الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
صور مخطوطات
بسم الله الرحمن الرحيم
[وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ
الحمدُ للهِ الذي وَصَلَ مَنِ انْقَطَعَ إِليهِ بدينهِ القويمِ، ورفع مَن أَسندَ أمرَهُ إِليهِ باتباعِ سُنَّةِ نبيِّهِ الكريمِ، وهدى مَن وفقَّهُ إلى طريقٍ (1) مستقيمٍ.
أحْمَدُهُ عَلَى آلائِهِ، وأشكرُهُ عَلَى نَعْمائهِ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلَاّ اللهُ الواحدُ القهَّارُ، الكريمُ الحليمُ الستَّارُ، وأشهدُ أنَّ سيِّدَنا مُحَمَّداً عبدُهُ ورسولهُ، وصفيُّه، وحبيبُه، وخليلُه، صَلَّى اللهُ وسلَّم عَلَيْهِ، وعلى إخوانِه النبيِّينَ، وعلى آلِ كُلٍّ، وسائرِ الصالحينَ.] (2)
وبعدُ:
فإنَّ ألْفِيَّةَ علمِ الحديثِ المسمَّاةَ بـ " التبصرةِ والتذكرةِ "(3) للشيخِ الإمامِ الحافِظِ، شيخِ الإسلامِ، أبي الفَضْلِ عبدِ الرَّحيمِ زَيْنِ الدِّينِ بنِ الحسينِ بنِ عبدِ الرَّحمانِ (4) بنِ أبي بكرِ بنِ إِبْرَاهِيمَ العراقيِّ (5)؛ لَمَّا اشتملَتْ عَلَى نقولٍ عجيبةٍ، ومسائلَ غريبةٍ، وحدودٍ منيعةٍ، وموضوعاتٍ بديعةٍ، مَعَ كثرةِ علمِها، ووجازةِ نَظْمِها؛ طلبَ مني بعضُ الأعِزَّةِ عليَّ مِنَ الفضلاءِ المتردِّدينَ إليَّ أنْ أضعَ عليها شَرْحاً يَحُلُّ ألفاظَها، ويُبرِّزُ دقائقَها، ويُحَقِّقُ مسائلَها، ويُحرِّرُ دلائِلَها.
فأجبتُه إلى ذَلِكَ، بعونِ القادرِ المالكِ، ضامّاً إِليهِ مِنَ الفوائدِ المُسْتَجادَاتِ (6) ما تقرُّ بِهِ أعيُنُ أولي الرغباتِ؛ راجياً بذلك جزيلَ الأجرِ والثوابِ، من فَيضِ مولانا الكريمِ (7) الوهَّابِ، وسمَّيتُهُ " فَتْحَ الباقي بشرحِ ألفيَّةِ العراقي ".
(1) في (ع): ((صراط)).
(2)
ما بين المعكوفتين سقط من (ن).
(3)
وقد طبعت بتحقيقنا مفردة، مضبوطة بالشكل، على عدد من النسخ الخطية.
(4)
في (ق): ((الرحيم)) وهو خطأ.
(5)
انظر ترجمته مفصلة في: الفصل الدراسي من هذا الكتاب 1/ 8 - 31.
(6)
قوله: ((المستجادات)) أي: الذي (كذا) وجدت جيدة مستحسنة. كما في حاشية (ع).
(7)
في (ص) و (ق): ((الأكرم)).
واللهَ أَسألُ أَنْ ينفعَ بِهِ، ويجعلَهُ خالِصاً لوجهِه الكريمِ.
وأرويها وشرحَها درايةً وروايةً عَنْ مشايخِ الإسلامِ: الشهابِ أحمدَ بنِ عليِّ بنِ حَجَرٍ العَسْقَلَانيِّ، والشمسِ مُحَمَّدِ بنِ عليٍّ القَايَاتيِّ الشافعيَّينِ، والكمالِ مُحَمَّدِ بنِ الهُمامِ الحنفيِّ (1).
بروايةِ الأولِ لهما عَنْ مؤلِّفِهِمَا، والثاني عَنْ ابنِ مُؤَلِّفِهِمَا شيخِ الإسلامِ أبي زُرْعَةَ وليِّ الدينِ (2)، والثالثِ عَنْهُ، وعَنِ الإمامِ السِّراجِ (3) قارِئِ " الهدايةِ "، عَنْ مؤلِّفِهِما. وحيثُ أطلقتُ شيخَنا فَمُرادي بِهِ الأولُ.
