الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
التَّدْلِيْسُ
(1)
153 -
تَدلِيْسُ الاسْنَادِ (2) كَمَنْ يُسْقِطُ مَنْ
…
حَدَّثَهُ، وَيَرْتَقِي بـ (عَنْ) وَ (أَنْ)
154 -
وَقَالَ: يُوْهِمُ اتِّصَالاً، وَاخْتُلِفْ
…
فِي أَهْلِهِ، فَالرَّدُّ مُطْلَقاً ثُقِفْ
155 -
وَالأكْثَرُوْنَ قَبِلُوْا مَا صَرَّحَا
…
ثِقَاتُهُمْ بِوَصْلِهِ وَصُحِّحَا
156 -
وَفي الصَّحِيْحِ عِدَّةٌ كـ (الأعْمَشِ)
…
وَكـ (هُشَيْمٍ) بَعْدَهُ وَفَتِّشِ
(التَّدْلِيْسُ) هُوَ كَتْمُ العَيْبِ فِي المَبِيْع وَنَحْوِهِ، وَهُوَ مأخوذٌ من الدَّلَسِ (3) - بالتحريكِ-وَهُوَ الظُّلمةُ، كأنَّهُ لتغطيتِه عَلَى الواقفِ عَلَى الحديثِ، أَوْ غيرِهِ أظْلَمَ أمْرَهُ (4).
وَهُوَ (5) ثلاثةُ أقسامٍ (6) عَلَى مَا ذكرَهُ النَّاظِمُ (7):
(1) انظر في التدليس:
معرفة علوم الحديث: 103، والمدخل إلى الإكليل: 20، والكفاية:(508 ت، 355 هـ)، والتمهيد 1/ 15، وجامع الأصول 1/ 167، ومعرفة أنواع علم الحديث: 184، والإرشاد 1/ 205، والتقريب: 63، والاقتراح: 209، والمنهل الروي: 72، والخلاصة: 74، والموقظة: 47، وجامع التحصيل: 97، واختصار علوم الحديث: 53، ونكت الزّركشيّ 2/ 67 - 132، والشذا الفياح 1/ 173 - 179، والمقنع: 1/ 154، وشرح التبصرة والتذكرة 1/ 303، ونزهة النظر: 113، ونكت ابن حجر 2/ 614 - 651، ومقدمة طبقات المدلسين: 13، والمختصر: 132، وفتح المغيث 1/ 169، وألفية السيوطي: 33، وشرح السيوطي على ألفية العراقي: 173، وتوضيح الأفكار 1/ 346، وظفر الأماني: 373، وقواعد التحديث: 132، وتوجيه النظر 1/ 431 - 433.
(2)
بدرج الهمزة كما سيصرح به الشارح، وذهل ناشر (م)، فأثبت الهمزة في الموضعين.
(3)
في (ص): ((التدلس)).
(4)
انظر: نكت ابن حجر 2/ 614، والنكت الوفية: 137/أ، وتاج العروس 16/ 84.
(5)
بعد هذا في (م): ((على)).
(6)
قال البقاعي في النكت الوفية: 137/ أ: ((إن أراد أصل التدليس فليس إلا ما ذكر ابن الصلاح من كونهما اثنين باعتبار إسقاط الراوي أو ذكره وتعمية وصفه وإن أراد الأنواع فهي أكثر من ثلاثة لما يأتي من تدليس القطع وتدليس العطف)).
(7)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 303.
