الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فكأنّ بعضهم وجد (1) في نفسه فقال: لم تدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟. فقال عمر: إنه من حيث علمتم.
فدعا ذات يوم فأدخله معهم، فما رئيت أنه دعاني يومئذ إلا ليريهم.
قال: ما تقولون في قوله تعالى: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ؟. فقال بعضهم:
أمرنا نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا. وسكت بعضهم فلم يقل شيئا.
فقال لي: أكذاك تقول يا ابن عباس؟. فقلت: لا. قال: فما تقول؟. قلت: هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه له: قال: إذا جاء نصر الله والفتح وذلك علامة أجلك، فسبّح بحمد ربك واستغفره، إنه كان توابا. فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تقول».
شروط التفسير الإشاري:
لما كان التفسير الإشاري إثارة لمعاني كتاب الله تعالى، كان لا بد له من معيار ينضبط به، حتى يتميز عن عبث المتلاعبين بالقرآن تحت ستار اسم باطن القرآن، وهم لا يفسرون القرآن على الحقيقة بل يتلاعبون لهدم الشريعة باسم الشريعة.
والمعيار الذي ينضبط به التفسير الإشاري ليكون مقبولا هو الشروط الآتية:
1 -
أن يكون له شاهد شرعي يؤيده من غير معارض. وذلك لأنه إن لم يكن للتفسير الإشاري شاهد في محل آخر، أو كان له شاهد لكن له معارض صار دعوى تدّعى على القرآن من غير دليل. والدعوى التي لا دليل عليها مرفوضة باتفاق العلماء (2).
2 -
أن يصح التفسير الإشاري على مقتضى الظاهر المقرر في لسان العرب، وذلك ضرورة كون القرآن عربيا، إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا، ولو كان
(1) أي عتب.
(2)
الموافقات للشاطبي ج 3 ص 394.
له فهم لا يقتضيه كلام العرب لم يوصف بكونه عربيا، بل يدخل قائله تحت وعيد من قال في كتاب الله بغير علم.
3 -
أن لا يكون له معارض شرعي ولا عقلي. لما علم مما سبق.
4 -
أن لا يدّعى أن التفسير الإشاري هو المراد وحده دون الظاهر، بل لا بد أن نعترف بالمعنى الظاهر أوّلا، إذ لا يطمع في الوصول إلى الإشارة قبل إحكام فهم العبارة، «ومن ادعى فهم أسرار القرآن ولم يحكم التفسير الظاهر فهو كمن ادّعى البلوغ إلى صدر البيت قبل أن يجاوز الباب!!» (1).
ومن أمثلة ما اختل فيه بعض هذه الشروط: كمن فسّر قوله تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ. فقال: معناه: «من ذلّ» من الذل، إشارة إلى النفس «يشف» من الشفاء «ع» أمر من الوعي.
ومن أمثلة ما وقفنا عليه في هذا العصر في أملية خاصة طبعت في كتاب وإذا فيه تفسير سورة العاديات هكذا:
«والعاديات» الريح تجري مستمرة «ضبحا» صوتها أثناء جريها «فالموريات» الغيوم «قدحا» تحتك ببعضها فينشأ عن ذلك البرق «فالمغيرات» المغيثة بالمطر «صبحا» تغيثكم غياثا ظاهرا كالصبح
…
وهكذا إلى آخر السورة من عجاب التحريف .. !؟!.
وهذا تحريف مخالف لصريح اللغة، ومصادم لاتفاق المفسرين أن «العاديات» هي الخيل المسرعة تضبح «ضبحا» وهو اسم صوت الخيل وهي تسرع، فتصدم حوافرها الأرض فتقدح الشرر «قدحا» فتغير «صبحا» تشن الهجوم على العدو صباحا
…
هذا هو الصواب في تفسير السورة، وليس ذلك التفسير الذي نقلناه سابقا من الصواب بسبيل، إنما هو تمزيق للنص وعبث به.
(1) كما قال السيوطي في الإتقان ج 2 ص 185.