قَالَ المؤلِّفُ:
(بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ)(4) أي: أؤَلِّفُ. والاسمُ مشتقٌّ من ((السُّمُوِّ)) [بضمِّ السينِ وكسرِها](5)، وَهُوَ: العلوُّ، وَقِيلَ: من ((الوَسْمِ)) وَهُوَ: العلامةُ (6).
و (اللهِ) عَلَمٌ على الذَّاتِ الواجبِ الوجودِ، المستحقِّ (7) لجميعِ المحامدِ.
و (الرحمانِ) و (الرحيمِ) صفتانِ مشتقَّتانِ (8) بُنِيتا للمبالغةِ من ((رَحِمَ)) كغضبان من ((غَضِبَ)).
(1) انظر ترجمة هؤلاء العلماء الأعلام في قسم الدراسة 1/ 53 - 58.
(2)
في (ق): ((ولي الدين العراقي)). هو أحمد بن عبد الرحيم بن الحسين العراقي، توفّي سنة (826 هـ). انظر: طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة 4/ 80، ولحظ الألحاظ: 284، والضوء اللامع 5/ 200، وحسن المحاضرة 1/ 362.
(3)
في (ع): ((السراجي)).
وهو سراج الدين، أبو حفص، عمر بن عليّ بن فارس المصري المعروف بـ:(قارئ الهداية)، توفّي سنة (829 هـ). انظر: شذرات الذهب 7/ 191، والأعلام 5/ 57.
(4)
أثبت البسملة القاضي زكريا هنا. وهي غير موجودة في شرح التبصرة والتذكرة ولا في فتح المغيث. وانظر: النكت الوفية 4/ أ.
(5)
ما بين المعكوفتين سقط من (ص) و (ق).
(6)
في اشتقاق الاسم بين النحاة خلاف، فذهب البصريون إلى أنه مشتق من السمو، وذهب الكوفيون إلى أنه مشتق من الوسم. انظر تفصيل ذلك في: الإنصاف 1/ 6 وما بعدها.
(7)
المثبت من (ص) و (ق) و (ع). وفي (م) المستجمع.
(8)
أشار في حاشية (ع) إلى أن في نسخة: ((مشبهتان)).
والرَّحْمَةُ لغةً (1): رِقَّةُ القلبِ (2). وَهِيَ كيفيِّةٌ نفسانِيَّةٌ، تستحيلُ في حقِّ اللهِ تعالى (3)؛ فَتُحْمَلُ عَلَى غايتِها، وَهِيَ الإنعامُ؛ فتكونُ صفةَ فعلٍ، أَوْ الإرادةُ؛ فتكونُ صفةَ ذاتٍ (4).
والرحمانُ أبلغُ من الرحيمِ؛ لأنَّ زيادةَ البناءِ تدلُّ عَلَى زيادةِ المَعْنَى، كَمَا في ((قَطَعَ)) و ((قَطَّعَ)) (5).
1 -
يَقُوْلُ رَاجِي رَبِّهِ المُقْتَدِرِ (6)
…
عَبْدُ الرَّحيمِ بنُ الحُسَيْنِ الأَثَريْ
2 -
مِنْ بَعْدِ حَمْدِ اللهِ ذِي الآلاءِ
…
عَلَى امْتِنَانٍ جَلَّ عَنْ إحْصَاءِ
3 -
ثُمَّ صَلَاةٍ وسَلامٍ دَائِمِ
…
عَلَى نَبِيِّ الخَيْرِ ذِي المَرَاحِمِ
(يَقُوْلُ رَاجِي رَبِّهِ) أي: مُؤمّلُ عفوِ مالكِهِ (المقتدرِ) أي: تامِّ القدرةِ عَلَى مَا يريدُ.
قَالَ النَّاظِمُ في " شرحهِ الكبيرِ "(7): والمقتدرُ من أسماءِ الجلالِ والعظمةِ.
قَالَ: وَكَانَ المناسبُ لراجي رَبِّهِ أنْ يذكرَ بدلَهُ اسماً من أسماءِ الرأفةِ والرحمةِ؛ لكنَّ الذي ذكرَهُ أبلغُ في قُوَّةِ الرجاءِ؛ إذ وجودُهُ مَعَ استحضارِ صفاتِ الجلالِ أدلُّ عَلَى وجودِهِ مَعَ استحضارِ صفاتِ الجمالِ.
