الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قضية الانتحال في الأدب الجاهلي
مدخل
…
قضية الانتحال في الأدب الجاهلي
الأدب الجاهلي أدب قديم، كان يلقى، وينشد، ويحفظ، ويروى عن طريق المشافهة، والروايات الشفهية، ولم يدون إلا بعد زمن طويل، كما مر الحديث عن ذلك بالتفصيل فيما سبق.
وكل أثر له قيمته وأهميته وتكتنفه مثل هذه الظروف، يكون عرضة للشك والاتهام، والقيل والقال، والظن، والطعن في أصله، ونسبه، وأصحابه، وصحته، وصدقه، وقيمته، وحجمه، ونقصه، والزيادة عليه، وما إلى ذلك مما قد يعرض لفكر الإنسان وعقله من شكوك وظنون حينما يتصدى لدرس أثر من الآثار لم ينل من وسائل المحافظة عليه والاحتياجات الدقيقة ما يكفل له البقاء سليمًا صحيحًا:
والأدب -في كل أمة من الأمم، وبخاصة ما فيه من نصوص رائعة- من الآثار الفنية الممتازة، التي تعتز بها الأمم وتفتخر، وتعتبرها دليل مجدها، وسجل مفاخرها، ومن ثم تعرضت الآداب القديمة في كل الأمم للشك والاتهام، ورمي كثير منها بالاختلاق والافتعال، فاتهم الأدب الجاهلي بالوضع والانتحال، وحدث مثل هذا للآداب القديمة الأخرى كالآداب اليونانية1 والرومانية والإنجليزية، فقد رمي كل أثر من هذه الآثار القديمة الخالدة، بأنه ليس لأصحابه الذين يدعى أنه لهم، وأنه دخله كثير من التحريف والتزييف والادعاء، فليست الأمة العربية أول أمة رمي أدبها الجاهلي القديم بالوضع والانتحال، وإنما الأمم الأخرى رميت آدابها القديمة بمثل هذا الاتهام.
والأدب بعامة، والشعر منه بخاصة، كانت العرب في جاهليتها وإسلامها تكبره وتجله، وكانت له منزلة سامية في نفوسهم، وكانت القطع الرائعة فيه تحظى بالعناية والاحترام، وكان أصحابها يلقون منهم مهابة وإجلالًا، لذلك نتوقع أن تكون الروائع الأدبية محلًا للادعاء،
1 راجع بحثا طويلًا عن المشكلة الهومرية في كتاب مصادر الشعر الجاهلي الدكتور ناصر الدين الأسد صفحة 87-320.
فيدعي أكثر من واحد أنها له، وكانت القبائل تعتز بما لها من نتاج أدبي، وتتيه على غيرها بالكثير المحفوظ لها منه، ويعتز السادة بما قيل فيهم وفي أسلافهم من روائع القول وفصيح البيان، فتسابق الكل في جمع ما كان لهم ولذويهم وأسلافهم من آثار، وأحس الرواة هذا الاهتمام من الجميع، فتسابقوا هم كذلك، في الجمع والرواية، وتنافسوا في الإكثار من ذلك ليفوق كل منهم سواه في الحظوة، والمنزلة، والمكافأة. وبطبيعة الحال نتوقع كذلك أن يتطرق إلى الأدب شيء من الدخيل، أو ما يظن أنه دخيل، وقد أشرنا إلى شيء من ذلك في حديثنا عن بعض الرواة فيما سبق.
ولم تكن هذه الملاحظة لتغيب عن الثقات من العلماء والرواة والباحثين منذ جمع الأدب الجاهلي وتدوينه، فقد تنبهوا إلى ذلك ووقفوا على كثير من النصوص التي ليست أصيلة، فعرفوها، ولم يقبلوها، واستطاعوا أن يميزوا بين الأصلي والمختلق، ويتبينوا الصحيح من الزائف. وكتب الأدب والتاريخ مملوءة بذكر ملاحظات هؤلاء الثقات وتنبيهاتهم، وقد أشرنا كذلك إلى بعضها في حديثنا عن الرواة، وأمثال المفضل والأصمعي، وأبي عمرو بن العلاء، وأبي عبيدة معمر بن المثنى.
من ذلك مثلًا، ما روي عن أبي عبيدة2 أنه قال:"كان قراد بن حنش من شعراء غطفان، وكان جيد الشعر قليله، وكانت شعراء غطفان تغير على شعره، فتأخذه وتدعيه".
ويروى أن أبا عمرو بن العلاء، ذكر أن ذا الإصبع العدواني قال يرثي قومه3:
وليس المرء في شيء
…
من الإبرام والنقض
إذا يفعل شيئا خا
…
له يقضى وما يقضي
جديد العيش ملبوس
…
وقد يوشك أن ينضي
ثم نص على أنه لا يصح من أبيات ذي الإصبع الضادية هذه إلا الأبيات التي أنشدها، وأن سائرها منحول.
وكان محمد بن سلام المتوفى سنة 231هـ أول من درس قضية الانتحال وآثارها في كتابه "طبقات فحول الشعراء" إذ أورد فيه كثيرًا من الملاحظات والآراء التي تدل على دراسة
1 طبقات ابن سلام ص147-148.
2 الأغاني جـ3 ص106.
وتحقيق، وقد أوردنا فيما سبق بعض ملاحظاته عن محمد بن إسحاق صاحب السيرة النبوية، ومما يقوله عن انتحال الشعر4: "فلما راجعت العرب رواية الشعر، وذكر أيامها ومآثرها، استقل بعض العشائر شعر شعرائهم، وما ذهب من ذكر وقائعهم، وكان قوم قلت وقائعهم وأشعارهم، وأرادوا أن يلحقوا بمن له الوقائع والأشعار فقالوا على ألسنة شعرائهم، ثم كان الرواة بعد، فزادوا في الأشعار، وليس يشكل على أهل العلم زيادة ذلك، ولأن ما وضع المولدون
…
وإنما عضل بهم أن يقول الرجل من أهل بادية من ولد الشعراء أو الرجل ليس من ولدهم، فيشكل ذلك بعض الإشكال". فهو بهذا النص يبين أن الشعر الجاهلي قد وجد به شيء من الدخيل، الذي صنع ونسب إلى غير قائليه، ثم بين أسباب ذلك، وأرجعها إلى رغبة القبائل في الاستكثار من شعرها. وزيادة الرواة على ما كانوا يروون من محفوظ لديهم. ولكنه لم ينس أن يذكر الفضل لذويه، فاعترف بأن أهل العلم، بفطنتهم وخبرتهم، وعلمهم وذوقهم، كانوا يستطيعون أن يعرفوا الحقيقة، ويميزوا بين الأصيل والدخيل.
