الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
خروج النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى الطائف
لما نُقِضَتِ الصحيفةُ وخرج المسلمون من الحصار وافق موتُ أبي طالب، موتُ خديجةَ رضي الله عنها فاشتد البلاء على رسول الله صلى الله عليه وسلم من سفهاء قومه، واجترؤوا عليه، وكاشفوه بالأذى، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إِلى الطائف رجاء أن يؤوه وينصروه على قومه، ويمنعوه منهم، ودعاهم إِلى الله عز وجل، فلم ير من يؤوي، ولم ير ناصرًا، وآذوه أذًى عظيمًا لم ينل قومه منه أكثر مّما نالوا منه، وكان معه مولاه زيد بن حارثة، وكان قد عمد إِلى نفرٍ من ثقيف، ثم سادات ثقيف وأشرافهم، وهم إِخوة ثلاثة: عبد ياليل، ومسعود، وحبيب، بنو عمرو بن عمير بن عوف، وعند أحدهم امرأة من قريش من بني جمح، فجلس إِليهم، فدعاهم إِلى الله، وكلّمهم بما جاءهم له من نصرته على الإِسلام، والقيام معه على من خالفه من قومه، فقال أحدهم: هو يمرطُ ثياب الكعبة إِن كان الله قد أرسلك. وقال الآخر: أما وجد الله أحدًا ليرسله غيرك؟ وقال الثالث: والله لا أكلَّمك أبدًا؛ لئِن كنتَ رسولًا من الله كما تقول؛ لأنت أعظم خطرًا من أن أردَّ عليك الكلام، ولئن كنتَ تكذب على الله، ما ينبغي لي أن أكلّمك. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من عندهم، وقد يئس من خير ثقيف، وقد قال لهم:"إِن فعلتم ما فعلتم فاكتموا عليَّ". وقد أقام في الطائف عشرة أيام لا يدعُ أحدًا من أشرافهم إِلَّا جاءه وكلَّمه، فقالوا: اخرجْ من بلدنا. وأغْرَوا به سفهاءهم، فوقفوا له صفين، وجعلوا يرمونه بالحجارة حتى دمِيَتْ قدماه، وزيد بن حارثة يقيه بنفسه حتى أصابه شِجاج في رأسه، فانصرف راجعًا من الطائف إِلى مكة محزونًا، وفي مرجعه ذلك دعا بالدعاء المشهور دعاء المهموم: "اللهم إِليك أشكو ضعف قوتي، وقلّة حيلتي، وهوَاني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت ربّ المستضعفين، وأنت ربِّي، إِلى من تكلني، إِلى بعيد يتجهمني؟ أو إِلى عدوٍ ملَّكْتَه أمري، إِن لم يكن بك غضبٌ عليَّ فلا أُبالي، غير أن عافيتك هي أوسع لي، أعوذُ بنور وجهك الذي
أشرقت له الظلمات، وصَلُحَ عليه أمرُ الدنيا والآخرة، أن يَحُلَّ عليَّ غضبُك، أو أن ينزلَ بي سخطُكَ، لك العُتْبَى حتّى ترضى، ولا حولَ ولا قوّةَ إِلَّا بك" (1).
فلما رآه ابنا ربيعة؛ عتبة وشيبة وما لقيَ، تحرّكتْ له رحمهما، فدعوا له غلامًا نصرانيا، يقال له: عدّاس.
فقالا له: خذْ قِطْفًا من هذا العنب، فضعه في هذا الطبق، ثم اذهب به إِلى ذلك الرجل، فقل له يأكلْ منه. ففعل عدّاس، ثم ذهب به حتى وضعه بين يديْ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال له: كُلْ. فلّما وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده فيه، قال:"بسم الله". ثم أكل، فنظر عدّاس في وجهه، ثم قال: والله، إِنّ هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد!، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ومن أيّ بلاد أنت يا عدّاس؟ وما دينك؟ ".
قال: نصرانيّ، وأنا من أهل نينوى. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من قرية الرجل الصالح يونس بن متّى؟ ". فقال له عدّاس: وما يدريك ما يونس بن متّى؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ذاك أخي، كان نبيَّا وأنا نبيٌّ". فأكبَّ عداسٌ على رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبِّل رأسه ويديه وقدميه.
فقال ابنا ربيعة أحدهما لصاحبه: أمّا غلامك؛ فقد أفسده عليك! فلمّا جاءهما عدّاس قالا له: ويلك يا عدّاس، مالك تقبِّل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه؟ قال: يا سيدي، ما في الأرض شيءٌ خيرٌ من هذا، لقد أخبرني بأمر ما يعلمه إِلَّا نبيٌّ. قالا له: ويحك يا عدّاس، لا يصرفنّك عن دينك، فإِنّ دينك خيرٌ من دينه (2).
(1) أخرجه ابن هشام في السيرة النبوية (1/ 260، 262) عن محمَّد بن إِسحاق، وقال الهيثمي (المجمع 6/ 35):(فيه محمَّد بن إِسحاق، وهو مدلّس، وبقيّة رجاله ثقات). وضعف الألباني الحديث في تعليقه على فقه السيرة للغزالي ص 126.
(2)
ابن هشام، السيرة النبوية (1/ 421) من رواية ابن إِسحاق، عن محمَّد بن كعب القرظي.
لقد كان موقف ثقيف شديدًا على النبيّ صلى الله عليه وسلم، تأثّر منهم تأثّرًا بالغًا، ولكنه لجأ إِلى الله بذلك الدعاء المأثور، بل إِن أحداثها لم تمحها ما لحقه من المشركين يوم أحد، قالت عائشة: قلت للنبيّ صلى الله عليه وسلم: هل أتى عليك يومٌ كان أشدَّ من يوم أحد؟ قال: "لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشدّ ما لقيتُ منهم يوم العقبة إِذ عرضتُ نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إِلى ما أردتُ، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إِلَّا وأنا بقرن الثعالب (1)، فرفعتُ رأسي، فإِذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإِذا فيها جبريل، فناداني، فقال: إِنّ الله قد سمع قول قومك لك، وما ردُّوا عليك، وقد بعث إِليك ملك الجبال لتأمره بما شئتَ فيهم. فناداني ملك الجبال فسلَّم عليَّ، ثم قال: يا محمَّد، ذلك فيما شئتَ، إِن شئتَ أن أطبق عليهم الأخشبين؟ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده، لا يشرك به شيئا"(2).
إِنّ هذا البلاء الذي تعرّض له النبيّ صلى الله عليه وسلم، والذي من أثره أنّه خرج هائمًا على وجهه لا يشعر بما حوله حتى بلغ قرن الثعالب لدليل على علو مكانته عند الله تعالى؛ لأنّ المرء يُبتلى على قدر دينه (3).
(1) قرن الثعالب: هو قرن المنازل في وادي السيل الكبير، وهو أحد المواقيت للحج والعمرة.
(2)
أخرجه البخاري في بدء الخلق، باب ذكر الملائكة ح (3231) ومسلم في الجهاد، باب ما لقي النبيّ صلى الله عليه وسلم من أذى المشركين والمنافقين ح (1795) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(3)
عن سعد بن أبي وقاص، قال: قلت يا رسول الله، أي الناس أشد بلاءً؟ قال:"الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى المرء على حسب دينه، فإِن كان في دينه صلبًا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلي على حسب دينه". أخرجه ابن ماجه في الفتن ح (4023)