(عَبْدُ الرحيمِ) عطفُ بيانٍ عَلَى راجي، أَو بدلٌ مِنْهُ، أَوْ خبرُ مبتدإٍ محذوفٍ (8). (بنُ الْحُسَيْنِ الأَثَريْ) -بفتح الهمزة والمثلثة-، نسبةً إلى ((الأَثَرِ)) (9)، وَهُوَ الأحاديثُ
(1)((لغة)): سقطت من (ق) و (ص).
(2)
انظر: الصحاح 5/ 1929، واللسان 12/ 231 (رحم).
(3)
في (ص): ((في حقه تعالى)).
(4)
((ذات)): سقطت من (ص).
(5)
تقرر عند النحاة أنّ زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، فمّما ذكروه منها صفة ((فعّل)) أبلغ من صفة
((فعل))؛ لأن فيها الفعل وزيادة. انظر: التعبير القرآني: 34.
(6)
في (ع) و (ج): ((المقتدري)).
(7)
أشار البقاعي في نكته الوفية: 3/ ب إلى أنه لم يوجد منه إلا قطعة يسيرة وصل فيها إلى الضّعيف.
(8)
تقديره: ((هو)).
(9)
انظر: الأنساب 1/ 84، واللباب 1/ 28، ولب اللباب 6.
مرفوعةً أَوْ موقوفةً (1)، وإن قصَرَهُ بعضُ الفقهاءِ عَلَى الموقوفةِ (2).
(مِنْ بَعْدِ حَمْدِ اللهِ) الشَّامِلِ للبَسْمَلَةِ، والحَمْدَلَةِ؛ فالمرادُ بَعْدَ ذكرِ اللهِ، وكلٌّ مِنْهُمَا ذكرُ اللهِ، فيكونُ قَدْ ابتدأَ بهما اقتداءً بالكتابِ العزيزِ، وعملاً بخبرِ:((كُلُّ أمْرٍ ذِيْ بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيْهِ بـ ((بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ))؛ فَهُوَ أَقْطَعُ)).
وَفِي روايةٍ: بِـ: ((الحمدُ للهِ)) وَفِي روايةٍ: ((بِذِكْرِ اللهِ)). رواهُ أبو دَاوُدَ وغيرُهُ (3)، وحسَّنَهُ ابنُ الصَّلاحِ وغيرُهُ.
والحمدُ لغةً: الثناءُ باللِّسانِ عَلَى الجميلِ الاختياريِّ، عَلَى جهةِ التبجيلِ والتعظيمِ، سواءً أتعلَّقَ (4) بالفضائلِ أَمْ بالفواضلِ؟
وعُرْفاً: فعلٌ (5) ينبئُ عَنْ تَعْظيمِ المُنْعِمِ من حيثُ إنَّهُ مُنْعِمٌ عَلَى الحامدِ، أو غيرِهِ (6).
وَقَدْ بسطْتُ الكلامَ عَلَيْهِ، وعلى الشكرِ والمدحِ في شرحِ " البهجة "(7).
(ذِي الآلاءِ) أي: صاحبِ النِّعَمِ. وفي مفردِها لغاتٌ: ((أَِلاً)) - بِفَتْحِ الهمزةِ وكَسْرِها مَعَ التَّنوين وَعَدمِهِ (8) فِيْهِمَا -، ((وألْي)) - بتثليث الهمزة مَعَ سكون اللام والتنوين-، وأشهرُها الأُوْلَى: ألاً (9) بوزن: رَحًى (10).
(1) وهذا مذهب أهل الحديث. انظر: مقدمة شرح مسلم 1/ 29، والإرشاد 1/ 159.
(2)
قال النووي: ((وموجود في اصطلاح الفقهاء الخراسانيين تسمية الموقوف بالأثر، والمضاف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخبر)). الإرشاد 1/ 158 وانظر: الرسالة 18، و 508.
(3)
أخرجه أحمد 2/ 359، وأبو داود (4840)، والنّسائيّ في الكبرى (10328) و (10329)، وفي عمل اليوم والليلة (494) و (495)، وابن حبان (1)، والدارقطني 1/ 229، والبيهقي في الكبرى 3/ 208 و 209 من حديث أبي هريرة. وأخرجه النّسائيّ في الكبرى (10330) و (10331)، وفي عمل اليوم والليلة (496) و (497) من طريق الزهري عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم مرسلاً.