وكتابه فيه كثير من الملاحظات والتعقيبات على الشعراء الجاهليين وأشعارهم. من ذلك مثلا قوله، وقد أوردناه سابقًا:"ومما يدل على ذهاب الشعر وسقوطه، قلة ما بقى بأيدي الرواة المصححين لطرفة وعبيد، اللذين صح لهما قصائد بقدر عشر. ونرى أن غيرهما قد سقط من كلامه كلام كثير، غير أن الذي نالهما من ذلك أكثر، وكانا أقدم الفحول، فلعل ذلك لذاك، فلما قل كلامهما حمل عليهما حمل كثير"5.
وقال عن عدي بن زيد "كان يسكن الحيرة ومراكز الريف، فلان لسانه وسهل منطقه، فحمل عليه شيء كثير، وتخليصه شديد، واضطرب فيه خلف وخلط فيه المفضل"6.
وقال عن حسان بن ثابت: "كثير الشعر جيده، وقد حمل عليه ما لم يحمل على أحد، لما تعاضهت قريش، واستبت، وضعوا عليه أشعارًا كثيرة، لا تليق به"7.
ولم يغفل ابن سلام حق الرواة، فذكر كثيرًا من الملاحظات التي تتصل ببعضهم، من
1 طبقات فحول الشعراء، ص4. المزهر جـ1 ص174.
2 طبقات الشعراء ص10.
3 المصدر السابق، ص31.
4 المصدر السابق، ص52.
ذلك ما أورده8 -وقد ذكرناه سابقا- عن أبي عبيدة مع داود بن متمم بن نويرة حين قدم البصرة في بعض ما يقدم له البدوي، في الجلب والمبرة.
وكذلك قوله:9 "أخبرني أبو عبيدة عن يونس قال، قدم حماد البصرة على بلال بن أبي بردة، وهو عليها، فقال: ما أطرفتني شيئًا، فعاد إليه، فأنشده القصيدة التي في شعر الحطيئة مديح أبي موسى، قال: ويحك، يمدح الحطيئة أبا موسى ولا أعلم به، وأنا أعلم شعر الحطيئة؟ ولكن دعها تذهب في الناس"10.
وإذا كان ابن سلام قد رأى بعد بحثه ودراسته أن هناك في الشعر ما هو مختلق ومنتحل، وفي الرواة من هو ثقة عدل ومن هو متهم، فقد انتهى إلى أن أهل العلم والدراية لم يكن ليشكل عليهم ما زاده الرواة ولا ما وضعه المولدون، ومن ثم، فعلينا أن نقبل ما قبله الثقات، وأن نرفض ما رفضوه، وفي ذلك يقول11:"وفي الشعر المسموع مفتعل موضوع كثير، لا خير فيه ولا حجة في عربيته ولا أدب يستفاد، ولا معنى يستخرج ولا مثل يضرب، ولا مديح رائع، ولا هجاء مقذع، ولا فخر معجب ولا نسيب مستطرف، وقد تداوله قوم من كتاب إلى كتاب، لم يأخذوه من أهل البادية، ولم يعرضوه على العلماء، وليس لأحد، إذا أجمع أهل العلم والرواية الصحيحة على إبطال شيء منه، أن يقبل من صحيفة، ولا يروي عن صحفي. وقد اختلف العلماء في بعض الشعر كما اختلفت في بعض الأشياء، أما ما اتفقوا عليه، فليس لأحد أن يخرج عنه".
فهو هنا يعتقد بوجود دخيل في الشعر، فقد افتعل وصنع صنعًا، ووضع على غير قائليه، وأن هذا الدخيل لا قيمة له، ومن الممكن تبينه ومعرفته لخلوه من نواحي الروعة والجمال في شتى الأغراض الشعرية، وأنه لم يكن مما رواه أهل الثقة عن مصادر موثوق بها من أهل البادية، ويرى أن الثقات من العلماء والرواة ينبغي أن يكونوا محل ثقة منا، فنقبل منهم كل ما ارتضوه، ونرفض كل ما رفضوه.
8 المصدر السابق ص14. والمزهر 1 ص175.
9 المصدر السابق 15، والمزهر ج1 ص176.
10 هذا مايقوله ابن سلام، ولكني ما زلت أعتقد أن حمادًا لم يكن شاعرًا كما أوضحت ذلك في كلامي عن حماد.
ولعل هذه القصيدة للحطيئة أو لغيره، واستغل حماد جهل بلال بصاحبها فادعاها لنفسه أو تظاهر بموافقة بلال بتركها تذيع باسم الحطيئة.
11 ابن سلام: 5-6.
ولا شك أنه على حق في دعوته إلى الاعتماد على من وثق به الرواة الذين قاموا بجمع الأدب وتدوينه، فإذا كان هؤلاء أهلًا للثقة والتصديق في عصرهم فهم أولى بذلك في العصور التالية، وبخاصة في عصرنا الحاضر، فلقد كانوا قريبين في زمن هذا النتاج الأدبي الذين قاموا بجمعه وتدوينه وكان بينهم من يعرف الجاهليين، أو كان على صلة بمن عرف الجاهليين. على أن الظروف التي أحاطت بالرواة والعلماء في زمن الجمع والتدوين -وقد حملتهم على التنافس في الدقة والتحري- تستدعينا أن نجعلهم محل ثقة في جميع ما قبلوه، ما لم يقم لدينا الدليل القاطع على خلاف ذلك. ولا أظن دليلًا مثل ذلك سيحدث إلا إن كان معجزة لطول العهد بين زمن هذا الأدب، وبيننا الآن.
وفي القرنين التاسع عشر والعشرين الميلاديين، أثار الباحثون من المستشرقين والعرب قضية الانتحال من جديد. ففي سنة 1864م "تناول المستشرق نولدكه الموضوع، فأشار إلى الشكوك التي يثيرها مظهر الشعر الجاهلي. وبعد ثماني سنوات تناول المستشرق أهلوارد المسألة بدون أي تجديد فيها، فعرضها بدقة لم يتناولها سلفه، وقال: إن الوثائق المروية غير موثوق بصحتها، إن من ناحية المؤلف، أو ظروف النظم، أو ترتيب الأبيات، فمن الواجب إذن إخضاع كل أثر من القرن السادس وأوائل السابع لفحص دقيق قبل قبوله".
"وتابع العلماء أمثال موير وباسيه وليال وبروكلمان طوال ثلاثين سنة المستشرقين: نولدكه وأدلوراد في موقفها الحذر"12.
وفي سنة 1916 نشر المستشرق مرجليوث margoliouth بحثا عن الشعر الجاهلي، في المجلة الأسيوية الملكية، وكان قد تحدث عن وضع الشعر الجاهلي قبل ذلك في مادة "محمد" من دائرة معارف الأديان والأخلاق encyclopaedia of religion and ethics وفي كتابه عن "محمد وظهور الإسلام" mohamed and the rise of islam وقد تصدى للرد عليه سير تشارلز ليال lyall في مقدمة ترجمة المفضليات، ولكن مرجيلوث عاد ونشر في المجلة السابقة "عدد يوليو سنة 1925" بحثًا عنوانه:"أصول الشعر العربي" the origins of arabic poetry وقد أطال في هذا البحث، وذكر فيه الشبه التي
1 تاريخ الأدب العربي لبلاشير، ص176.