أحدها: (تدليسُ الاسنادِ (1)) - بالدرجِ -، (كمَنْ يُسقِطُ مَنْ حدَّثَهُ) من الثِّقاتِ لصِغَرهِ، أَوْ من الضُّعفاء، وَلَوْ عِنْدَ غَيْرِه فَقَطْ (وَيَرْتَقِي) لشيخِ شيخِهِ فمَنْ فَوْقَهُ، مِمَّنْ عُرِفَ لَهُ مِنْهُ سَمَاعٌ، وإن اقتضى كلامُ ابنِ الصَّلاحِ أنَّه لَيْسَ بشرطٍ (ب ((عَنْ))
و ((أنْ))) - بتشديدِ النونِ المسَكَّنةِ للوقفِ -، (وَقَالَ) ونحوِها، مِمّا لَا يَقْتَضِي اتّصَالاً، لئلَاّ يَكُونَ كذباً (يُوهِمُ) بِذَلِكَ (اتّصَالاً) (2). فَالتَّدليسُ: أن يَرْوِيَ عَمَّنْ سَمِعَ مِنْهُ مَا لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ، مُوهِماً أنَّه سَمِعَهُ مِنْهُ (3)، وَهذا بخلافِ الإرسالِ الخفيِّ، فإنَّهُ، وإن شَاركَ التَّدليسَ في الانقطاعِ يَخْتَصُّ بمَنْ رَوَى عَمَّنْ عَاصَرَهُ، وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ (4).
وَمِن تَدْلِيْسِ الإسنادِ: أن يُسْقِطَ الرَّاوِي أداةَ الرِّوَايَةِ مُقْتَصِراً عَلَى اسمِ الشَّيْخِ، وَيَفْعَلُهُ أَهْلُ الحَدِيْثِ كَثِيْراً (5).
مِثَالُه: مَا قَالَ (6) ابنُ خَشْرَمٍ: ((كُنَّا عِنْدَ ابنِ عُيَيْنَةَ، فقالَ: الزُّهْرِيُّ، فَقيلَ لَهُ: حَدَّثكَ الزُّهريُّ؟ فَسَكَتَ، ثُمَّ قَالَ: الزُّهْرِيُّ. فَقِيلَ لَهُ: سَمِعْتَهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ؟ فقال: لا، لَمْ أسمعْهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ، ولا مِمَّنْ سَمِعَهُ من الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَني عَبْدُ الرَّزاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ))، رَواهُ الحَاكِمُ (7).
وَسَمَّاهُ شَيْخُنا تَدْلِيْسَ القَطْعِ (8)، لكنَّه مَثَّلَ لَهُ بِما رَواهُ ابنُ عَديٍّ، وغيرُهُ عَن
(1) في (م) بتجويد الهمزة، وهو من ذهول الناشر.
(2)
انظر: شرح التبصرة والتذكرة 1/ 304، والنكت الوفية: 137/ ب.
(3)
معرفة أنواع علم الحديث: 184.
(4)
انظر: النكت لابن حجر 2/ 623.
(5)
انظر: شرح التبصرة والتذكرة 1/ 306.
(6)
في (ع) و (ق): ((قاله)).
(7)
أسند هذه القصة الحاكم في المدخل إلى الإكليل (20 - 21)، وفي معرفة علوم الحديث: 105، والخطيب في الكفاية:(512 ت، 359 هـ)، وانظر: نكت الزّركشيّ 2/ 70.
(8)
النكت لابن حجر 2/ 617. وقال البقاعي في النكت الوفية (139/ب): ((سماه شيخنا حافظ العصر تدليس القطع فيكون رابعاً)).
عُمَرَ (1) بنِ عُبَيْدٍ (2) الطَّنَافِسِيِّ، أنَّه كَانَ يَقُولُ: حَدَّثَنَا، ثُمَّ يِسكُتُ (3)، وينوي القَطْعَ، ثُمَّ يَقُولُ: هِشامُ بنُ عُروَةَ، عَنْ أبيهِ، عَنْ عَائِشةَ -رضيَ اللهُ تَعالى عَنْهَا -.
وَمِنْهُ تَدْلِيْسُ العَطْفِ: وَهُوَ أنْ يُصرِّحَ بالتَّحْدِيثِ عَنْ شَيخٍ لَهُ، ويَعْطِفَ عَلَيْهِ شَيْخاً آخرَ لَهُ (4)، وَلا يَكُونُ سَمِع ذَلِكَ المَرْوِيَّ مِنْهُ (5).