(4)
في (ع) و (ص) و (ق): ((تعلق))، والمثبت من (م).
(5)
سقط من (ق).
(6)
انظر: التعريفات: 55.
(7)
هو الغرر البهية في شرح البهجة الوردية. وقد تقدم ذكره في الدراسة ضمن مؤلفاته.
(8)
((وعدمه)): ساقطة من (ق).
(9)
في (م): ((وأشهرها: الألى
…
))، وفي (ص) و (ق): ((وأشهرها: الأولى
…
)). والمثبت من (ع).
(10)
انظر: لسان العرب 14/ 43، وتاج العروس 10/ 21 (ألا).
(عَلَى امتنانٍ) مِنْهُ - تعالى - عليَّ. مأخوذٌ من ((المنَّة))، وَهِيَ النِّعْمَةُ. وَقِيلَ: النعمةُ الثقيلةُ.
وتطلقُ المنَّةُ عَلَى تَعْدادِ (1) النِّعَمِ، بأنْ يقولَ المُنْعِمُ لمَنْ أنْعَمَ عَلَيْهِ: فعلتُ مَعَكَ كَذَا وكذا.
وَهُوَ في حقِّ اللهِ - تعالى - صَحِيْحٌ، وفي حقِّ العبدِ قبيحٌ؛ لقولهِ تَعَالَى:
{لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بالْمَنِّ والأَذَى} (2).
وتنكيرُ امتنانٍ للتكثيرِ والتعظيمِ. أي: امتناناتٍ كثيرةٍ عظيمةٍ منها: الإلهامُ لتأليفِ هَذَا الكتابِ والإقدارِ عَلَيْهِ، و (عَلَى امتِنَانٍ (3)) صِلةُ (حمدِ).
وإنَّما حُمِدَ عَلَى الامتنانِ، أي: في مقابلتِهِ لا مطلقاً؛ لأنَّ الأوَّلَ واجبٌ والثاني مَنْدوبٌ.
ووصفَ الامتنانَ بما هُوَ شأنهُ فَقَالَ: (جَلَّ) أي: عَظُمَ. (عَنْ إحصاءِ) أي: ضبطٍ بالعدِّ {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصَوهَا} (4).
(ثُمَّ) بَعْدَ (صلاةٍ) وهِيَ من اللهِ: رَحمةٌ، ومِنَ الملائكةِ: استغفارٌ، ومن الآدمي: تضرُّعٌ ودعاءٌ (5). (وسلامٍ) أي: تسليمٍ (دائمِ)، كلٍّ منهما (عَلَى نبيِّ الخيرِ) الجامعِ لكُلِّ محمودٍ دنيويٍّ، وأخرويٍّ (ذي المرَاحمِ) جَمْعُ ((مَرْحَمَةٍ))، وَهِيَ (6) بمعنى: الرحمةِ (7).
ففي خبرِ مسلمٍ: ((أنَا نَبِيُّ الْمَرْحَمَةِ)). وفي روايةٍ: ((الرَّحْمَةِ))، وفي روايةٍ:
((الْمَلْحَمَةِ)) (8). وَهِيَ المعركةُ، والمرادُ بها القتالُ.
(1) في (ص) و (ق) و (م): ((تعديد))، المثبت من (ع). وانظر التاج 8/ 353.
(2)
البقرة: 264.
(3)
((امتنان)) ساقطة من (ع) و (م).
(4)
إبراهيم: 34.
(5)
انظر: تفسير الطبري 12/ 43، والدر المنثور 6/ 646.
(6)
المثبت من (م) وأشار محققها إلى أنها موجودة في إحدى نسخه. وقد سقطت من أصولنا.
(7)
قارن بـ ((شرح صَحِيْح مُسْلِم 5/ 114)).
(8)
الذي في صَحِيْح مُسْلِم 7/ 90 (2355) من حَدِيث أبي موسى الأشعري، قَالَ: كَانَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم يسمي لَنَا نَفْسه أسماء، فَقَالَ:((أنا محمّد، وأحمد، والمقفى، والحاشر، ونبي التوبة، ونبي الرحمة)). =
والنَّبيُّ: إنسانٌ أوحيَ إِليهِ بشرعٍ، وإنْ لَمْ يُؤمَرْ بتبليغِهِ، فإنْ أُمِرَ بِهِ؛ فرسولٌ
أَيْضَاً؛ [فالنَّبيُّ أعمُّ من الرسولِ](1).
