الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وما قِيلَ: ((مِن أنَّ ذَلِكَ لا يَنْتَهِضُ دليلاً عَلَى ابنِ الصَّلاح))، فِيهِ وَقْفةٌ.
حُكْمُ الصَّحِيْحَيْنِ والتَّعْلِيْق
(1)
40 -
وَاقْطَعْ بِصِحَّةٍ لِمَا قَدْ أَسْنَدَا
…
كَذَا لَهُ، وَقِيْلَ ظَنّاً وَلَدَى
41 -
مُحَقِّقِيْهِمْ قَدْ عَزَاهُ (النَّوَوِيْ)
…
وَفي الصَّحِيْحِ بَعْضُ شَيءٍ قَدْ رُوِيْ
= ويؤيد ذلك أيضاً عدوله - يعني ابن الصلاح - عن التعبير بالنصّ على الصحة واقتصاره على مجرد النصّ على هذه الأسانيد.
ويؤيد ذلك قوله في ((الفائدة السابعة)) (169): ((وإذا انتهى الأمر في معرفة الصحيح إلى ما خرّجه الأئمة في تصانيفهم الكافلة ببيان ذلك كما سبق ذكره
…
))، وقوله في ((الفائدة الثامنة)) (173):
((إذا ظهر - بما قدمناه - انحصار طريق معرفة الصحيح والحسن الآن، في مراجعة الصحيحين وغيرها من الكتب المعتمدة
…
)).
وقوله في كلامه على ((جواز العمل اعتماداً على ما يوثق به من الوجادة)) (360): ((قطع بعض المحققين من أصحابه. (يعني: الشافعي). في (أصول الفقه) بوجوب العمل به عند حصول الثقة به، وقال:((لو عرض ما ذكرناه على جملة المحدّثين لأبوه)). وما قطع به هو الذي لا يتجه غيره في الأعصار المتأخرة، فإنّه لو توقّف العمل فيها على الرواية لانسدّ باب العمل بالمنقول، لتعذّر شرط الرواية فيها على ما تقدّم في النوع الأول)). أ. هـ.
وعلى هَذَا التأويل المذكور هنا يزول التعارض الظاهري بَيْن أجزاء كلام ابن الصَّلاح - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - وهذا التأويل يحتاج إلى تدبّر فَلا تبادر بالإنكار -رعاك الله-.
وتبقى بعض أشياء لعلّي أذكرها في موضع آخر يناسبها إن شاء الله ذلك وقدره بمنّه وكرمه سبحانه وتعالى). انتهى كلامه. الشذا الفياح 1/ 77 - 80.
(1)
قال البقاعي: ل 45/ أ: ((عطفه التعليق من عطف الخاص على العام، وصرَّح به؛ لأن الصحة والضعف يتجاذبانه، فمن حيث ضمه إلى الصحيح يظن به الصحة ومن حيث قطعه وسوقه غير مساق الكتاب يظن به غير ذلك)).
جملة ما في صحيح البخاري من التعاليق واحدٌ وأربعون وثلاث مئة وألف حديث، وغالبها مكرر مخرّجٌ في الكتاب أصوله أو متونه، وليس في الكتاب من المتون التي لم تخرّج في الكتاب - ولو من طريق أخرى - إلا مئة وستون حديثاً. وقد جمع الحافظ ابن حجر جميع هذه التعاليق ووصلها في كتاب مستقل سماه:" تغليق التعليق ".
أما صحيح مسلم فإنّ التعاليق الواردة فيه اثنا عشر. وكلّ حديث منها رواه متصلاً ثم عقبّه بقوله: ((رواه فلان))، غير حديث أبي جهيم فإنّه لم يصله، وعلى هذا فليس في صحيح مسلم بعد المقدمة حديث معلّق لم يصله إلا حديث أبي جهيم. مقدمة شرح النووي 1/ 18، والإرشاد 1/ 127 والتعليق عليه، وهدي الساري:469.