دعته إلى الشك في الشعر الجاهلي13، وحملته على أن يقول: إن الشعر الذي جمع ونسب إلى الجاهليين مصنوع ومنحول، صنع في العصور الإسلامية، ونسبه واضعوه إلى شعراء جاهليين زورًا وبهتانًا.
وملخص مقالته باختصار: أنه كان قبل الإسلام في الجزيرة العربية شعر وشعراء بدليل ورود الإشارة إلى ذلك في القرآن، ثم يتعرض لوصف القرآن للشعراء، ويشير إلى العدد الكبير من الشعراء الجاهليين الذي وردت لهم أشعار في الأدب الجاهلي، ويشك في أن الشعر الجاهلي قد حفظ بالرواية الشفهية لأن الإسلام -في نظره- ما كان يحث على ذلك، ولكنه في الوقت ذاته يحاول أن ينفي أن الشعر الجاهلي كتب كذلك، إذ إنه لو حفظ بطريق الكتابة، لكان للعرب -في نظره- كتاب أو كتب، والقرآن ينفي أنه كان لهم كتاب، ويزعم أن الشعر الجاهلي الموجود مرحلة تالية للقرآن لا سابقة عليه، ويرى أن التطور من الأسلوب القرآني إلى الأسلوب الشعري المنتظم يبدو -في نظره- متمشيًا مع المألوف، وهو بهذا يعتقد أن الشعر الجاهلي وضع بعد الإسلام بعد أن سمع العرب القرآن، فتأثروا به، فقالوا شعرهم بلغته وساروا بفنهم من الصور الشاذة إلى المنتظمة.
فكأنه يريد أن يقول: إن العرب قبل الإسلام، كان لهم شعر وفيهم شعراء ولكن شعرهم لم يكن كامل النضج، ولا في درجة عالية من التهذب والكمال كالتي نرى عليها الشعر الجاهلي المنسوب إلى الجاهليين، وبعد أن سمع العرب القرآن، تطوروا بفنهم الشعري إلى هذه الدرجة العليا من النضج والكمال. التي نرى عليها الشعر المنسوب إلى الجاهليين.
ويجره الحديث إلى الرواية والرواة، فيتحدث عن سوء أخلاق الرواة أمثال حماد وخلف، ويذكر ما قاله كل من الرواة في الآخرين، ويدعي أنهم لم يكونوا يوثق بعضهم بعضًا، وينكر الرواية بحجة أن الشعراء الجاهليين كانوا لسان الوثنية الناطق، وقد أبطل الإسلام الوثنية وحاربها، فلم يكن هناك مجال -في نظره- لحفظ تلك الأشعار التي قيلت في نظام أبطله الإسلام.
وهو بهذا كله يرى أن الشعر الذي وصلنا منسوبًا إلى الجاهليين، ليس لهم، وإنما قيل بعد الإسلام ونسب إليهم، ويستمر في إيراد الأدلة التي يعتقد أنها تؤيد رأيه هذا، فيدعي أن
13 لخص هذه المقالة تلخيصًا وافيًا الدكتور ناصر الدين الأسد في كتابه "مصادر الشعر الجاهلي" ص352 وما بعدها.
الشعر الجاهلي المنسوب إلى الجاهليين يحمل في طياته دلائل بطلانه، ذلك أن فيه كثيرًا من القصص الديني الذي ورد في القرآن، وفي كلمات إسلامية مثل الحياة الدنيا ويوم القيامة والحساب، وليس فيه ما يشير إلى الآلهة المتعددة التي كانت عند الجاهليين، وأن آراء الشعراء الجاهليين في الموضوعات الدينية تبدو مماثلة لما في القرآن. وأنه لا يرى في الشعر المنسوب إلى الجاهليين أثرًا للاختلاف بين لهجات القبائل، ولهجات الشماليين والجنوبيين، ويرى أنه من الصعب عليه أن يتصور أنه كانت هناك لغة مشتركة في أنحاء الجزيرة العربية قبل الإسلام، وينتهي إلى أن الشعر الذي ينسب إلى العرب قبل العصر الأموي مشكوك فيه، بحجة أن الممالك التي كانت في شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام كانت لها حضارة راقية، ولكن النقوش التي عثر عليها لهم وبخاصة في اليمن، لا تدل على وجود أي نشاط شعري لها، فكيف يمكن تصديق أن بدوًا أقل رقيًّا من هذه الممالك المتحضرة بكثير، كان لهم شعر في هذه الدرجة العالية؟ ومن ينظر في كلام مرجليوث السابق يجد أنه تضمن أفكارًا عجيبة، لا تعتمد على سند عقلي سليم.
فهل من المعقول أن التقاليد الشعرية التي كانت لدى العرب قبل الإسلام كانت شاذة وغير منتظمة، ولم تصبح في الدرجة العليا التي نرى عليها الشعر المنسوب إلى الجاهليين إلا بعد أن سمعوا ما في القرآن من سجع، وبعض التراكيب الموزونة؟.
وإذا كان القرآن نفسه يهاجم الشعر والشعراء، فكيف يجيء فيه شعر يحاكي أسلوب الشعراء؟ إن ذلك لبعيد كل البعد عن القرآن. ثم هل من المعقول أن ما تضمنه القرآن من بعض الألفاظ الموزونة، كفيل بأن يجعل العرب في فترة أقل من قرن يطفرون بفنهم الشعري من بدائية وفطرية وشذوذ، إلى أوزان منتظمة موسيقية متنوعة، وإلى أسلوب شعري في درجة عليا من النضج والكمال؟
وإذا كان مرجليوث ينكر الرواية الشفهية، والكتابة، في المحافظة على الشعر الجاهلي، فبأي الوسائل كان يحفظ، أو يتناقل من مكان إلى آخر، ومن جيل إلى جيل؟ إنه لمن البديهي أن نقول: إن الأغاني والأناشيد التي يرتلها الأميون ومن هم على الفطرة، يتناقلونها من جيل إلى جيل عن طريق الرواية الشهفية، إن لم تجد من يدونها، والكتاب الذي ينفي القرآن وجوده بين العرب يقصد به الكتاب الديني المقدس.
ثم إن الطعن في الرواة جميعهم، ورفضهم كلهم بحجة سوء أخلاق بعضهم أو بسبب
بعض كلمات تقال، طعنًا فيهم، بدافع الغيرة والتنافس، أمر لا يستسيغه المنطق، ولا يقبله منصف، ولماذا لا نأخذ في الاعتبار شهادات الاعتراف بالأمانة والصدق والنزاهة التي قيلت في كثير من الرواة الصادقين؟
وهل يتصور عاقل أن الإسلام اخترع ألفاظًا جديدة لم يكن للعرب بها سابق عهد؟ إذن كيف كان العرب يفهمونها لو كان الأمر كذلك؟ المعروف أن الإسلام قد أدخل معاني جديدة، ومفهومات جديدة لبعض ألفاظ كانت معروفة ومستعملة لديهم.