وَقَالَ: نبيٌ دُوْنَ رسولٍ (2)؛ لأنهُ أعمُّ مَعْنًى واستعمالاً، وللتعبيرِ بِهِ في خبرِ:((أنَا نَبِيُّ الرَّحْمَةِ)) الدالِّ عَلَى وصفهِ بها.
ولفظُهُ: بالهمزِ من النَّبأِ أي: الخبرِ؛ لأنَّ النَّبيَّ مُخْبِرٌ عَنْ اللهِ تعالى، وبلا همزٍ، وَهُوَ الأكثرُ.
قِيلَ: إنَّه مخفَّفُ المهموز بقلبِ (3) همزتِهِ ياءً.
وَقِيلَ: إنَّهُ الأصلُ مِنَ النَّبْوَةِ - بفتح النونِ وإسكانِ الباءِ - أي: الرِّفعةِ؛ لأنَّ النَّبيَّ مرفوعُ الرُّتبةِ عَلَى سائرِ الخلقِ (4).
4 -
فَهَذِهِ المَقَاصِدُ المُهِمَّهْ
…
تُوْضِحُ مِنْ عِلْمِ الحدِيْثِ رَسْمَهْ
5 -
نَظَمْتُهَا تَبْصِرَةً لِلمُبتَدِيْ
…
تَذْكِرَةً لِلْمُنْتَهِي والْمُسْنِدِ
6 -
لَخَّصْتُ فيهَا ابْنَ الصَّلاحِ أَجْمَعَهْ
…
وَزِدْتُهَا عِلْماً تَرَاهُ مَوْضِعَهْ
ثُمَّ بَيَّن مَقُولَ الْقَولِ مُنَبِّهاً عَلَى ما حَذَفَهُ مِنْهُ بفاءِ الجَزاءِ، بقوله:(فهذهِ) أي:
= وهو عند الطيالسي (492)، وأحمد 4/ 395 و 404 و 407، وابن سعد في
الطبقات 1/ 104 - 105، وابن أبي شيبة في المصنف (31684)، والطحاوي في شرح المشكل (1152)، والحاكم في المستدرك 2/ 604، والبيهقي في دلائل النبوة 1/ 156.
وجاءت لفظة: ((الملحمة)) من حديث أبي موسى أيضاً عند علي بن الجعد (3322)، وأحمد 4/ 395، وابن حبان (6323).
والحديث صحيح ((متفق عليه)) من حديث جبير بن مطعم، وهو مخرج عندنا بتوسع في كتاب " شمائل النبي صلى الله عليه وسلم "(366). وهو صحيح أيضاً، من حديث حذيفة بن اليمان، عند أحمد 5/ 405، والترمذي في الشمائل (367) و (368).
(1)
ما بين المعكوفتين سقط من (ص). انظر: شرح المقاصد 3/ 6، وقارن بشرح العقيدة الطحاوية1/ 155.
(2)
المثبت من (ع) و (ص) و (ق). وفي (م): ((الرسول)).
(3)
في (ق): ((قلبت)).
(4)
انظر الصحاح 6/ 2500، ولسان العرب 15/ 302، والتاج 10/ 354.
يقولُ بَعْدَ مَا ذَكرَ أمَّا بَعْدُ: فهذهِ (المَقَاصِدُ)، [أي (1): الموجودةُ في كتابِ ابنِ الصَّلاحِ] (2)(المُهِمّهْ) أي: التي يُهْتَمُّ بها، (تُوضِحُ) أي: تُبيِّنُ لَكَ (مِنْ عِلْمِ الحَديْثِ رَسْمَهْ) أي:
أثرَهُ (3) الذي تُبْنَى عَلَيْهِ أصولُهُ. يعني: ما خَفيَ عليكَ مِنْهُ.
ومِنْهُ: رسمُ الدارِ، وَهُوَ ما كَانَ من آثارِها لاصقاً بالأرضِ (4).
وعبَّرَ - كما قَالَ - بالرسمِ هنا إشارةً إلى دُرُوسِ (5) كثيرٍ من هَذَا العلمِ، وإنَّهُ بقيَتْ مِنْهُ آثارٌ يُهْتَدَى بها، ويُبنَى عليها (6).