42 -
مُضَعَّفٌ وَلَهُمَا بِلا سَنَدْ
…
أَشْيَا فَإنْ يَجْزِمْ فَصَحِّحْ، أو وَرَدْ
43 -
مُمَرَّضاً فَلا، وَلكِنْ يُشْعِرُ
…
بِصِحَّةِ الأصْلِ لَهُ كَـ (يُذْكَرُ)
(حُكْمُ الصَّحِيحينِ) فِيْمَا أُسْنِدَ فِيهِما، وغيرِهِ (و) حُكْمُ (1)(التَّعْلِيْقِ) الواقعِ فيهما مَعَ تعريفه.
(وَاقْطَعْ بِصِحَّةٍ لِمَا قَدْ أَسْنَدَا) أي: البخاريُّ وَمُسْلِمٌ مجتمعينِ ومنفردين؛ لتلقِّي الأمَّةِ المعْصُوْمةِ في إجماعِها بخبرِ (2): ((لَا تَجْتَمِعُ أمَّتِيْ عَلَى ضَلَالَةٍ)) (3) لذلك بالقَبُولِ.
وهذا (4) يُفيدُ عِلماً نظرياً؛ لأنَّ ظنَّ مَنْ هُوَ مَعْصومٌ من الخطإِ لا يُخطِئُ (5).
(كَذَا لَهُ) أي: لابنِ الصَّلاحِ. أي: كَذَا قالَه تَبَعاً لِجَماعةٍ (6).
وحاصِلُه: أنَّ ذَلِكَ صَحِيحٌ قَطْعاً، وأنَّهُ يُفيدُ عِلْماً.
(وَقِيلَ:) صَحيحٌ، أَوْ يُفيدُ (ظَنّاً) بِنَصبِهِ عَلَى الأول تمييزاً، وعلى الثَّاني مفعولاً. (و) هَذَا القولُ (لَدَى) أي: عِنْدَ (مُحقِّقِيهمْ)، وأكثرِهم، هُوَ المُعتبرُ، كما (قَدْ عَزَاهُ) إِليهِم (النَّوويْ) مُحْتَجّاً بأنَّ أخبارَ الآحادِ لا تفيدُ (7) إلَاّ الظنَّ، ولا يلزمُ من
(1) في حاشية (ق) تعليقة للعلامة الآلوسي، قال فيها:((قوله وحكم التعليق: أعاد لفظ الحكم للإشارة إلى أن التعليق معطوف على الصحيحين ولا يبعد رفعه بالعطف على حكم بل قيل هو أولى لأن المتن لم يقتصر على حكم التعليق بل ذكر تعريفه أيضاً)).
(2)
في (ق) و (ع): ((الخبر)).
(3)
أخرجه عبد بن حميد (1220)، والمزي في تهذيب الكمال 8/ 301 من طريق أبي المغيرة عن معان بن رفاعة عن أبي خلف الأعمى عن أنس. وورد عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:((إن الله لا يجمع أمتي، أو قال أمة محمّد صلى الله عليه وسلم، على ضلالة، ويد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ إلى النار)). أخرجه التّرمذي
(2167)
، وفي علله الكبير (597)، وقال:((هذا حديث غريب من هذا الوجه)).
(4)
في (ص): ((وهذا فيما)).
(5)
معرفة أنواع علم الحديث: 108.
(6)
قال الإمام العراقي في شرح التبصرة والتذكرة 1/ 156: ((وقد سبقه إلى نحو ذلك محمّد ابن طاهر المقدسيّ، وأبو نصر عبد الرحيم بن عبد الخالق بن يوسف)).
(7)
في (ق): (تفيد).
إجماعِ الأمَّةِ عَلَى العملِ بما فيهما إجماعَها عَلَى أنَّه مقطوعٌ بأنَّه من كلام النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم (1).
(وَفي الصَّحِيْحِ) لكلِّ من البُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ (بَعْضُ شَيءٍ) من أحاديِثهما (قَدْ رُوِيْ مُضَعَّفٌ) - بالرفع - صفةٌ لـ (بَعْض)، وَفِي نسخةٍ:(مضعفاً) -بالنصب- بالحاليةِ (2)(3).
وأشارَ - كَما قَالَ: بـ (بعض شيءٍ) - إلى تَقْليلِ ذَلِكَ، وحاصِلُه استثناءُ ذَلِكَ مِمَّا ذكرَ.
