الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
اختار في المعنى الأول صيغة اسم الفاعل صافَّاتٍ، وفي المعنى الثاني الفعل المضارع يَقْبِضْنَ.
ولو أنه قال: «قابضات ويصففن» لما فات التناغم الموسيقى الذي يتوهم بعض الناس فيه ما لا يجوز من الأوهام، فما السر في هذا الاختيار للصيغة المختلفة في كل معنى من المعنيين؟
إن الإعجاز العلمي الكامن وراء هذا التصوير هو الذي يكشف لنا سر هذا الاختيار.
لقد عبّر القرآن عن بسط جناح الطائر في طيرانه باسم الفاعل صافَّاتٍ، وعبّر عن قبض الطائر جناحه وضربه جنوبه بجناحيه بصيغة الفعل يَقْبِضْنَ، ليأتي التصوير الفني في القرآن على غاية الدقة في موافقة قانون الطيران، وذلك لأن الأصل في قاعدة الطيران هو بسط أطراف الجسم الطائر في الهواء، وهو القانون الذي بنيت عليه الطائرات الحديثة بأنواعها، ووجدت به رياضة الطيران الشراعي، فجاء القرآن في تصويره للطيران بالتعبير عما هو طارئ بلفظ الفعل، لأنه يفيد الحدوث وعبّر عما هو الأصل بصيغة اسم الفاعل، أي أنهن في جو السماء صافات ويكون منهن القبض تارة بعد تارة (1).
ومن التصوير بالجملة:
قوله تعالى: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ، فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ.
وقد جاء التصوير في الجمل هنا بواسطة الاستعارة، وهي استعارة قرآنية تعلو إلى أسمى مراتب البلاغة، لا يصل إليها بيان إنساني قط، إنما هو بيان القرآن فقط.
(1) باختصار وتصرف عن تفسيري الكشاف والنسفي وكتابنا محاضرات في تفسير القرآن ص 127 - 128.
ففي هذه الآية الكريمة استعارات متعددة تبلغ أعلى درجات البيان:
أنظر قوله تعالى: فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ وتأمل ما فيه من اجتذاب النفوس والعقول والمشاعر، فقد أضاف اللباس إلى الجوع، وفي ذلك تشبيه الجوع باللباس، على سبيل الاستعارة، فالجوع القائم المستمكن الذي يعدم فيه القل، ويكثر العدم، والخوف الذي يفزع النفوس، ويذهب بالاطمئنان، ويلقي بالاضطراب، شبه باللباس السابغ، لأن اللباس يعم ويكسو الجسم كله، وكذلك الجوع إذا عم، والخوف إذا طم، فإنه لا يبقى في الجماعة أحد لم ينله، لأن الأزمات الجانحة، والخوف من عدوّ داهم لا ينجو منه أحد، فكان التعبير عن هذه الحال باللباس، وفوق ذلك فإن اللباس يلتصق بالجسم ويلازمه ولا يفارقه، وكذلك الجوع، والهم والغم والخوف، وفي ذلك تصوير للأمة أو المدينة إذا عمّها البؤس والشقاء وداهمها الخوف من كل ما يحيط بها.
وهناك استعارة أخرى وهي قوله تعالى: فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ، فإن اللباس يلبس ولا يذاق، ولكن لباس الجوع والخوف لأنه يتصل بالنفس، وبالنعمة تزول بعد أن كفروا بها، عبّر عنه بالذوق، فشبّه حال النزول بحال الإذاقة، للنزول الذي ترتب عليه أنهم أحسوا بمرارة المذاق بعد أن كانوا في بحبوحة العيش فكان التعبير بأذاق أنسب لهذا المعنى.
وهناك استعارة تمثيلية ثبتت من مجموع العبارات، وهو تشبيه حال جماعة من الناس كانت مؤمنة مرزوقة فلما كفرت بالنعم فلم تقم بحقها، ولم تؤد الطاعات ولم تنته عن المنهيات بحال قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها واسعا من كل مكان فجحدت نعمة الله تعالى فضاق رزقها، وبدلت من الأمن خوفا، ومن الرغد جوعا (1).
ومن الأمثلة للتصوير بالجملة قوله تعالى: وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً (2).
(1) المعجزة الكبرى لمحمد أبو زهرة ص 278 - 280.
(2)
سورة مريم، الآية 4.
قال الرماني (1) يوضح بلاغة هذه الآية وما بها من الاستعارة:
وهذا التعبير لم يكن معروفا عند العرب، وذلك أنه شبه انتشار الشيب باشتعال النار للسرعة وللبياض وللملازمة، ولأنه ينتهي بتدمير ما تتصل به، وتجعل حطامه ترابا (2).
هذا عرض سريع لفن التصوير في القرآن، يبرز إعجاز القرآن وفق منظور معاصر، ومقياس فني حديث، سبق فيه القرآن تقدم العصور والقرون، بل تفنن في هذا التصوير بما تعجز عنه آلات التصوير الحسية، وفنون التصوير الأدبية، وقد شمل في تصويره أنواع الظواهر الطبيعية في الإنسان والكون، وتوغل في المشاعر الداخلية، وعرض للمعاني الدقيقة في صور من السمع والبصر والذوق والوجدان واللون والزمان والمكان
…
وجعل من هذا الجمال الفني المعجز قالبا يحمل جمال الفكرة والدعوة، والحجج والبراهين، والحكم والتشريع، لكي يعتصم الإنسان بحبل القرآن في كل مكان وكل زمان.
(1) في رسالته النكت في إعجاز القرآن 81 - 82.
(2)
انظر المعجزة الكبرى لمحمد أبو زهرة ص 280 - 281. وللجرجاني تفصيل قيم حول بلاغة الآية لم نطول به.