الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
هل أمي مصابة بمرض نفسي
؟!
المجيب د. عبد العزيز بن عبد الله المقبل
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم.
التصنيف الفهرسة/ الاستشارات/ استشارات نفسية /اخرى
التاريخ 19/10/1426هـ
السؤال
منذ طفولتي وأنا أرى أمي إنسانة اجتماعية لا ينفض مجلسها من الصديقات والجيران والأقارب، وبالرغم من كثرة انتقادها لهم في بعض تصرفاتهم إلا أنهم كانوا متمسكين بعلاقتهم بها، ولكن في السنوات القليلة الماضية العلاقات لم تستمر كما كانت في السابق، فقد أصبحت أمي عصبية جداً، بل وأصبحت تتصرف بطريقة غريبة في بعض الأحيان، مثلاً عندما نكون مجتمعين حولها يرن هاتف المنزل فترد عليه، وفي الوقت نفسه يرن هاتفها الجوال، وعندما تكرر هذا الأمر اكتشفنا أنها هي من يقوم بإجراء الاتصال من هاتفها الجوال على هاتف المنزل، ومن هاتف المنزل على هاتفها الجوال، فأدركنا حينها أنها تحتاج إلى مساعدة؟ فأرجو أن ترشدونا مأجورين.
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
بنتي الكريمة: أنت لم تشيري إطلاقاً إلى والدك، هل إن كان موجوداً أم لا؟. وهل كان يعاني من مشكلة ما، ولم تفصحي -بنتي الكريمة- إن كان لأمك أخوات، ولا إن كنت أنت متزوجة أم لا؟ والمعلومات السابقة قد تعطي بعض التصور، ربما يكون وسيلة جيدة لتفسير (وضع والدتك) .
بنتي الكريمة: تقولين في رسالتك: (إنني وإخوتي دائماً حولها لم نتركها يوماً بالرغم من أننا جميعاً متزوجون) وفرق كبير بين كونكم تدورون (حول) والدتك، وبين كونكم قد دخلتم إلى (أعماقها) .
إن هناك من يكون قربه من والده (المسن) عاملاً في (عمق) مأساة ذلك الوالد؛ حين يحاصر (شكواه) بمحاولاته الإقناعية بأنه على مختلف حالاته أفضل من غيره بكثير، وأن ما يشعر به هو مجرد (أوهام) يفترض أن يصرف (وجه) اهتمامه عنها.. أي أن ذلك الابن أو البنت قد يكون في قمة الصدق والإخلاص والاجتهاد مع والده، لكن يفوته أن من الجيد أن يترك للوالد -خاصة في مرحلة التقدم في السن- فرصة كافية للتعبير عن مشاعره، دونما مقاطعة أو رد أو حماس للنفي والإقناع، وقد يقول الابن أو البنت: إن سبب ردنا والدنا أو والدتنا هو أنه يوجه إصبع الاتهام لنا بالتقصير تجاهه، وهو ما يدفعنا إلى عدم الصبر، ومحاولة إيضاح الحقيقة له، وتبرئة الذات.
وفي ظني أن الولد أو البنت العاقلين يفترض أن يتحملا بعض الشيء، وليعطيا نفسيهما فرصة للتحليق في الخيال، وأنهما هما من يجلس مكان والدهما أو والدتهما وما مشاعرهما حينذاك، إننا حين نطمئن إلى أننا غير مقصرين في (حق) والدينا لا يهمنا -في سبيل إراحتهم -أن نترك لهم فرصة لنقدنا، ونشعرهم بالاعتراف، وأننا سنحاول تلافي ذلك التقصير، وفي المقابل نحاول تعداد (أفضالهم) علينا، مؤكدين لهم أننا لا يمكن أن ننساها.
بنتي الكريمة: إن شعوركم بضرورة تواجدكم حول أمك، وقربكم منها هو شعور غاية في النبل، والاعتراف بالجميل.. ولكني آمل منك -خاصة وأمك اجتماعية كما هو واضح- أن يكون لك دور، وأن تحرضي من يعقل إخوتك على ممارسة مثله في إشعار أمك (العمق) أنكم لا تزالون بحاجة (ماسة) إليها، وأنكم لا تتخيلون أنفسكم دونها، وأنكم تسألون الله تعالى -دائماً- أن يمد في عمرها، ويفترض ألا ينتهي الأمر عند هذا الحد، وإنما تحاولون استشارتها، خاصة فيما تعلمون مسبقاً رأيها فيه، ثم تثنون على رأيها ذاك.
كما أنه من الجميل تذكيرها بماضيها (الجميل) ، وكيف أنها -حين كانت شابة لم تكن في مثل كسل شابات هذا (الوقت) !!، وكيف كانت (فائقة) في الكلام والتأثير، وفي جوانب كثيرة، مما كان يستدعي إعجاب الآخرين بها، والتفافهم حولها، وقربهم منها. وأن (الكثيرين) لا يزالون يحبونها، ويتمنون القرب منها، لكن ظروف الحياة، ومشاغل الناس، وتباعد الديار لا يتيح لهم فرصة التواصل.
بنتي الكريمة: لعلك تلاحظين أن كل ما ذكرته لا يحتاج إلى (تبضع) ، ولا يترتب عليه دفع (فواتير) ، وكل ما يحتاجه لون من (ترويض) النفس! وباختصار فالذي يبدو لي أن والدتك -التي كانت يوماً ما في (عين) العاصفة وبؤرة الاهتمام، ثم رأت بعينها أن (جليد) ذلك الاهتمام مستمر في الذوبان، وأن دوائر الاهتمام بدأت تضيق، لتجد نفسها (شبه) وحيدة في بيتها، ولتثور من داخلها (عاصفة) حنق على نفسها ومن حولها -هي بحاجة إلى من يعيد لها (شريط) الذكريات، ويشعرها بـ (قيمة) وجودها العائلي والاجتماعي من جهة ثانية، وأعتقد أنك بإذن الله- من خلال ما سبق التحدي أمامك- قادرة على القيام بدور (كبير) معها.. ليبقى السؤال في المستقبل: هل ستفيدين من (درس) أمك بين أولادك في المستقبل!؟ أعانك الله على بر أمك، وفقك وإياها الصراط المستقيم.