ومِنْ ثَمَّ قَالَ ابنُ الصلاحِ: ((سوى أحرفٍ يسيرةٍ، تكلَّم عليها بعضُ أهلِ النَّقْدِ من الحُفَّاظِ، كالدَّارَقُطْنِيِّ، وَهِيَ معروفةٌ عِنْدَ أهلِ هَذَا الشأنِ)) (4).
قَالَ شَيْخُنا: ((وسِوى مَا وقعَ التَّجَاذُبُ (5) بَيْنَ مَدْلولَيهِ حيثُ لا ترجيحَ لاستحالةِ أنْ يُفيْدَ المُتَناقِضَانِ العِلْمَ بصدْقهِمَا، من غَيْرِ ترجيحٍ لأحدهِما عَلَى الآخر)) (6).
قَالَ: ((وَقَدْ ضعَّفَ الدَّارَقُطْنِيُّ من أحاديثِهِما مئتينِ وَعَشَرة، يختصُّ البخاريُّ بثمانينَ إلا اثنينِ. ومسلمٌ بمئة، ويشتركانِ في اثنينِ وثلاثينَ)) (7).
(1) قال النّوويّ: ((وخالفه - يعني: ابن الصلاح- المحققون والأكثرون، فقالوا: يفيد الظن ما لم يتواتر)). التقريب: 40. وبنحو قول النّوويّ قال العز بن عبد السلام، وانظر في هذه المسألة: صيانة صحيح مسلم: 85، وشرح النّوويّ لصحيح مسلم 1/ 128، وشرحه لصحيح البخاريّ: 40، والباعث الحثيث 35 - 36، والنسخة المحققة 1/ 126، ومحاسن الاصطلاح: 101، والمقنع 1/ 76 - 77، والتقييد والإيضاح: 41، والنكت لابن حجر 1/ 371 - 376.
(2)
في (ق): ((على الحالية)).
(3)
انظر: شرح التبصرة والتذكرة 1/ 155 والتعليق عليه، والنكت الوفية (ل 45/ ب).
(4)
معرفة أنواع علم الحديث: 18.
(5)
أي: التخالف - كما في نسخة - والمراد: التعارض. شرح عليّ القاري: 43.
وكتب فوق هذه الكلمة في نسخة (ق): ((التناقض)). وفي (ع) حاشية نصها قوله: ((التجاذب، أي: التعارض)).
(6)
النّزهة: 74 - 75.
(7)
هدي الساري: 346.
قَالَ الناظم في نُكَتِهِ: ((وَقَدْ أجابَ عنها العلماءُ، وَمَعَ ذَلِكَ فليْسَتْ يسيرةً (1) بَلْ كثيرةً، وَقَدْ جمعتُها في تصنيفٍ مَعَ الجوابِ عنها)) (2).
قُلْتُ: ما رَدَّ بِهِ عَلَى ابنِ الصلاح من أنَّها كثيرةٌ، يُرَدُّ بِهِ عَلَيْهِ أَيْضَاً، لموافقتِه كَمَا مَرَّ. فالأَوْجَهُ أنْ يُقالَ: إنَّ كَثرتَها إنَّمَا هِيَ كثرتُها في نَفْسِهِا، فَلا يُنافي كونَها يسيرةً بالنظر إلى مَا لَمْ يضعَّفْ في " الصَّحِيحينِ "(3).
ثُمَّ بيَّن حُكمَ التعليقِ الواقعِ فيهما، فَقالَ:
(وَلَهُمَا)، أي: البخاريِّ وَمُسْلِمٍ في " صَحِيحَيْهِما "(بِلا سَنَدْ) أصلاً أَوْ كاملٍ (أَشْيَا) - بالقصرِ للوزنِ، أَوْ لنيةِ الوقفِ -. ك: قَالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم، أَوْ (4) قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، أَوْ الزُّهْريُّ، أَوْ يُروى عَنْ فُلَانٍ، أَوْ يُذْكَرُ عَنْهُ، كَما سيأتي، وذلك كثيرٌ في البُخَارِيِّ، قليلٌ في مُسْلِمٍ.
(1) في (ع): ((يسيرة في نفسها)).
(2)
التقييد والإيضاح: 42.
قلنا: نعم هي ليست باليسيرة، فقد بلغت انتقادات الدارقطني وحده (218)، وهذا فيما سوى ما انتقده أبو مسعود الدمشقي، وأبو الفضل بن عمار، وأبو علي الجياني.