مثالُهُ: مَا رَواهُ الحَاكِمُ في "عُلومِهِ"(6)، قَالَ: اجْتَمَعَ أصْحَابُ هُشَيمٍ، فَقَالوا: لَا نكْتُبُ عَنْهُ اليومَ شيئاً مِمّا يُدلِّسُه، فَفَطِنَ لِذلِكَ، فلمَّا جَلَسَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ، ومُغِيْرَةُ، عَنْ إبراهيمَ، وساقَ عدَّة أحاديثَ، فَلمّا فَرَغَ، قَالَ: هَل دَلَّسْتُ لَكُم شيئاً؟ قالوا: لا. فَقَالَ: بلى كُلُّ مَا حَدَّثتُكُم عَنْ حُصَيْنٍ، فَهُوَ سماعي، وَلَمْ أسمعْ مِن مُغيرةَ مِن ذَلِكَ شيئاً.
وَمَعَ ذَلِكَ هُوَ مَحْمُوْلٌ عَلَى أنَّه نَوَى القَطْعَ، ثُمَّ قَالَ: وَفُلانٌ أي: وَحَدَّثَ فُلَانٌ.
(واخْتُلِفْ فِي أَهْلِهِ) أي: أَهْلِ هَذَا القِسْمِ أيرَدُّ حَديثُهم أَمْ لَا؟ (فالرَّدُّ) لَهُ
(مُطْلَقاً) أي: سَوَاءٌ أبيَّنوا (7) الاتّصَالَ، أَمْ لَا، دَلَّسوا عَنِ الثِّقاتِ، أَمْ غَيْرِهِم، نَدَرَ تدليسُهُمْ أَمْ لا (ثُقِفْ) - بضمِّ المثلثةِ -أي: وُجِدَ (8) عَنْ جمعٍ مِنَ المُحدِّثينَ (9) والفُقهاءِ (10)، حَتَّى عَنْ بَعْضِ مَن يحتجُّ بالمُرْسَلِ؛ لأنَّ التدليسَ جَرْحٌ، لما فِيهِ مِنَ التُّهْمَةِ
(1) في (ع) و (ق): ((معمر)).
(2)
في (ق): ((عبد الله)).
(3)
في (م): ((سكت)).
(4)
((له)): سقطت من (ص).
(5)
انظر: النكت لابن حجر 2/ 617.
(6)
معرفة علوم الحديث: 105.
(7)
في (ق) و (ص): ((بينوا)).
(8)
انظر: اللسان 9/ 19 (ثقف).
(9)
انظر: معرفة أنواع علم الحديث: 186 - 187.
قلنا: وهذا مذهب ابن حزم الظاهري. انظر الإحكام 1/ 141، وقارن بالعواصم 8/ 236.
(10)
هذا القول حكاه القاضي عبد الوهاب في "الملخص"كَمَا في فتح المغيث1/ 203وأمّا ابن السمعاني فشرط فيه ليرد حديثه أن يسأل عن اسم الرّاوي فيكتمه انظر: قواطع الأدلة1/ 324، والنكت لابن حجر2/ 632، وقال العلائي:((ينبغي أن ينزل قَوْل من جَعَلَ التّدليس مقتضياً لجرح فاعله علىمن أكثر التّدليس عن الضعفاء وأسقط ذكرهم تغطية لحالهم، وكذلك من دلس اسم الضّعيف حتّى لا يعرف)) جامع التحصيل: 114.
والغشِّ (1).
وَقِيلَ: يُقبل مُطلقاً، كالمُرْسَلِ عِنْدَ مَنْ يَحْتَجُّ بِهِ (2)، وَقِيلَ: إن لَمْ يدلِّسْ إلَاّ عَنْ الثِّقاتِ - كسُفْيِانَ بنِ عُيَيْنَةَ - قُبِلَ، وإلاّ فَلَا، وَقِيلَ: إن نَدَرَ تدليسُه قُبِلَ، وإلاّ فَلَا.