وأما عدم وجود أثر للآلهة المتعددة عند العرب في الشعر المنسوب إلى الجاهليين، فهذا سوف نبحثه مع أشياء أخرى عندما نعرض لآراء بعض الباحثين فيما بعد إن شاء الله، وكذلك الحال في شأن اختلاف اللهجات بين العرب قبل الإسلام.
ومن الأساتذة المستشرقين الذين أفاضوا في الحديث عن قضية الانتحال في الأدب الجاهلي الدكتور ريجيس بلاشير، فقد عقد لذلك فصلًا طويلًا14، بدأه بأن الحديث عن صحة الشعر الجاهلي قديم قدم الشعر نفسه، وأثنى على جهود علماء العراق وقت التدوين في تحريهم الحقيقة، ثم عرض بعد ذلك آراء كثير من المستشرقين أمثال مرجليوث، وبرونليخ، ونولدكه، وأهلوارد، وجولدزيهر، ونوراندريه، ووليم مارسيه، وتريتون، وعقد بعض مقارنات بين آرائهم حول هذه القضية، كما عرض لرأي الدكتور طه حسين، الذي سيأتي الحديث عنه بالتفصيل إن شاء الله، ثم يستعرض هو نفسه الموضوع من جوانب متعددة، فيقول15 عن الجوانب التي تثير الشك في الأدب العربي القديم:
"إننا إذا فحصنا النصوص الشعرية الجاهلية بمجملها، وجدنا أولًا أن الشكوك التي أثارتها يجب أن تمتد إلى آثار معاصرة للإسلام، أو جاءت بعده بقليل. وتجدر الإشارة من جهة ثانية إلى أن الانتحال لا يبقى محصورًا في الشعر، بل يتناول النثر، حتى لنستطيع الجزم أن ليس لدينا -باستثناء القرآن- سطر واحد من النثر يرجع تاريخه إلى هذا العهد، ومن الضروري إذا أردنا أن نتبين حقيقة المسألة، أن نشير إلى أن هناك كمية من الآثار القديمة التي أفسدتها الرواية الشفهية والتدوين، امتزجت بآثار منحولة ذات مظاهر مختلفة، ومنها قطع
14 قضية الشعر الموضوع، تاريخ الأدب العربي لبلاشير، ص176 وما بعدها.
15 المرجع السابق، ص183-184.
أدبية بديعة، صنعت حسب التقاليد الشعرية المتبعة طوال النصف الثاني للقرن السابع، في حين أن مصادرها أقدم من ذلك -دون ريب- وقسم آخر على العكس، قطع منحولة صنعت بسذاجة وقلة دراية، تكفي تجربة قليلة للكشف عن حقيقتها. ولا بد إذن من عمل مزدوج سواء أكان المقصود قطعًا أدبية، أو أشعارًا منحولة.
ثم يذكر طائفة من الشعر المدسوس، فيقول16:"إننا نفرد دون تردد، كمية هائلة من الشعر المدسوس في أساطير وردت في سيرة ابن هشام، وكتاب التيجان لعبيد بن شرية، وكتاب الأغاني. إن هذا الإفراد يتناول قطعًا منسوبة إلى العمالقة، والثموديين، كما يتناول أيضا قصائد ذات طابع ديني، أمثال قصائد ورقة وأمية بن أبي الصلت، أو قصائد متأخرة ذات طابع سياسي، وديني، منسوبة إلى أقرباء النبي صلى الله عليه وسلم، كأبي طالب، وابنه علي" ويتطرق في حديثه إلى إنكار بعض نصوص فيها طابع ديني.
وظاهر أنه في كلامه هذا، يردد كثيرًا مما قاله الباحثون القدماء من العرب، فهم قد تبينوا صنع كثير مما أشار إليه في كلامه السابق. وأما النصوص الجاهلية ذات الطابع الديني، فلنا عندها وقفة فيما بعد إن شاء الله.
ثم يتحدث عن الطريقة التي يمكن بها معرفة الدخيل من الأصيل، في نصوص الأدب الجاهلي.
ويثير الكلام عن الرواية الشفهية، ولغة الشعر، والرواة، ثم يتحدث عن الناحية الدينية في النصوص الجاهلية، ويعقب على آراء جولدزيهر، ودرونبوج وباسيه وليال، كل هذا سنعرض له فيما بعد إن شاء الله.
أما الباحثون العرب فأشهر من تحدث في قضية انتحال الأدب الجاهلي منهم اثنان، هما الأستاذ مصطفى صادق الرافعي، والأستاذ الدكتور طه حسين.
فالأستاذ مصطفى صادق الرافعي عرض هذه القضية عرضًا مفصلًا في كتابه "تاريخ آداب العرب" الذي ألفه سنة 1911م، وقد جمع كل ما قاله الباحثون القدماء حول هذا الموضوع، فذكر ما قيل حول استكثار القبائل من أشعارها حينما وجدت أن ما لها منه قليل، وأن أكثرها في ذلك كانت قبيلة قريش17. ثم تحدث عما قيل في الشواهد وأنه دخلها كثير
1 المرجع السابق، ص184.
2 تاريخ آداب العرب جـ1 ص366.
من الوضع والاختلاق، فالعلماء كانوا في حاجة إلى الشواهد في تفسير الغريب ومسائل النحو18 ويذكر أن الكوفيين اتهموا بأنهم كانوا أكثر الناس وضعًا للشعر الذي يستشهدون به لضعف مذهبهم، وتعلقهم بالشواذ، واتخاذهم منها أصولًا يقاس عليها، فكانوا يتخذون من الشاذ أصلًا19، ويقال: إن أول من سن لهم هذه الطريقة شيخهم الكسائي، ولهذا يقولون إن الكوفيين اضطروا إلى الوضع فيما لا يصيبون له شاهدًا إذا كان العرب على خلافهم، ولذلك كثيرًا ما نجد في شواهدهم من الشعر ما لا يعرف قائله، بل ربما استشهدوا بشطر بيت لا يعرف قائله.
ويتعرض كذلك للشواهد التي كان يخترعها بعض المتكلمين والمعتزلة ليستشهدوا بها على آرائهم20، ويذكر ما جاءوا به ليثبتوا أن معنى الكرسي هو العلم في قوله تعالى:{وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْض} ، إذ قالوا شطر بيت لشاعر مجهول: هو:
ولا بكرسي علم الله مخلوق
ثم ذكر أثر القصص في انتحال الشعر، فقال: إن القصاصين لما كثروا واضطروا أن يضعوا الشعر لما يلفقونه من الأساطير، ليثبتوا تلك الأساطير في أفئدة العامة، فوضعوا الشعر على آدم، ومن دونه من الأنبياء، ثم جاوزوا ذلك إلى عاد وثمود، كما أن للأعراب شعرًا ينسبونه إلى الجن21.