والحديثُ - ويُرادفُه الخبرُ (7) - عَلَى الصحيحِ: ما أُضيفَ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم
- قِيلَ: أَوْ إلى صحابيٍّ، أَوْ إلى مَنْ (8) دُونَهُ - قولاً، أَوْ فعلاً، أَوْ تقريراً، أَوْ صفةً. ويُعبَّرُ عَنْ هَذَا بعلمِ الحديثِ رِوَايَةً.
ويُحَدُّ بأنَّهُ: علمٌ يشتملُ عَلَى نَقْلِ ذَلِكَ.
وموضوعُه: ذاتُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم من حيثُ إنَّهُ نبيٌّ.
وغايتُه: الفوزُ بسعادةِ الدارينِ (9).
(1) سقطت ((أي)) من (ع).
(2)
ما بين المعكوفتين سقط من (ص) و (ق).
(3)
في (ق): ((رسمه)). وانظر معنى الرسم لغة في: الصحاح 5/ 1932، ولسان العرب 12/ 241
(رسم)، وتعليقنا على شرح التبصرة والتذكرة 1/ 105.
(4)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 105.
(5)
أي: اندراس، واندرس الرسم بمعنى: انطمس، انظر: التاج 16/ 70 (درس).
(6)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 105.
(7)
انظر: نكت ابن حجر 1/ 225، والبحر الذي زخر 1/ 27 - 28، وتدريب الراوي 1/ 40. قال الجزائري في كتابه توجيه النظر 1/ 40:((إن الحديث ما أضيف إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فيختص بالمرفوع عند الإطلاق، ولا يراد به الموقوف إلا بقرينة. وأما الخبر فإنه اعمّ، لأنه يطلق على المرفوع والموقوف، فيشمل ما أضيف إلى الصّحابة والتابعين، وعليه يسمّى كل حديث خبراً، ولا يسمّى كل خبر حديثاً. وقد أطلق بعض العلماء الحديث على المرفوع والموقوف، فيكون مرادفاً للخبر. وقد خصّ بعضهم الحديث بما جاء عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم والخبر بما جاء عن غيره، فيكون مبايناً للخبر)).
(8)
((من)) سقطت من (ص).
(9)
انظر: مقدمة شرح الكرماني على البخاريّ 1/ 12، والتدريب 1/ 41.
وأما علمُ الحديثِ درايةً - وَهُوَ المرادُ عِنْدَ الإطلاقِ، كما في النَّظْمِ - فَهُوَ: علمٌ يعرفُ بِهِ حالُ الراوي والمرويِّ (1) من حيثُ القبولُ والردُّ.
وموضوعُهُ: الراوي والمرويُّ من حيثُ ذَلِكَ.
وغايتُهُ: معرفةُ ما يُقْبَلُ وما يُرَدُّ مِنْ ذَلِكَ.
ومسائلُه: ما يُذكَرُ (2) في كُتُبِهِ من المقاصدِ.
(نَظَمْتُها) أي: المقاصدَ. أي: جمعتُها عَلَى بحرٍ يُسَمَّى بـ: بحرِ الرَّجَزِ (3).
(تبصرةً للمُبتدِيْ) - بترك الهمزة - يتبصَّرُ بها ما لَمْ يعلَمْهُ. و (تذكرةً للمُنتهِي) يتذكرُ بها ما عَلِمَهُ وغَفَلَ عَنْهُ.
(و) للراوي (المُسنِدِ) - بكسرِ النونِ -: الذي اعتنى بالإسنادِ خاصَّةً، يتبصَّرُ، أَوْ يتذكرُ بها كيفيَّةَ التحمُّلِ والأداءِ ومتعلقاتِهِمَا (4).
والمبتدي: مَنْ حَصَّلَ شيئاً ما (5) من الفنِّ.
والمنتهي: مَنْ حَصَّلَ مِنْهُ أكثرَهُ، وصلَحَ لإفادتِهِ.
والمتوسِّطُ مفهومٌ بالأَوْلَى، فلا (6) يَخْرُجُ عنهما؛ لأنَّهُ بالنسبةِ لما أتقنَهُ مُنْتَهٍ، ولما لَمْ يُتْقِنْهُ مُبْتَدٍ.
ويُقالُ: مَنْ شَرَعَ في فنٍّ فإنْ لَمْ يستقلَّ بتصوُّرِ (7) مسائلِهِ فمُبْتَدٍ، وإلَاّ فمُنْتهٍ، إنِ استحضرَ غالبَ أحكامِهِ، وأمْكَنَهُ الاستدلالُ عَلَيْهَا، وإلَاّ فمتوسِّطٌ.