ولربما أراد ابن الصلاح أنها يسيرة نسبياً إلى ما لا انتقاد عليه. والحقيقة أن هذه الانتقادات تتفرع عن الأقسام الآتية:
1 -
الزيادة التي تقع في بعض الأحاديث.
إذ قد ينفرد ثقة بزيادة لا يذكرها من هو مثله أو أحفظ منه، فتحميل هذا الثقة تبعه أنه قد يكون غلط؛ ظن مجرد، وغاية ما فيها أنها زيادة ثقة لا تنافي رواية الأحفظ والأكثر.
2 -
الحديث الذي قد يرويه تابعي، المشهور أن روايته عن صحابي معين سمع منه، فيروي الحديث بواسطة عن ذلك الصَّحَابيّ، فيعلل الأول بزيادة الراوي في الطريق الثانية. وهذا مندفع بأنه لا مانع من كون ذلك التابعي قد سمع ذلك الحديث بعينه من ذلك الصحابي مباشرة ثم سمعه بواسطة وهكذا يكون الأمر فيمن بعدهم.
3 -
أن يشير صاحب الصحيح إلى علته، كأن يرويه مسنداً ثم يذكر أنه روي مرسلاً، فهذا من صاحب الصحيح ترجيح لرواية الواصل على المرسل.
4 -
ما يكون مداراً للاجتهاد وتكون علته مرجوحة بالنسبة إلى صحته.
وانظر: نكت الزركشي 1/ 287، والتقييد والإيضاح 42، وابن حجر 1/ 380.
(3)
انظر: النكت لابن حجر 1/ 380.
(4)
في (م): ((أو كما)).
حَتَّى قَالَ النَّاظِمُ (1): ((ليسَ عِنْدَهُ بَعْدَ مُقدِّمةِ الكتابِ حديثٌ لَمْ يُوصلْهُ فِيهِ سِوى موضعٍ واحدٍ في التيمُّمِ، وَهُوَ حَدِيثُ أبي الجُهَيْمِ (2) بنِ الحارِثِ بنِ الصِّمَّةِ (3): ((أقْبَلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ نَحْوِ بِئْرِ جَمَلٍ (4)
…
الحَدِيثَ)).
قَالَ فِيهِ مسلمٌ: ((وروى اللَّيْثُ بنُ سَعْدٍ)) (5)، ولم يُوصِلْ إسنادَهُ إلى اللَّيْثِ، وَقَدْ أسندَهُ البُخَارِيُّ عَنْ يحيى بنِ بُكَيْرٍ عَنْ اللَّيْثِ (6).
(فإنْ يَجْزِمْ): المُعُلِّقُ (7) منها بشيءٍ من ذَلِكَ، ك:((قَالَ)) و ((ذَكَرَ)) و ((زادَ)) و ((رَوَى)) فلانٌ (فَصَحِّحْ)(8) أنتَ عمَّنْ علَّقَهُ عَنْهُ؛ فإنَّ مُعَلِّقَهُ لا يستجيزُ إطلاقَهُ، إلَاّ وَقَدْ صَحَّ عِنْدَهُ عَنْهُ (9).
(أَوْ) لَمْ يجزم بِهِ، بَلْ (وَرَدْ مُمَرَّضاً فَلا) تُصَحِّحْهُ عَملاً بِظاهِر الصِّيْغةِ، ولأنَّ استعمالَها في الضَّعيفِ أكثرُ مِنْهُ في الصحيحِ (10).
وَحَمَلَ ابنُ الصَّلاح قولَ البُخَارِيِّ: ((مَا أَدْخلتُ فِي كِتَابِي الجامِع إلَاّ مَا صَحَّ)) (11)، وقولُ الأئِمَّةِ:((مَا فِيهِ مَحكومٌ بِصحَّتِهِ)) عَلَى أنَّ المُرادَ مَقاصدُ الكتابِ ومَوْضُوعُهُ، ومتُونُ الأبوابِ، دُوْنَ التَّراجِمِ ونحوِها (12).
(1) شرح التبصرة والتذكرة 1/ 159 - 160.