ثم عرض ما قيل في شأن الرواية، والرواة فقال: إن الاتساع في الرواية كان من أسباب الوضع، فالرواة كانوا يتهافتون على الشعر، ويتسابقون على روايته؛ لأنه عمود الرواية وزينتها، وكان التسابق فيه من جهتين: الاتساع في الرواية، ومعرفة تفسيره والبصر بمعانيه.
ويذكر أن بعض الفحول من الرواة كانوا يحبون أن يتسعوا في روايتهم، فيستأثروا بما لا يحسن غيرهم من أبوابها، إظهارًا لتفوقهم، وأنهم يعرفون ما لا يعرف غيرهم، وأن ذاكرتهم أقوى من سواهم، ولذلك كانوا يضعون على فحول الشعراء قصائد لم يقولوها، ويزيدون في
18 المصدر السابق، ص369.
19 المصدر السابق، ص370.
20 المصدر السابق، ص373.
21 المصدر السابق، ص376.
قصائدهم التي تعرف لهم، ويضرب مثلًا لهؤلاء الرواة بحماد الراوية وخلف، ويذكر نبذًا مما قيل عن رواية كل منهما22.
فالأستاذ الرافعي قد استقصى كل ما قاله الباحثون من العرب القدماء، وجمعه في القسم الذي خصصه لهذا الموضوع.
أما الدكتور طه حسين، فقد ألم بالموضوع من جميع نواحيه، ووقف على ما قاله جميع الباحثين من العرب والمستشرقين حول قضية الانتحال، وكون له في ذلك رأيًا، شرحه في كتاب نشره في سنة 1926، سماه "في الشعر الجاهلي" ثم نشره في السنة التالية باسم "في الأدب الجاهلي"، وقد أحدث هذا الكتاب حينئذ ضجة عنيفة، فألف بعض الباحثين كتبًا في الرد عليه، من أهمها:
1-
النقد التحليلي لكتاب "في الأدب الجاهلي" للأستاذ محمد أحمد الغمراوي.
2-
نقد كتاب "في الشعر الجاهلي"، للأستاذ محمد فريد وجدي.
3-
نقض كتاب "في الشعر الجاهلي"، للأستاذ محمد الخضر حسين.
4-
"الشهاب الراشد" للأستاذ محمد لطفي جمعة.
5-
"تحت راية القرآن" للأستاذ مصطفى صادق الرافعي.
وكتاب الدكتور طه حسين قسمه سبعة أقسام. سمى كل قسم منها كتابًا.
وهذا الكتاب يدور حول رأي الدكتور طه حسين في الأدب الجاهلي الذي انتهى إليه بعد البحث والتفكير، والقراءة والتدبر، وقد لخص رأيه هذا بقوله23:"إن الكثرة المطلقة مما نسميه أدبًا جاهليًّا ليست من الجاهلية في شيء، وإنما هي منحولة بعد ظهور الإسلام، فهي إسلامية تمثل حياة المسلمين وميولهم وأهواءهم أكثر مما تمثل حياة الجاهليين. ولا أكاد أشك في أن ما بقي من الأدب الجاهلي الصحيح قليل جدًّا. لا يمثل شيئًا، ولا يدل على شيء، ولا ينبغي الاعتماد عليه في استخراج الصورة الصحيحة لهذا العصر الجاهلي".
وظاهر أن الدكتور طه حسين في رأيه هذا متأثر بآراء الذين يطعنون في أصالة الأدب الجاهلي من المستشرقين، وعلى الأخص مرجليوث، ويعلق بلاشير على ذلك فيقول24:
22 المصدر السابق، ص379.
23 في الأدب الجاهلي، ص65.
24 تاريخ الأدب العربي لبلاشير، ص182.
وينفرد طه حسين عن مرجليوث في نقطة واحدة، فهو يعلم مبدئيًّا، بأن ليس كل ما يسمى بالشعر الجاهلي مصنوعًا، ولكن ما بقي من القديم منه قليل لا يمثل شيئًا، ولا يدل على شيء، وهكذا فهو بوقوفه موقفًا حذرًا اقترب بفكرته من آراء عدد من المستشرقين، أمثال جولد زيهر، ونور أندريه، ووليام مارسيه، وتريتون، وغود فروا، وديمونتين، وبرونليخ "في نقده الثاني لبحث مارجليوث سنة 1972"، ويعتقد هؤلاء أن نولدكه وأهلوارد، ومدرستيهما يفسحون مجالًا واسعًا للشعر المسمى بالجاهلي. وهم وإن لم يثبتوا نظرية مرجليوث الجريئة، فقد وقفوا موقفًا فيه تحفظ".
ومن رأي الدكتور طه حسين، يتبين واضحًا، أنه لا يشك في كل الأدب المنسوب إلى الجاهليين، بل الشك عنده ينصب على الكثرة المطلقة من هذا الأدب، ومعنى هذا أن هناك قلة منه موضع الثقة والقبول، ولكنه يعود فيقول: إن هذا الجزء القليل الصحيح الباقي من الأدب الجاهلي لا يدل على شيء، ولا ينبغي الاعتماد عليه في استخراج الصورة الصحيحة لهذا العصر.
ولكن إذا كان هذا الجزء -ولو قليلًا- صحيحًا وأصيلًا، فلماذا نهمله ولا نعتمد عليه في أي شيء؟ أعتقد أنه إن لم يكن كافيًا لإعطاء صورة كاملة للعصر الجاهلي، فليس أقل من أن يعطينا صورة صحيحة جزئية تمثل الناحية التي هو نص صريح فيها.
وإذا كانت المسالة مسألة رأى واعتقاد، فهناك آراء كثيرة تجعل هذا الجزء الصحيح الباقي لنا من أدب الجاهليين موضع احترام، وترى أنه مرآة للعصر الجاهلي. وإذا كانت آراء الباحثين من العرب التي تؤيد ذلك موضع جدال، فهناك كثير من المستشرقين يعتقدون ذلك، فمنهم نيكلسون إذ يقول25:"إن مزايا العصر الجاهلي، وخواصه، مرسومة صورها "كما تعكس صورة الأشياء في المرآة" بأمانة ووضوح في الأغاني والأناشيد التي نظمها الشعراء الجاهليون" ويقول26: "إن الأدب الجاهلي، المنظوم منه والمنثور يمكننا من تصوير حياة تلك الأيام الجاهلية تصويرًا أقرب ما يكون من الدقة في مظاهره الكبرى".
ويقول ثوربيكه THORBEKE في كتابه "عنترة أحد شعراء الجاهلية ص14": "لا نملك مصدرًا موثوقًا منها لتدوين تلك الغارات البدوية سوى القصائد والمقطوعات
25 literary history of the arab، p. 26.
26 p. 27.
المحفوظة عن شعراء الجاهلية، ويقول ص29:"يمكن تعريف الشعر الجاهلي بأنه وصف مزين بالشواهد لحياة الجاهلية وأفكارها، فقد صور العرب أنفسهم في الشعر صورة منطبقة على الحقيقة بدون تزويق ولا تشويه"27.
