الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
علي الرازي المشهور بالجصّاص نسبة إلى العمل بالجصّ، ولد سنة 305 وتوفي سنة 370. أخذ الفقه عن أبي سهل الزجاج وأبي الحسن الكرخي وعن غيرهما من فقهاء عصره، وأخذ الحديث وتوسع فيه ورحل إلى الآفاق، فأخذ عن ابن قانع والطبراني وجماعة من الأئمة الحفّاظ.
استقر له التدريس ببغداد وانتهت إليه الرحلة، وكان على طريق شيخه الكرخي وبه انتفع، وكان الجصاص زاهدا ورعا متعبدا، عرض عليه منصب قضاء القضاة فامتنع منه، وعظم الانتفاع به وانتهت إليه رئاسة الحنفية وتخرّج به أصحاب المذهب، وكان له فضل كبير في إظهار حجج الحنفية وأدلتهم.
ويحتج في كتبه بالأحاديث المتصلة بأسانيده.
له كتب كثيرة، منها: أصول الفقه، وشرح مختصر الطحاوي، وأهمها كتاب (أحكام القرآن)(1).
طريقة المؤلف فيه:
هذا التفسير هو أول تفسير فقهي مطبوع، وأهم كتب التفسير الفقهي، لما فيه من عمق الاستنباط وفنون الاستدلالات، وقد شمل آيات الأحكام كلها على ترتيبها في المصحف، لكنه مع ذلك مبوّب على مثال ترتيب كتب الفقه، يضع لكل آية أو آيات عنوانا يدل على مضمون المسائل التي تستنبط منها أو تتفرع عليها، فكان بذلك أسبق من العصريين في اتباع هذه الطريقة.
ومن مزايا هذا التفسير أنه لا يقتصر على ذكر الأحكام التي تستنبط من الآيات، بل يستطرد إلى تفريع مسائل تتفرع منها، ويذكر فيها خلافيات بين الأئمة والأدلة بتوسع كثير.
ويعتني الإمام الجصاص في كل مسائل كتابه بتأييد مذهب الحنفية، بأن
(1) الفوائد البهية في تراجم الحنفية للكنوي ص 27 - 28 وسير أعلام النبلاء للذهبي ج 16 ص 340 - 341.
يبين وجه استدلالهم بالآية، أو يدفع استدلال المخالفين بآية احتجوا بها على الحنفية.
ومن الأمثلة تفسيره لقوله تعالى: وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ فقد فسّر آتُوا بمعنى أعطوا والْيَتامى بما بعد البلوغ، مجازا باعتبار ما كان، وفائدة المجاز الإشارة إلى الإسراع بدفع ما لهم إليهم حتى كأنّ اسم اليتم لم يزل عنهم، لأنه لا يسمى يتيما بعد البلوغ. وهذا ظاهر لا تكلف فيه.
ثم فرّع على هذا التفسير وجوب دفع مال اليتيم إليه إذا بلغ خمسا وعشرين سنة أخذا من قوله تعالى: وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ، لأن الآية الأولى لم تشترط إيناس الرشد لإيتاء المال إلى اليتيم، فجعلها فيما إذا بلغ خمسا وعشرين سنة، والثانية اشترطته فجعلها فيما دون ذلك، لانعقاد الإجماع على أن لا يدفع له المال قبل الخامسة والعشرين، يعني ولا إجماع بعد ذلك فاستعمل الآية فيه، وهو مذهب الحنفية (1).
وهو استدلال بعيد كتفسير للآية، وإن كان يمكن أن يقال: إن هذا السن مظنّة بلوغ الرّشد، فيعامل معاملة تحققه، دفعا لطمع الأوصياء في مال اليتيم.
وربما شدد الجصاص الهجوم على مخالفي الحنفية من الأئمة، وكانت أجواء المنافسات والمناظرات تهيّأ لذلك خصوصا في بغداد مما ينبهنا إلى أن لا نتأثر في عصرنا بمثل هذه المؤثرات، وقد كثرت ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا.
(1) أحكام القرآن للجصاص ج 2 ص 54 - 59.