(والأكْثَروْنَ) مِنَ المُحدِّثينَ والْفُقهاءِ والأصوليينَ، ومِنْهُم الإمامُ الشَّافِعيُّ (3) رحمه الله (قَبِلُوْا) مِن حَدِيثِهِم (مَا صَرَّحَا) بألفِ الإطلاقِ، (ثِقَاتُهُمْ بِوَصْلِهِ)، ك: سَمِعْتُ، وَحَدَّثَنَا (4).
لأنَّ التَّدْلِيْسَ لَيْسَ كَذِباً، وإنَّما هُوَ تَحسينٌ لِظاهرِ الإسنادِ، وَضَرْبٌ مِنَ الإيهامِ بِلَفْظٍ مُحتملٍ، فإذا صَرَّحَ بوصْلِهِ، قُبِلَ (5).
(وَصُحِّحَا) بِبِنَائِهِ لِلمَفْعُولِ - أي: هَذَا القولُ، ومِمَّنْ صَحَّحهُ: الخطيبُ (6)، وابنُ الصَّلاحِ (7)، لَكنَّهُ لَمْ يعزُه للأكثرينَ، فعزوهُ لَهُم مِن زيادةِ النَّاظِمِ، وَحَكاهُ عَنْ شيخِهِ أبي سعيدٍ العَلَائِيِّ (8).
(1) فتح المغيث 1/ 202.
(2)
الكفاية: (515 ت، 361 هـ).
(3)
حكاه أبو سعيد العلائي في جامع التحصيل: 98.
(4)
انظر: معرفة أنواع علم الحديث: 190.
قلنا: الذي صححه المصنف هو الصّحيح؛ لأن التّدليس ليس كذباً، وإنما هو تحسين لظاهر الإسناد، وضربٌ من الإيهام بلفظٍ محتمل، فإذا صرح قبلوه، واحتجوا به ورد ما أتى فيه باللفظ المحتمل، وممن صححه ابن سعد، والخطيب، وابن عبد البر، وابن الصّلاح، والعلائي، وابن حجر، والسخاوي وهو قول الجماهير، انظر: الرسالة 380 (1035)، وطبقات ابن سعد 7/ 313، والكفاية:(515ت، 361 هـ)، والتمهيد 1/ 13، ومعرفة أنواع علم الحديث: 190، وجامع التحصيل 112، وفتح المغيث 1/ 175.
(5)
قال الإمام الشافعي في الرسالة (1011 - 1135): ((وأقبل الحديث: حدّثني فلان عن فلان، إذا لم يكن مدلساً
…
، ومن عرفناه دلّس مرّةً فقد أبان لنا عورته في روايته وليست تلك العورة بالكذب فنردّ بها حديثه، ولا النصيحة في الصدق فنقبل منه ما قبلنا من أهل النصيحة في الصدق، فقلنا: لا نقبل من مدلسٍ حديثاً، حتى يقول فيه: حدثني، أو سمعت)). (ونقله عنه البيهقي في " معرفة السنن والآثار " 1/ 42).
(6)
الكفاية: (515 ت، 361 هـ).
(7)
معرفة أنواع علم الحديث: 187.
(8)
قال الحافظ العراقي في شرح التبصرة والتذكرة 1/ 310: ((وممن حكاه عن جمهور أئمة الحديث والفقه والأصول شيخنا أبو سعيد العلائي في كتاب المراسيل، وهو قول الشّافعيّ، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين، وغيرهم)). انظر: جامع مع التحصيل: 98.