(2)
في (م): ((الجهم)). ويجوز فيه الوجهان، انظر: تهذيب التهذيب 12/ 61.
(3)
بكسر المهملة وتشديد الميم. التقريب (8025).
(4)
موضع في المدينة. انظر: معجم البلدان 1/ 299.
(5)
صحيح مسلم 1/ 194 (369).
(6)
صحيح البخاريّ 1/ 92 عقب (337).
(7)
في (م): ((أي المعلق)).
(8)
في (ق) و (م): ((فصححه)).
(9)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 161.
(10)
المصدر السابق.
(11)
معرفة أنواع علم الحديث: 105.
(12)
المصدر السابق.
قلنا: هذا كلام صحيح، فالمحكوم بصحته هو ما روي بالسند المتصل، أما ما ذكر تعليقاً فهو ليس من نمط الصحيح كما سبق بيان ذلك، ولكن هنا مسألة ينبغي التنبيه عليها، وهي أنّه قد تتابع الذين كتبوا في المصطلح، على أن ما ذكره البخاري بصيغة الجزم صحيح إلى من علّقه إليه، ويبقى النظر فيمن أبرز من=
..............................................................
= رجاله، وهذا لم يصرّح به البخاري، وإنّما بني على استقراء ناقص غير تام، فالصواب أنّ هذِهِ
القاعدة كلية لا أغلبية، وأن تعاليق البخاري لا يتم الحكم على المروي منها بشيء من الصحة ولا الحسن ولا الضعف إلا بعد الكشف والفحص عن حال ما علّقه، وقد علّق البخاريّ حديث عائشة:
((كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه)) بصيغة الجزم، مع أنّه لا يصحّ على شرطه، بل على شرط غيره، فخبر عائشة هذا أخرجه مسلم في " صحيحه ". وذكر أيضاً بصيغة الجزم حَدِيث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جدّه، عن النبي صلى الله عليه وسلم:((الله أحق أن يستحيى منه من الناس))، وهو ليس من شرطه قطعاً، ولهذا لما علّق في النكاح شيئاً من حديث جدّ بهز لم يجزم به، بل قال: ويذكر عن معاوية بن حيدة.
وقال في: ((باب: العرض في الزكاة)): وقال طاووس: قال معاذ رضي الله عنه لأهل اليمن: ائتوني بعرض ثياب خميس أو لبيس في الصدقة مكان الشعير والذرة أهون عليكم، وخير لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، ورجاله ثقات إلا أن طاووساً لم يسمع من معاذ، فهو منقطع.
وعلّق حديث جابر في كتاب العلم بصيغة الجزم، فقال: ورحل جابر بن عبد الله مسيرة شهر إلى عبد الله بن أنيس في حديث واحد.
وعلّقه في كتاب التوحيد بصيغة التمريض، فقال: ويذكر عن جابر، عن عبد الله بن أنيس، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((يحشر الله العباد، فيناديهم بصوت يسمعه من بعد، كما يسمعه من قرب: أنا الملك أنا الديان)).
وقد قال الحافظ: جزم به حيث ذكر الارتحال فقط؛ لأنّ الإسناد حسنٌ وقد اعتضد، وحيث ذكر طرفاً من المتن لم يجزم به؛ لأن لفظ الصوت مما يتوقف في إطلاق نسبته إلى الربّ، فإنه يحتاج إلى تأمل، فلا يكفي مجيء الحديث من طرق مختلف فيها ولو اعتضد.
وما علّق بصيغة التمريض، منها ما هو صحيح على شرطه، وقد أورده في موضع آخر من " جامعه " ففيه 1/ 44 في المواقيت، باب: ذكر العشاء والعتمة ومن رآه واسعاً: ويذكر عن أبي موسى قال: كنا نتناوب النبي صلى الله عليه وسلم عند صلاة العشاء فأعتم بها، وقد رواه موصولاً (567) في باب: فضل العشاء
…
، ولفظه فيه: فكان يتناوب رسول الله صلى الله عليه وسلم عند صلاة العشاء كل ليلة نفر منهم.
وقال في كتاب الطب 10/ 76، باب: الرقي بفاتحة الكتاب: ويذكر عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أسنده (5737) في الباب الذي بعده من حديث ابن أبي مليكة، عن ابن عباس في قصة، وفيه قوله صلى الله عليه وسلم:((إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله)).