ويقول نولدكه في كتابه من الشعر العربي القديم "ص17، طبع هانوفر سنة 1864": "إن عادات عرب الجاهلية وأحوالهم معلومة لنا بدقة، نقلًا عن أشعارهم"28. وقد كان الباحثون والمؤرخون الذين يتصدون للبحث في تاريخ العرب يتخذون من نصوص الأدب الجاهلي، أهم مصدر يعتمدون عليه في بحوثهم، وما زال الباقي منه إلى اليوم، من أهم المراجع للباحثين في أحوال العرب قبل الإسلام.
وكأن الدكتور طه حينما دعا إلى عدم الاعتماد على البقية الباقية من تراث الجاهليين الأدبي في تصوير حالة الجاهليين، أحس أن الباحثين دائمًا يتطلعون إلى المصادر الهامة التي يعتمدون عليها في بحوثهم، فكان أن وجه الأنظار إلى المصدر الذي يعتقد أنه خير ما يصور حالة العرب قبل الإسلام، فقال29:"إذا أردت أن أدرس الحياة الجاهلية فلست أسلك إليها طريق امرئ القيس والنابغة والأعشى وزهير وقس بن ساعدة وأكثم بن صيفي؛ لأني لا أثق بما ينسب إليهم، وإنما أسلك إليها طريقًا أخرى، وأدرسها في نص لا سبيل إلى الشك في صحته، أدرسها في القرآن، وأدرسها في شعر هؤلاء الشعراء الذين عاصروا النبي، وجادلوه، وفي شعر الشعراء الآخرين الذين جاءوا بعده، ولم تكن نفوسهم قد طابت عن الآراء والحياة التي ألفها آباؤهم قبل ظهور الإسلام. بل أدرسها في الشعر الأموي نفسه، فلست أعرف أمة من الأمم القديمة استمسكت بمذهب المحافظة في الأدب، ولم تجدد فيه إلا بمقدار، كالأمة العربية. فحياة العرب الجاهليين ظاهرة في شعر الفرزدق وجرير وذي الرمة والأخطل والراعي أكثر من ظهورها في هذا الشعر الذي ينسب إلى طرفة وعنترة وبشر بن أبي خازم".
ثم يسير في بيان الأسباب التي دعته إلى توجيه الباحثين عن صورة صادقة لحياة الجاهليين
27 "الشهاب الرصد". ص40.
28 الشهاب الراصد، ص41.
29 في الأدب الجاهلي. ص70-71.
أن يلتمسوا ذلك في القرآن: فيحاول أن يشرح أن القرآن صور حالتهم الدينية خير تصوير، ووصف حياتهم العقلية والاقتصادية والاجتماعية أحسن وصف.
فأما عن تصويره لحياتهم الدينية، فيقول30:"فأنت ترى أن القرآن حين يتحدث عن الوثنيين واليهود والنصارى، وغيرهم من أصحاب النحل والديانات، إنما يتحدث عن العرب، وعن نحل وديانات ألفها العرب، فهو يبطل منها ما يبطل، ويؤيد منها ما يؤيد، وهو يلقى في ذلك من المعارضة والتأييد بمقدار ما لهذه النحل والديانات من السلطان على نفوس الناس، وإذن فما أبعد الفرق بين نتيجة البحث عن الحياة الجاهلية في هذا الأدب أو الشعر الذي يضاف إلى الجاهليين فيظهر لنا حياة غامضة جافة، بريئة أو كالبريئة من الشعور الديني القوي والعاطفة الدينية المتسلطة على النفوس، والمسيطرة على الحياة العملية، وإلا فأين نجد شيئا من هذا في شعر امرئ القيس أو طرفة أو عنترة؟ أو ليس عجيبًا أن يعجز الشعر الجاهلي كله عن تصوير الحياة الدينية للجاهليين؟! أما القرآن فيمثل لنا شيئا آخر، يمثل لنا حياة دينية قوية تدعو أهلها إلى أن يجادلوا عنها ما وسعهم الجدال، فإذا رأوا أنه قد أصبح قليل الغناء لجئوا إلى الكيد، ثم إلى الاضطهاد، ثم إلى إعلان حرب لا تبقي ولا تذر".
وواضح أن الدكتور طه حسين في هذا، يوافق مرجليوث في الطعن في أصالة الأدب الجاهلي لخلوه من تصوير الحياة الدينية عند العرب قبل الإسلام.
أما أن القرآن نص ثابت، لا سبيل إلى الشك فيه، فذلك حق، ولا جدال فيه، وأما أن القرآن يصور حياة العرب الدينية قبل الإسلام، فذلك أيضًا مقبول، لأن الناحية الدينية أهم النواحي التي جاء الإسلام لإصلاحها، وبيان الحق فيها، فالدين الإسلامي جاء لهداية الناس، وتبصيرهم بالعقيدة الصحيحة والخلق القويم، وإخراجهم من ظلمات الكفر والشرك إلى نور الإيمان والتوحيد، فكان من الطبيعي أن يبين وجه الفساد والخطأ في المعتقدات الدينية التي لا تتمشى مع هذه المبادئ، ولا تتفق مع العقل السليم والتفكير السديد، ومن ثم كان لا بد أن يفيض في محاربة عبادة الأوثان التي لا تضر ولا تنفع، ومعارضة الذين يتمسكون باتباع آبائهم وأجدادهم بغير استعمال العقل والتفكير الصحيح، ومجادلة أصحاب العقائد التي
30 المرجع السابق، ص72-73.
لا تتمشى مع مبادئه ومناهجه، ومن ثم نتوقع أن نجد في القرآن الكريم تصويرًا تامًّا للحياة الدينية التي يحياها العرب في الجاهلية؛ لأن الدين الصحيح كان الغرض الأساسي من الدعوة الإسلامية.