(1) انظر: نكت ابن حجر 1/ 225، والبحر الذي زخر 1/ 27 - 28، وتدريب الراوي 1/ 40.
(2)
في (ع): ((تذكر)).
(3)
بعد هذا في (م): [ووزنه مستفعلن ست مرات] وأشار المحقق إلى أنها زيادة من إحدى نسخه ورمز لها بـ (ز). وبحر الرجز أحد بحور الشعر العربي التي اكتشفها الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت 170 هـ).
(4)
قال السيوطي: ((المسند: وهو من يروي الحديث بإسناده، سواء كان عنده علم به أو ليس له إلا مجرد الرّواية وأما المحدث فهو أرفع منه)). تدريب الراوي 1/ 43.
(5)
((ما)): سقطت من (ق).
(6)
في (ص) و (ع): ((إذ لا)).
(7)
في (ع) و (ق): ((بتصوير)).
وأشارَ بـ " التبصرةِ والتذكرةِ " إلى اسمِ منظومتِهِ.
(لَخَّصْتُ فِيْهَا) عُثْمَانَ أبا عَمْرٍو (ابنَ الصَّلاحِ) أي: مقاصدَ كتابِهِ (1)(أجمعَهْ).
فلا ينافي ذَلِكَ حذفَ كثيرٍ من أمثلتِه، وتعاليلِه، ونسبةِ أقوالٍ لقائلِيها وما تكررَ فِيهِ.
(و) مَعَ تلخيصي مقاصدَهُ فيها، (زِدْ تُها عِلْماً تَرَاهُ) أي: الزائدَ،
(مَوْضِعَهْ) مُتَميِّزاً (2) أَوَّلَ كثيرٍ مِنْهُ بـ ((قلتُ))، أَوْ بدونِهِ، كأنْ يكونَ حكايةً عَنْ متأخّرٍ، عَنِ ابنِ الصلاحِ، أَوْ تعقُّباً لكلامِهِ بردٍّ، أَوْ نحوِهِ، أَوْ إيضاحاً لَهُ. وما لَمْ يتميَّزْ سأميِّزُهُ في محالِّهِ (3).
7 -
فَحَيْثُ جَاءَ الفِعْلُ والضَّميْرُ
…
لِواحِدٍ وَمَنْ لَهُ مَسْتُوْرُ (4)
8 -
كَـ (قَالَ) أوْ أَطْلَقْتُ لَفْظَ الشَّيْخِ مَا
…
أُرِيْدُ إلَاّ ابْنَ الصَّلاحِ مُبْهَِما
9 -
وَإِنْ يَكُنْ لاثْنَيْنِ نَحْوُ (الْتَزَمَا)
…
فَمُسْلِمٌ مَعَ البُخَارِيِّ هُمَا
10 -
وَاللهَ أرجُوْ في أُمُوْرِي كُلِّهَا
…
مُعْتَصَِماً في صَعْبِهَا وَسَهْلِهَا
وَقَدِ اصطَلَحَ عَلَى شيءٍ للاختصارِ في نظمه، فبيَّنَهُ بقولِهِ:
(فحيثُ جاءَ الفعلُ والضميرُ) أي: أحدُهما (لواحدٍ) فقطْ (ومَنْ لَهُ) أي: الفعلُ أَوْ الضميرُ (مستورُ) أي: غَيْرُ مذكورٍ، كـ (قَالَ)، وله (أَوْ أَطْلَقْتُ لَفْظَ الشَّيْخِ، مَا أُريْدُ) بكُلٍّ مِنْ ذَلِكَ (إلَاّ ابنَ الصَّلاحِ مُبْهَما) بتلكَ الألفَاظِ بفتحِ الهاءِ (5): حالٌ من
(1) قال ابن جماعة: ((واقتفى آثارهم - يعني الحفاظ المتقدمين - الشّيخ الإمام الحافظ تقي الدين أبو عمرو بن الصلاح بكتابه الذي أوعى فيه الفوائد وجمع، وأتقن في حسن تأليفه ما صنع)) المنهل الروي: 26.
وقال العراقي: ((أحسن ما صنف أهل الحديث في معرفة الاصطلاح كتاب علوم الحديث لابن الصلاح جمع فيه غرر الفوائد فأوعى، ودعا له زمر الشوارد فأجابت طوعاً)). التقييد والإيضاح: 11، وانظر في أهمية هذا الكتاب ونفاسته مقدمتنا لـ" معرفة أنواع علم الحديث " لابن الصّلاح: 34 - 37.