ومما أورده بصيغة التمريض، ولم يورده في موضع آخر من كتابه، وهو صحيح، ما جاء في كتاب الآذان من " صحيحه " 2/ 204: ويذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((ائتموا بي وليأتم بكم من بعدكم))، وهو حديث صحيح أخرجه مسلم في " صحيحه "(438) من طريق أبي نضرة العبدي، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في أصحابه تأخراً، فقال لهم: ((تقدموا فأتموا بي، وليأتم بكم من بعدكم
…
)).
وجاء في كتاب الصلاة 2/ 255: ويذكر عن عبد الله بن السائب قرأ النبي صلى الله عليه وسلم (المؤمنون) في الصبح، حتى إذا جاء ذكر موسى أو هارون أو ذكر عيسى أخذته سلعة، فركع، وهو حديث صحيح أخرجه =
(وَلكِنْ) إيرادُ المعلِّق لذلك (1) في أثناءِ صَحِيحِه (يُشْعِرُ بِصحَّةِ الأصْلِ لَهُ) إشعاراً يُؤنَسُ بِهِ ويُرْكَنُ إِليهِ (2).
وألفَاظُ التَّمريضِ: (ك: يُذْكَرُ)، و ((يُروى))، و ((يُقالُ))، و ((ذُكِرَ))، و ((رُوِيَ))، و ((قِيلَ)). وكتعليقِهما تعليقُ كُلِّ مَنِ التزَم الصِّحَّة.
44 -
وَإنْ يَكُنْ أوَّلُ الاسْنَادِ حُذِفْ
…
مَعْ صِيغَةِ الجَزْم فَتَعليْقاً عُرِفْ
45 -
وَلَوْ إلى آخِرِهِ، أمَّا الَّذِي
…
لِشَيْخِهِ عَزَا بـ (قالَ) فَكَذِي
46 -
عَنْعَنَةٍ كخَبَرِ المْعَازِفِ
…
لا تُصْغِ (لاِبْنِ حَزْمٍ) المُخَالِفِ
ثُمَّ عرَّف التعليقَ بقولِه: (وإنْ يَكُنْ أوَّلُ) رواةِ (الاسْنَادِ) بدرج الهمزة، من جهة المعلِّقِ (حُذِفْ) واحداً كَانَ أَوْ أكثرَ، وعزا الحَدِيثَ لمَنْ فَوْقَ المحذوفِ (مَعْ) ذِكْرِ (صِيغَةِ الجَزْمِ)، بَلْ أَوْ صِيغةِ التَّمريضِ، كما قَالَهُ النَّوويُّ وغيرُهُ، (فتعليقاً) أي: فبالتَّعليقِ (عُرِفْ) عِنْدَ أئمَّةِ هَذَا الشأنِ.
(فتعليقاً): منصوبٌ بِنَزْعِ الخافضِ، ويجوز نصبُه بـ (عُرِفَ) بتَضْمينِه مَعْنَى ((سُمِّيَ)).
والتعليقُ مأخوذٌ من تعليقِ الجدارِ، وتعليقِ الطَّلاقِ (3)، ونحوِه؛ بجامعِ قَطْعِ الاتِّصَالِ (4).
= مسلم (455) في الصلاة، باب: القراءة في الصبح، من طرق عن عبد الله بن السائب
…
، وهذه الأمثلة وغيرها أيضاً تدّل على أنّ استعمال صيغة ما لم يسم فاعله قد يكون لمعنى غير التمريض، كاختصار السند، أو الاقتصار على بعضه، أو إيراد الحديث بالمعنى، وغير ذلك من الوجوه، وهذا شائع ذائع في كتب المتقدمين من الأئمة كالشافعي في " الأم " فإنه يذكر فيه أحاديث كثيرة بصيغة التمريض، وهي في الصحيحين أو أحدهما، وكذلك البغوي في "شرح السنة" حين يطوي السند، يورد الحديث بصيغة التمريض، وكثير مما جاء كذلك صحيح. إفادة من تعليقات الشيخ شعيب الأرنؤوط على العواصم 3/ 42 - 44.
(1)
في (ق): ((كذلك)).
