة، والفروسية، والمروءة والنجدة، والفصاحة، والحفاظ على الأحساب وصيانتها، فيأنفون من الكذب والغدر والخيانة، ويحبون الصراحة والوضوح لصفاء فطرتهم وطبيعة حياتهم المبنية على البساطة والحرية التي عاشوها، فلم يخضعوا لحكومة أجنبية، ولم يألفوا الرق والعبودية، وانحرافاتهم ناتجة عن جهل بسيط فيسهل معالجتها والرجوع بها إِلى أصل الفطرة وصفائها، وكانوا واقعيين جادّين أصحاب صراحة وصرامة، وأصحاب صدق وشجاعة، لا يخدعون غيرهم ولا أنفسهم.
ولم تكن أخلاقهم كأخلاق أهل المدنيات من الفرس والروم التي كثرت فيها الالتواءات وأدواء الترف حتى أفسدتها، وظهرت فيها الفلسفات، وأثرت فيها المدنيات بأخلاطها وتعقيداتها وطبائع أهلها المختلفة (1)، فكان جهلهم جهلًا مركبًا (2). أو كما يقول مالك بن نَبِي: إِن العربي في ذلك الوقت هو إِنسان ما قبل الحضارة، مثل المادة الخام، يمكن تصنعيها وتنظيم ما فيها من طاقات
…
وأما فارس والروم فقد كانوا في مرحلة ما بعد الحضارة كالخُرْدة المستهلكة المبعثرة (3).
وقد كانت تلك الفضائل في العرب رصيدًا حسنًا في نفوسهم وفطرتهم زاده الإِسلام كمالًا وجمالًا ووجّه تلك الأخلاق والفضائل وجهة صحيحة حسب أحكامِ الشريعةِ ومكارمِها العالية.
(1) انظر: أبو الحسن الندوى، السيرة النبوية ص 45 - 48.
(2)
الجهل البسيط: هو عدم العلم، والجهل المركب: هو عدم العلم مع الإِدعاء أنه يعلم.
(3)
حنان لحام، هدى السيرة في التغيير الاجتماعي ص 18.