(وفي) كُتُبِ (الصَّحِيحِ) لكُلِّ مِنَ البُخاريِّ، وَمُسْلِمٍ وغيرِهمَا (عِدَّةٌ) مِنَ الرُّواةِ المُدلِّسينَ، خُرِّجَ فِيْهَا مَا صَرَّحوا فِيهِ بالتَّحديثِ، (ك:((الأعْمَشِ)) وك: ((هُشَيْمٍ))) - بالتَّصْغِيرِ - ابنِ بَشِيْرٍ - بالتَّكبيرِ - (بَعْدَهُ) أي: بَعْدَ الأعمشِ، وَقَدْ أخذَ عَنْهُ (1).
(وَفَتِّشِ) أي: الصِّحاحَ تَجِدْ فِيْهَا التَّخريجَ لِكثيرٍ مِمَّا صَرَّحوا فِيهِ بالتَّحْدِيثِ (2)، بَلْ قَدْ يَقعُ فِيْهَا التَّخريجُ مِن مُعنعنِهِم، لكنَّه مَحْمُوْلٌ - كَمَا قَالَهُ ابنُ الصَّلاحِ وغيرُهُ - عَلَى ثُبُوتِ السَّمَاعِ عِنْدَهم فِيهِ مِن جهةٍ أُخرى، إذا كَانَ فِي أحاديثِ الأصولِ، لا المُتابعاتِ (3).
157 -
وَذَمَّهُ (شُعْبَةُ) ذُو الرُّسُوْخِ
…
وَدُوْنَهُ التَّدْليْسُ لِلشِّيُوْخِ
158 -
أنْ يَصِفَ الشَّيْخَ بِمَا لا يُعْرَفُ
…
بِهِ، وَذَا بِمقْصِدٍ يَخْتَلِفُ
159 -
فَشَرُّهُ للضَّعْفِ وَاسْتِصْغَارا
…
وَكـ (الخَطِيْبِ) يُوْهِمُ اسْتِكْثَارَا
160 -
و (الشَّافِعيْ) أثْبَتَهُ بِمَرَّةِ
…
قُلْتُ: وَشَرُّهَا أخُو التَّسْوِيَةِ
(وَذَمَّهُ)، التَّدْلِيْسَ بأقسامِه نَصّاً فِيْمَا مَرَّ، واقتضاءً فِيْمَا يَأْتِيَ، (شُعْبَةُ) ابنُ الحجَّاجِ (ذُو الرُّسُوْخِ) في الحِفْظِ والإتقانِ.
فروى الشَّافِعيُّ عَنْهُ (4) أنَّهُ قَالَ: التَّدليسُ أخو الكذبِ (5)، وَقَالَ: لأِنْ أزني
(1) انظر: شرح التبصرة والتذكرة 1/ 311.
(2)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 311.
(3)
فتح المغيث 1/ 205.
قال الحافظ العراقي في شرح التبصرة والتذكرة1/ 311: ((وقوله: وفتّش أي: وفتش في الصّحيح تجد جماعةً منهم، كقتادة والسفيانين، وعبد الرزاق، والوليد بن مسلم، وغيرهم. وقال النّوويّ: إنّ مَا في الصحيحين وغيرهما من الكتب الصحيحة عن المدلسين بـ: عن، محمولٌ عَلَى ثبوت سماعه من جهة أخرى. وَقَالَ الحافظ أبو محمّد عَبْد الكريم الحلبي في كِتَاب"القدح المعلّى": قَالَ أكثر العُلَمَاء: إن التي في الصّحيحين منزّلة منزلة السّماع)). انظر: التقريب: 65، والنكت لابن حجر2/ 635 - 636، والنكت الوفية: 142/ أ.
(4)
((عنه)): سقطت من (ص).
(5)
أخرجه ابن عدي في تقدمة الكامل 1/ 107، والبيهقي في مناقب الشّافعيّ 2/ 35، والخطيب البغدادي في الكفاية:(508 ت، 355 هـ).
أحبُّ إليَّ من أَنْ أُدَلِّسَ (1).