ولكن مقارنة الشعر الجاهلي بالقرآن الكريم في هذه الناحية، أمر لا ينبغي أن يكون؛ ذلك لأن الشعر ليس من أهدافه الوعظ والإرشاد، ولا الدخول في جدل أيًّا كان نوعه، وبخاصة في النواحي الحساسة التي تمس مشاعر طوائف معينة كمسائل الدين والعقيدة، حقيقة أن الأديب -كغيره من الناس- له إحساسه الديني، وعواطفه الدينية، ولا شك أنه -من المحتمل جدًّا- قد تحركت مشاعره الدينية، فتغنى بشعره ليصور ما يجيش بجوانحه من عواطف دينية فياضة، كما نرى كثيرًا من النصوص الأدبية، في عصرنا الحاضر، وفي غيره من العصور، في جميع الأمم. ولذلك من الجائز -بل من المؤكد- أن كان من الشعراء الجاهليين من تغنى بعاطفته الدينية، وصور أثر عقيدته في نفسه، أو تحدث عن الشعائر الدينية في شعره، ولا شك أن ذلك قد وجد في الشعر الجاهلي، إن قليلًا وإن كثيرًا. ولكننا نعلم أن الشعر الجاهلي ظل يحفظ ويتناقل عن طريق الرواية والمشافهة منذ العصر الجاهلي، وفي العصر الإسلامي إلى أن دون فيما بعد. ومن المعلوم أن الدين الإسلامي الجديد جاء بمبادئ جديدة في العقيدة والدين المعاملات، وأبطل كل ما كان مخالفًا لمبادئه وقوانينه، وطالب متبعيه بتركها، والتمسك بأسس الدين الجديد وقواعده، والقيام بكل ما أمر به، والبعد عن كل ما نهى عنه. ومن ثم، كان من أول الأشياء التي لا يهتم بها الرواة المسلمون تلك النصوص التي تتصل بهذه الديانات والعقائد، التي جاء الدين الإسلامي لإبطالها والنهي عنها، ولذلك لن يكون عجيبًا ألَّا نجد في الأدب الجاهلي عامة والشعر منه خاصة، ما يصور فيض المشاعر الدينية عند العرب الجاهليين، وخلو الأدب الجاهلي من الحديث عن العواطف الدينية التي كانت مسيطرة على العرب الجاهليين لا ينبغي أن يتخذ سببًا للطعن في أصالة الأدب الجاهلي، ولا ينبغي أن يقال فيه لذلك إنه يصور لنا حياة غامضة جافة بريئة أو كالبريئة من الشعور الديني والعاطفة الدينية، المتسلطة على النفس والمسيطرة على الحياة العملية، فمن المقطوع به أن كثيرًا من الشعراء قد تغنوا في قصائدهم بذكر آلهتهم كاللات والعزى وغيرها، وتحدثوا عن شعائرهم الدينية الوثنية وغيرها التي كانت منتشرة بينهم، لكن مثل هذه النصوص لا ينتظر خلودها؛ لأنها كانت في عقيدة فاسدة، وطقوس دينية باطلة جاء الدين الإسلامي
لمحاربتها والقضاء عليها لن ينتظر من العرب أن يحافظوا عليها، وهم قد دخلوا في دين الله أفواجًا، وأعجبوا بتعاليمه ومبادئه، واقتنعوا عن عقيدة وإيمان ببطلان ما كانوا عليه. فمن المؤكد -أو على الأقل مما يغلب على الظن- أن العرب على العموم، والرواة على الخصوص، وكلهم من المسلمين المؤمنين الذين امتلأت قلوبهم بهذا الدين الجديد الصحيح، لم يهتموا بهذه النصوص ولم يحافظوا عليها، فلم يدونوها. ومن ثم، ليس غريبًا أن نسيها العرب أو تناسوها، وأغفلها الذين قاموا بتدوين هذا الأدب.
ومع هذا فالشعر الجاهلي لا يخلو من أبيات فيها إشارات إلى العقائد والشعائر الدينية التي كانت شائعة بين العرب في الجاهلية، وفي كتاب الأصنام لابن الكلبي، ودواوين الشعراء كثير من الأمثلة على ذلك، إذ نجد في ثنايا بعض القصائد ما يشير إلى شيء من النواحي الدينية.
كقول عدي بن زيد31:
سعى الأعداء لا يألون شرًّا
…
عليك ورب مكة والصليب
وقول أوس بن حجر في وصف الرمح32:
عليه كمصباح العزيز يشبه
…
لفصح ويحشوه الذبال المفتلا
وقوله33:
وباللات والعزى ومن دان دينها
…
وبالله إن الله منهن أكبر
وقول امرئ القيس أو التوءم اليشكري34:
أحار ترى بريقًا هب وهنًا
…
كنار مجوس تستعر استعارا
وقول طرفة يخاطب عمر بن هند35:
إني وجدك ما هجوتك وال
…
أنصاب يسفح بينهن دم
وقوله:
للفتى عقل يعيش به
…
حيث تهدي ساقه قدمه
31 شعراء النصرانية، ص451.
32 شعر الحرب للدكتور علي الجندي.
33 أديان العرب، ص172.
34 ديوان امرئ القيس، ص147 ب:1. وقيل في شرحه: إنه بالغ في وصف النار بقوله تستعر استعارًا، وخص نار المجوس لأنهم عبدتها، فنارهم أعظم، وأشد استعارًا.
35 ديوان طرفة للدكتور علي الجندي، البيت رقم403.
أخذ الأزلام مقتسمًا
…
فأبى أغواهما زلمه
عند أنصاب لها زفر
…
في صعيد جمة أدمه36
وقول النابغة الذبياني:
فلا لعمر الذي مسحت كعبته
…
وما هريق على الأنصار من جسد
ما قلت من سيئ مما أتيت به
…
إذا فلا رفعت سوطي إلي يدي37
وقال جابر بن حني التغلبي النصراني، وكانت النصرانية لا تبيح سفك الدم:
وقد زعمت بهراء أن رماحنا
…
رماح نصارى لا تخوض إلى دم
وقول امرئ القيس:
فأدركنه يأخذن بالساق والنسا
…
كما شبرق الولدان ثوب المقدس
فهذا يشير إلى أن رجال الدين الرهبان كان يتبرك بهم، فالمقدس هو الراهب، وكان إذا نزل إلى صومعته يجتمع الصبيان إليه، فيخرقون ثيابه، ويمزقونها تمسحًا به وتبركًا38. وأمثلة ذلك كثيرة من الأبيات المنتثرة في ثنايا القصائد يشير كل منها إلى عقيدة، أو شعيرة دينية. ولكنا لن نجد قصيدة كاملة خالصة في الشعور الديني، للأسباب المتقدمة: كما حفظت كتب التاريخ والأدب كثيرًا من الأبيات للمشركين والكفار وبخاصة إبان الدعوة الإسلامية وأيام الغزوات39.
ثم ينتقل الدكتور طه حسين إلى ناحية أخرى، فيقول40: "ولكن القرآن لا يمثل الحياة الدينية وحدها، إنما يمثل شيئًا آخر غيرها لا نجده في هذا الشعر الجاهلي: يمثل حياة عقلية قوية، يمثل قدرة على الجدال والخصام أنفق القرآن في جهادها حظًّا عظيمًا، أليس القرآن قد وصف أولئك الذين كانوا يجادلون النبي بقوة الجدال، والقدرة على الخصام، والشدة في المحاورة؟ وفيم كانوا يجادلون ويخاصمون ويحاورون؟ في الدين وفيما يتصل بالدين من هذه
36 الزلم: واحد من الأزلام. الصعيد: التراب. الأنصاب: الحجارة التي كانوا يذبحون عندها. جمة: كثيرة. أدمه: جلوده، أي جلود ما حمل الرجل إلى الأنصاب.
37 أديان العرب، ص174.
38 ديوان امرئ القيس، ص104، ب14.
39 راجع كتب السيرة والأغاني وغيره من كتب الأدب مثل طبقات الشعراء لابن سلام عند الكلام على الشعراء الكفار كأمية بن أبي الصلت وابن الزبعرى قبل إسلامه.
40 في الأدب الجاهلي، ص173.