(2)
معرفة أنواع علم الحديث: 104.
(3)
انظر: النكت لابن حجر 2/ 603.
(4)
انظر: النكت الوفية: 53/أ، معرفة أنواع علم الحديث: 175، وتعقبه البلقيني في محاسن الاصطلاح: 162، فراجعه تجد فائدة، وشرح التبصرة والتذكرة 1/ 167.
(ولو) حَذَفَ رواةَ الإسنادِ من أوَّلهِ (إلى آخِرِهِ) بأَنِ اقتصرَ عَلَى الرسولِ صلى الله عليه وسلم في المرفوعِ، أَوْ عَلَى الصَّحَابيِّ في الموقوفِ، فإنَّه يُسَمَّى تَعْليقاً (1).
وأمَّا مَا حُذِفَ من آخرِهِ أَوْ أثنائِهِ فَلَيْسَ تَعْليقاً، لاختصاصهِ بألقابٍ غيرِهِ، كالعَضْلِ، والقَطْعِ، والإرسالِ.
(أَمَّا الذِي لشَيْخِهِ)، أي: أَمَّا الذِي (عَزا) هُ مصنِّفٌ لشيخِه (بـ: قَالَ)(2)، أَوْ زادَ، أَوْ نحوِهِ مِنْ صِيَغِ الجَزْمِ (فكَ) إسنادٍ (ذِي عَنْعَنَةٍ). فيكونُ متصلاً من البُخَارِيِّ، ونَحْوِهِ؛ لِثُبوتِ اللِّقاء، والسَّلامةِ مِنَ التَدْليسِ، إذْ شَرْطُ اتِّصَالِ المُعَنْعَنِ ثبوتُ ذَلِكَ، كما سيأتي في محلِّه؛ فلا يكونُ ذَلِكَ تَعْليقاً (3).
وَقِيلَ: إنَّه تَعْليقٌ؛ وَعَلَيْهِ جَرى الحُمَيْدِيُّ وَغَيْرُهُ (4)، وتوسَّطُ بعضُ مُتَأخّرِي المَغَارِبَةِ، فَوسمَ ذَلِكَ بالتعليقِ المتَّصلِ مِن حَيْثُ الظاهرُ، المنفصلِ من حيثُ المعنى، لكنَّهُ أدرجَ مَعَهُ ((قَالَ لي))، ونحوها، مما هُوَ مُتَّصِلٌ جزماً، ونُوْزِعَ فِيهِ كما سيأتي في أقسامِ التَّحمُّلِ (5).
والمختارُ الذي لا مَحِيْدَ عَنْهُ، كما قَالَ شيخُنا:((إنَّ حكمَ ((قَالَ)) في الشيوخِ مثلُ غيرِها من التعاليقِ المجزومةِ)) (6)، وأمثلةُ ذَلِكَ كثيرةٌ.
(كخَبَرِ الْمَعازِفِ) - بفتح الميمِ، وبالزاي والفاءِ - أي: آلاتِ الملاهِي، حيثُ قَالَ البُخَارِيُّ في ((بابِ الأشْرِبةِ)): قَالَ هِشامُ بنُ عَمَّارٍ: حَدَّثَنَا صَدَقَةُ ابنُ خالدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عبدُ الرحمانِ بنُ يزيدَ بنِ جابرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَطِيَّةُ بنُ قيسٍ، قَالَ حَدَّثَني عبدُ الرحمانِ بنُ غَنْمٍ، قَالَ: حَدَّثَني أَبُو عامرٍ، أَوْ أَبُو مَالِكٍ الأشعريُّ أنَّه سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم (7)،
(1) انظر: شرح التبصرة والتذكرة 1/ 168 والتعليق عليه، والإرشاد 1/ 194.
(2)
في (م): ((يقال)).
(3)
قال الإمام العراقي: هكذا جزم به ابن الصلاح في الرابع من التفريعات التي تلي النّوع الحادي عشر. انظر: شرح التبصرة والتذكرة 1/ 169.
(4)
انظر: شرح التبصرة والتذكرة 1/ 166، والنكت الوفية: 52/ب، والإرشاد 1/ 193.
(5)
انظر: النكت لابن حجر 2/ 600 - 601.