وَلَمْ يَنْفَرِدْ شُعْبَةُ بِذمِّه، بَلْ شَارَكَهُ فِيهِ غَيْرُهُ (2)، إلاّ أنَّه مَعَ تَقَدُّمِه زَادَ بِالمُبالغَةِ فِيهِ (3).
(وَدُوْنَهُ) أي: دُوْنَ القسمِ الأَوَّلِ مِن أقسامِ التَّدلِيس، وَهُوَ ثانِي أَقْسَامِهِ:
(التدليسُ للشيوخِ)، وَهُوَ:
(أَنْ يَصِفَ) المُدلِّسُ (الشيخَ) الذي سَمِعَ ذَلِكَ الحَدِيْثَ مِنْهُ (بِمَا لا يُعْرفُ) أي يَشتَهِرُ (بِهِ) مِن اسمٍ، أَوْ كُنْيَةٍ، أَوْ لَقبٍ، أَوْ نِسبةٍ إلى قَبيلةٍ، أَوْ بلدةٍ، أَوْ صَنْعةٍ، أَوْ نحوِها، كي يُوعِّرَ مَعْرِفَةَ الطَّريقِ عَلَى السَّامِعِ مِنْهُ (4).
فـ ((أَنْ)) بمدخولِهما خبرُ مُبتدإٍ مَحْذُوْفٍ، كَمَا تَقَرّرَ، أَوْ بيانٌ لِما قَبْلَها.
وَمِثَالُهُ: قولُ أبي بكرِ بنِ مجاهدٍ المُقْرِئِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بنُ أبي عَبْدِ اللهِ. يُرِيْدُ بِهِ الحافظَ عبدَ اللهِ بنَ أبي داودَ السِّجِسْتَانِيَّ.
قَالَ ابنُ الصَّلاحِ: ((وَفيهِ تَضْييعٌ للمَرْوِيِّ عَنْهُ)) (5).
قَالَ النَّاظِمُ: وللمَرْوِيِّ أَيْضاً، بأنْ لا يتنبَّهَ لَهُ، فَيَصِيرُ بَعْضُ رواتِهِ (6) مَجْهُوْلاً (7).
(وَذَا) الفِعلُ (بمَقْصِدٍ) -بكسر المُهْمَلَة- أي: باختلافِ مَقْصِدِ حاملٍ لفاعلِه، عَلَيْهِ (يَخْتَلِفُ) حَالُه في الكَراهَةِ.
(فَشَرُّهُ) مَا كَانَ الوصْفُ بِمَا ذَكَرَ، إما (لِلضَّعْفِ) فِي المرويِّ عَنْهُ، لِتَضَمُّنِهِ الخيانةَ، والغِشَّ. وحُكْمُ مَنْ عُرِفَ بِهِ: أَنْ لا يقبلَ خبرُهُ. كَمَا نَقَلَهُ النَّاظِمُ عَنْ ابنِ الصَّباغِ (8).
(1) أخرجه ابن أبي حاتم في تقدمة الجرح والتعديل 1/ 173، وابن عدي في تقدمة الكامل 1/ 107، والخطيب البغدادي في الكفاية:(508 ت، 355 هـ).
(2)
انظر: فتح المغيث1/ 208 فقد نقل الإمام السخاوي جملة من أقوال العلماء في ذم التّدليس.
(3)
انظر: محاسن الاصطلاح: 170، والنكت الوفية: 142/ أ.
(4)
انظر: معرفة أنواع علم الحديث: 186، والنكت الوفية: 143/ ب، ونكت الزّركشيّ 2/ 76.
(5)
معرفة أنواع علم الحديث: 190، وانظر: نكت الزّركشيّ 2/ 8.
(6)
في (ق): ((راويه)).
(7)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 313.
(8)
المصدر السابق 1/ 314.
وَذلكَ حَرامٌ هُنا، وَفيمَا مَرَّ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ المرويُّ عَنْهُ ثِقَةً عِنْدَ المُدَلِّسِ (1).