(2)
في (ق): ((مميزاً)).
(3)
انظر: شرح التبصرة والتذكرة 1/ 106 - 107.
(4)
معنى البيت لا يكتمل إلاّ بالبيت الذي بعده، وهو عيبٌ عند العروضيين ويسمّى بـ (التضمين). والتضمين لَيْسَ بَيْن هَذَا البيت والذي بعده فَقَطْ وانما يتكرر كثيراً في هَذَا النظم، بَلْ في جَمِيْع المنظومات التعليمية كألفية ابن مالك وألفية ابن معطي وغيرهما؟ وانظر الأبيات: 14، 15، 16، 17، 27، 28،
(5)
من (مبهما).
مفعولِ ((أريدُ)) (1)، وبكسرِها: حالٌ من فاعلِهِ (2)، مَعَ أنَّ هَذَا يُغنِي عَنْهُ إطلاقُ تِلْكَ الألفاظِ: إذِ المتبادرُ مِنْها الإبهامُ.
(وإنْ يَكُنْ) أي (3): ما ذكر من الفعلِ أَو (4) الضميرِ (لاثنينِ نحوُ) قولِك: (التَزَما) كقولِهِ: (واقْطَعْ بصحةٍ لِمَا قَدْ أسنَدا)(5). وقولِه: (وأرْفَعُ الصَّحِيحِ مَرْويُّهُما)(6). (فَمُسْلِمٌ مَعَ البُخَارِيِّ هُمَا)، وَهُمَا: إماما المحدِّثينَ: أَبُو عَبْدِ اللهِ محمدُ بنُ إسماعيلَ بنِ إبْرَاهِيمَ بنِ المغيرةِ بنِ بَرْدِزْبَه (7) الجُعْفِيُّ البُخَارِيُّ، وأبو الحسينِ مُسْلِمُ بنُ الحجَّاجِ بنِ مسلمٍ القُشَيْرِيُّ النَّيْسَابُورِيُّ.
وقدَّمهُ عَلَى البخاريِّ - مَعَ أنَّ البخاريَّ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ رتبةً (8) - اكتفاءً بما هُوَ معلومٌ، أَوْ بتعبيرِه بـ ((مَعَ)) المُشْعِرةِ بتبعيِّةِ ما قبلَها لما بعدَها، أَوْ لضرورةِ النَّظْمِ عِندَهُ.
(واللهَ) لا غيرَ (أَرْجوْ) أي: أؤمِّلُ (في أُمُوْرِيْ كُلِّها) الدنيويةِ والأخرويةِ (معتصَماً) بفتحِ الصادِ تمييزٌ للنسبةِ. أي: أرجوه من جهةِ العِصْمَةِ بمعنى الحِفْظِ.
وبكسرِها (9) حالٌ من فاعلِ (أرجو)(10) بِجَعْلِ العِصْمَةِ بمعنى المنعِ من
المعصيةِ (11) أي: مانعاً نفسي منها (12) بلطفِ اللهِ تعالى في أموري كلِّها.
(1) وهو ابن الصّلاح صاحب الأصل " معرفة أنواع علم الحديث ".
(2)
وهو النّاظم أي: الحافظ العراقي صاحب " التبصرة والتذكرة ".
(3)
ساقطة من (ص).
(4)
كذلك.
(5)
وهو صدر البيت (40) من متن التبصرة والتذكرة.
(6)
هو صدر البيت (37).
(7)
بفتح الباء الموحدة وسكون الراء المهملة وكسر الدال المهملة وسكون الزاي المعجمة وفتح الموحدة بعدها هاء، هذا هو المشهور في ضبطه، وبه جزم ابن ماكولا، وقد جاء في ضبطه غير ذلك. هدي الساري: 477، وانظر: وفيات الأعيان 4/ 190.
(8)
انظر: نكت الزركشي 1/ 165 - 166.
(9)
يريد كسر: ((معتصماً))، وانظر: شرح التبصرة 1/ 109.
(10)
وهو النّاظم.
(11)
المثبت من (ص) و (ع) و (ق). وفي (م): ((العصمة)).
(12)
المثبت من (ص) و (ع) و (ق). وفي (م)((منّاً)).