(6)
انظر: النكت لابن حجر 2/ 601 - 602، وفتح الباري 10/ 52 - 53.
(7)
المثبت من الأصول وفي (م): ((عليه وسلم)).
يَقُولُ: ((لَيَكُوْنَنَّ فِيْ أمَّتِيْ أقْوَامٌ يَسْتَحِلُّوْنَ الحِرَ وَالحَرِيْرَ وَالخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ)) (1).
فهذا حُكْمُهُ الاتِّصَالُ، أَوْ التعليقُ عَلَى ما مرَّ؛ لأنَّ هِشاماً من شُيُوخِ البخاريِّ (2) وَقَدْ عزاهُ إِليهِ بـ ((قَالَ)) فاعتمدْ ذَلِكَ (3)، و (لا تُصْغِ)، أي: تَمِلْ (لابْنِ حَزْمٍ) الحافظِ أبي مُحَمَّدٍ عَلِيِّ بنِ أَحْمَدَ بنِ سعيدِ بنِ حَزْمٍ، فَهُوَ منسوبٌ لجدِّ أبِيهِ (المُخَالِفِ) في ذَلِكَ، وغيرِهِ؛ لجمودِه عَلَى الظاهرِ، حيثُ حكمَ في موضعٍ من " محلَاّه "(4) بعدمِ اتِّصَالِ ذَلِكَ.
وقالَ في الحديثِ المذكورِ: إنه مُنْقَطِعٌ، لَمْ يَتَّصِلْ مَا بَيْنَ البُخَارِيِّ، وَصَدَقَةَ.
وحقُّهُ أَنْ يقولَ: ((وهِشامٌ)) بدلَ: ((وصَدَقَةُ)).
ولَمْ يَكْتفِ بذلكَ، بَلْ صَرَّحَ لتقريرِ قولِهِ بإباحةِ الملاهي: بأنَّه مَعَ جميعِ ما في هَذَا البابِ موضوعٌ.
قَالَ ابنُ الصَّلاحِ: ((ولا التفاتَ إِليهِ في ذَلِكَ، بَلْ أخطأ فِيهِ مِن وُجوهٍ، والحديثُ صَحِيْحٌ مَعروفُ الاتصالِ بشرطِ الصَّحِيحِ)) (5).
(1) صحيح البخاريّ 7/ 138 (5590).
(2)
انظر: التاريخ الصغير 2/ 382، وتهذيب الكمال 6/ 228و7/ 412، والكاشف2/ 337، وتهذيب التهذيب 11/ 51، وقد ذكر العيني في عمدة القاري 21/ 175 الأحاديث التي رواها البخاريّ عن هشام بن عمار.
(3)
بعد هذا في (ص): ((وإن لم يصرح بالتحديث عنه، أو الإخبار وما يقوم مقامه)).
(4)
المحلى 9/ 59. قلنا: يتعجب على ابن حزم قوله هذا، فقد قال في كتاب الإحكام 1/ 151: ((اعلم أن العدل إذا روى عمّن أدركه من العدول فهو على اللقاء والسماع، سواء قال: أخبرنا، أو حدّثنا، أو عن فلان، أو قال فلان، فكل ذلك محمول على السّماع منه)). وانظر: النكت لابن حجر 2/ 602 - 603.
(5)
معرفة أنواع علم الحديث: 171 - 172. قال الإمام العراقي في شرح التبصرة والتذكرة 1/ 172:
((والحديث متّصل من طرق: من طريق هشام وغيره. قال الإسماعيلي في المستخرج: حدّثنا الحسن، وهو ابن سفيان النسوي الإمام، قال: حدّثنا هشام بن عمار فذكره. وقال الطبراني في مسند الشاميين 1/ 334 (588) حدّثنا محمّد بن يزيد بن عبد الصمد، قال: حدّثنا هشام بن عمار)). ووصل الحديث أيضاً ابن حبان في صحيحه (الإحسان) 8/ 265 (6719) والطبراني في المعجم الكبير 3/ 282 (3417). ووصله ابن حجر في تغليق التعليق 5/ 17 - 22، واستوفى الكلام عليه طرقاً وبحثاً. والحديث أيضاً موصول من غير طريق هشام. انظر: تغليق التعليق 5/ 20 - 22.