(وَ) إمّا (اسْتِصْغَارا) لِلمَرويِّ عَنْهُ سِنّاً، أَوْ تكبُّراً، بأَنْ يَكُونَ أَصْغَرَ مِنَ المُدلِّسِ، أَوْ أَكْبرَ، لكنْ بيَسِيْرٍ، أَوْ بكثيرٍ لَكِنْ تأخَّرتْ وَفاتُهُ حَتَّى شارَكَهُ في الأخذِ عَنْهُ مَنْ هُوَ دونَهُ، وَمَعْلومٌ أنَّ مَن اسْتَصغرَ غَيرَهُ، استكبرَ عَلَيْهِ. فَلو قَالَ بدلَ استصغاراً: استكباراً (2) - أي من المدلِّسِ - كَانَ في البيتِ جِنَاسٌ خَطّيٌّ، مَعَ حُصولِ الغَرضِ.
(وَ) إمّا لِكَونِهِ، (كَالْخَطيبِ) أي: كَفِعْلِهِ، (يُوْهِمُ) الفاعلَ بِذلِكَ
(اسْتِكْثَارا) مِنَ الشيوخِ، بِأنْ يروِيَ عَنْ شَيخٍ واحدٍ فِي مَواضِعَ، فَيَصِفَهُ في مَوضِعٍ بصفةٍ، وَفِي آخرَ بأخرى (3)، يُوهِمُ أنَّه غيرُهُ، كَمَا كَانَ الخطيبُ يَفْعَلُ ذَلِكَ (4).
(والشَّافِعيْ) - بالإسكان للوزن، أَوْ لِنيةِ الوقْفِ - (أَثْبَتَهُ)، يعني: تَدْلِيْسَ الإسْنادِ (بِمَرَّةِ) واحدةٍ صَدَرَتْ مِن فَاعِلِهِ، حَيْثُ قَالَ:
((مَن عُرِفَ بالتَّدْلِيْسِ مَرَّةً، لا يُقبلُ مِنْهُ مَا يقبلُ مِن أَهْلِ النَّصيحةِ في الصِّدقِ، حَتَّى يَقُولَ: حَدَّثَنِي، أَوْ سَمِعْتُ)) (5).
(1) كما فعل عطية العوفي حيث روى عن الكلبي - وهو ضعيف - كناه أبا سعيد، وهو مشهور - بأبي النضر، يوهم أنه يروي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، انظر: الكفاية: (521 ت، 366 هـ)، ومعرفة أنواع علم الحديث:499.
(2)
في (ق): ((واستكباراً)).
(3)
في (ق): ((بصفة أخرى)).
(4)
قال ابن الصّلاح: ((والخطيب البغدادي يروي في كتبه عن أبي القاسم الأزهري، وعن عبيد بن أبي الفتح الفارسي، وعن عبيد الله بن أحمد بن عثمان الصّيرفيّ، والجميع شخص واحد من مشايخه، وكذلك يروي عن الحسن بن محمّد الخلال، وعن الحسن بن أبي طالب، وعن أبي محمّد الخلال، والجميع عبارة عن واحد، ويروي أيضاً عن أبي القاسم التنوخي، وعن عليّ بن المحسن، وعن القاضي أبي القاسم عليّ بن المحسن، وعن القاضي أبي القاسم عليّ بن المحسن التنوخي، وعن عليّ بن أبي عليّ المعدل، والجميع شخص واحد وله من ذلك كثير)). معرفة أنواع علم الحديث: 500.
وقال السيوطي: ((وتبع الخطيب في ذلك المحدّثون خصوصاً المتأخرين وآخرهم أبو الفضل ابن حجر، نعم لم أر العراقي في أماليه يصنع شيئاً من ذلك)). تدريب الرّاوي 2/ 271.
(5)
قال ابن الصّلاح: ((الحكم بأنّه لا يقبل من المدلّس حتّى يُبيّن، قد أجراه الشّافعيّ رضي الله عنه فيمن عرفناه دلس مرة)). معرفة أنواع علم الحديث: 190. =
وَذَلكَ لأَنَّهُ بثبوتِ تدليسِه مرَّةً، صَارَ ذَلِكَ ظَاهرَ حَالِهِ في مُعَنْعَناتِهِ، كَمَا أنَّه بثبوتِ اللِّقاءِ، مَرّةً، صَارَ ظاهِرَ حَالِهِ السَّمَاعُ.
القِسْمُ الثَّالِثُ: تَدْلِيْسُ التّسويةِ المُعبَّرُ عَنْهُ عِنْدَ القُدماءِ بـ ((التَّجويدِ)) (1)، حَيْثُ قَالوا:((جَوَّدَ فُلَانٌ)) يُريدونَ ذَكَرَ مَنْ فِيهِ مِنَ الأجوادِ، وحَذَفَ الأدنياءِ، وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ بقولِهِ:
(قلتُ: وشَرُّها)(2) أي: أقسامُ التدليسِ، (أَخُو) أي: صاحبُ (التَّسْوِيَةِ)، كأنْ يَرْوِيَ حَدِيثاً عَنْ ضَعِيْفٍ، بَيْن ثِقَتينِ، لَقِيَ أحدُهُمَا الآخَرَ، فيُسْقِطَ الضَّعِيفَ، ويَرْوِي الحَدِيْثَ عَنْ شَيْخِهِ الثِّقَةِ (3) الثَّانِي بِلفظٍ مُحتملٍ؛ فَيسْتوي الإسنادُ كلُّه ثِقاتٌ (4).
وإنَّما كَانَ هَذَا شرَّ الأقْسَامِ؛ لأنَّ الثِّقةَ الأَوَّلَ، قَدْ لَا يَكُونُ مَعْرُوفاً بالتَّدْلِيْسِ، وَيَجِدُهُ الواقفُ عَلَى السّنَدِ بَعْدَ التَّسويةِ قَدْ رَواهُ عَنْ ثِقَةٍ آخرَ، فيحكمُ لَهُ بالصِّحَّةِ، وَفيهِ غرورٌ شديدٌ.
وخرجَ باللِّقاءِ: الإرسالُ.
وهذا الذي جَعَلهُ قِسْماً ثالثاً، جعلَهُ شيخُنا نَوعاً مِنَ الأَوَّلِ (5).
فَالتَّدْلِيْسُ قِسْمانِ: تَدليسُ الإسنادِ، وتدليسُ الشيوخِ، وعليهِما اقتصرَ ابنُ الصَّلاحِ (6)، والنَّوَوِيُّ (7).
= قال الحافظ العراقي: ((وممن حكاه عن الشّافعيّ البيهقيّ في المدخل)). شرح التبصرة والتذكرة 1/ 315، والرسالة 379 فقرة (1033)، وجامع التحصيل:99.
قلنا: لكن غير الشّافعيّ من أهل العلم اغتفر التّدليس النادر مع الرّواية الواسعة، قال ابن رجب في شرح العلل 2/ 582 - 583:((ولم يعتبر الشّافعيّ أن يتكرر التّدليس من الرّاوي، ولا أن يغلب على حديثه، بل اعتبر ثبوت تدليسه، ولو بمرّة واحدة، واعتبر غيره من أهل الحديث أن يغلب التّدليس على حديث الرجل)).
(1)
انظر: فتح المغيث 1/ 214.
(2)
في (م): ((وشرطها)).
(3)
بعد هذا في (ص): ((عن الثّقة)).
(4)
انظر: فتح المغيث 1/ 214.
(5)
النكت لابن حجر 2/ 616.
(6)
معرفة أنواع علم الحديث: 184.
(7)
التقريب: 63.