المسائل المعضلة التي ينفق الفلاسفة فيها حياتهم دون أن يوفقوا لحلها: في البعث، في الخلق، في إمكان الاتصال بين الله والناس، في المعجزة وما إلى ذلك، أفتظن قومًا يجادلون في هذه الأشياء جدالًا يصفه القرآن بالقوة، ويشهد لأصحابه بالمهارة؟ أفتظن هؤلاء القوم من الجهل والغباوة والغلظة والخشونة بحيث يمثله لنا هذا الشعر الذي يضاف إلي الجاهليين؟ "
وهنا يقول: إن القرآن يصف الحياة العقلية للعرب الجاهليين ويصورهم بأنهم كانوا أقوياء في الجدال والمناظرة كالفلاسفة، في حين أن الأديب الجاهلي يصورهم بأنهم جهلاء أغبياء ولكن العكس هو الصحيح، فالقرآن وصفهم دائمًا في هذه المناسبات بأنهم لا يعقلون ولا يفقهون، وأنهم كالأنعام بل هم أضل سبيلًا وإني أوافق الأستاذ الغمراوي في رده على هذه النقطة إذ يقول41:"فأما الحظ الذي أنفقه القرآن في الجهاد بالحجة فعظيم، لكن عظمه لم يكن ناشئًا عن عظم قدرة على الجدال كانت عند المجادلين، ولا عن حسن بصرهم بمواطن الحجة، بل كان ناشئًا عن عظم رسوخ ما كان يجاهده القرآن فيهم، من اعتقادات وعادات، تأصلت فيهم على مر القرون. فالقرآن أنفق ذلك الحظ العظيم في جهاد العادة لا في جهاد مقدرة على المخاصمة". فلم يكن جدالهم في الناحية الدينية ناشئًا عن قوتهم العقلية في هذه الناحية، ولا عن حجج قوية أوردوها، أو براهين جاءوا بها بل كان عنادًا في الحق ومكابرة في الباطل أخذ القرآن في تخليصهم منها نصيبًا كبيرًا، فالحقيقة أن حججهم وبراهينهم هنا كانت واهية ضعيفة لا سند لها من عقل، أو تفكير سليم، إنما هو تأصل العادة، والتمسك بما كان عليه الآباء والأجداد.
ولا يصور الأدب الجاهلي العرب قبل الإسلام جهلاء أغبياء، بل إن الأدب الجاهلي بعامة والشعر فيه بخاصة من أهم البراهين التي تنفي عن العرب قبل الإسلام الجهل والغباء، فهو يثبت أن العرب الجاهليين كان فيهم الذكاء والفطنة، وسعة الخيال، ورقة الشعور، وفيض العواطف النبيلة بما تضمنه من معانٍ سامية، ونظرات صادقة، في الكون، والإنسان، وحسن التعبير وجمال التصوير.
وبعد ذلك يتحدث عن تصوير اتصال العرب بغيرهم، في القرآن، وفي الشعر الجاهلي فيقول42: "والقرآن لا يمثل الأمة العربية متدينة مستنيرة، فحسب، بل هو يعطينا منها
41 الشهاب الراصد، ص148.
42 في الأدب الجاهلي، ص74-75.
صورة أخرى يدهش لها الذين تعودوا أن يعتمدوا على هذا الشعر الجاهلي في درس الحياة العربية قبل الإسلام. فهم يعتقدون أن العرب كانوا قبل الإسلام أمة معتزلة، تعيش في صحرائها لا تعرف العالم الخارجي، ولا يعرفها العالم الخارجي، وهم يبنون على هذا قضايا ونظريات، فهم يقولون: إن الشعر الجاهلي لم يتأثر بهذه المؤثرت الخارجية التي أثرت في الشعر الإسلامي: لم يتأثر بحضارة الفرس والروم. وأنى له ذلك؟! لقد كان يقال في صحراء لا صلة بينها وبين الأمم المتحضرة، كلا! القرآن يحدثنا بشيء غير هذا، القرآن يحدثنا بأن العرب كانوا على اتصال بمن حولهم من الأمم، بل كانوا على اتصال قوي، قسمهم أحزابًا، وفرقهم شيعًا. أليس القرآن يحدثنا عن الروم وما كان بينهم وبين الفرس من حرب انقسم فيها العرب إلى حزبين مختلفين: حزب يشايع أولئك، وحزب يناصر هؤلاء؟ أليس في القرآن سورة تسمى "سورة الروم" تبتدئ بهذه الآيات:{الم، غُلِبَتْ الرُّومُ، فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ، فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ، بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَنْ يَشَاءُ} ؟ لم يكن العرب إذن كما يظن أصحاب هذا الشعر الجاهلي معتزلين.
فأنت ترى أن القرآن يصف عنايتهم بسياسة الفرس والروم، وهو وصف اتصالهم الاقتصادي بغيرهم من الأمم في السورة المعروفة:{لإِيلافِ قُرَيْشٍ، إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ} وكانت إحدى الرحلتين إلى الشام حيث الروم، والأخرى إلى اليمن حيث الحبشة، أو الفرس".
والحق أن الأدب الجاهلي لا يصور العرب في الجاهلية منعزلين عما سواهم من الأمم، وبخاصة من كانوا يجاورونهم، كالروم والفرس والحبشة، من ذلك ما يقوله ابن سلام:
"وكان أبو الصلت يمدح أهل فارس حين قتلوا الحبشة، في كلمة قال فيها:
لله درهم من عصبة خرجوا
…
ما إن ترى لهم في الناس أمثالا
بيضا مرازبة غرًّا جحاجحة
…
أسدًا تربب في الغيضات أشبالا
لا يرمضون إذا حرت مغافرهم
…
ولا ترى منهم في الطعن ميالا
من مثل كسرى وسابور الجنود له
…
أو مثل وهرز يوم الجيش إذ صالا
فاشرب هنيئًا عليك التاج مرتفقًا
…
في رأس غمدان دارا منك محلالا"43
43 طبقات الشعراء، ص66.
كما وردت فيه إشارات كثيرة للهند، وبخاصة عند الكلام على السيوف، وقد سبق الحديث عن صلات العرب الخارجية، وما كان له من تأثير في لغتهم وأدبهم، وظهر ذلك واضحًا في كثير من الألفاظ الأجنبية التي عربها الجاهليون، وقد ورد بعضها في القرآن الكريم، فالواقع أن الأدب الجاهلي، وبخاصة الشعر، يدل دلالة قاطعة على صلة العرب الجاهليين بغيرهم من الأمم، فما كان للعرب أن يعيشوا في عزلة تامة، ولا بد أن يظهر أثر هذا الاتصال في لغة العرب الجاهليين وأدبهم. ولا يمكن أن يتجاهل دارسو الأدب الجاهلي هذا الأثر، فيعتقدوا "أن العرب كانوا قبل الإسلام أمة معتزلة تعيش في صحرائها لا تعرف العالم الخارجي ولا يعرفها العالم الخارجي".
حقيقة أن التأثير الخارجي في لغة العرب وأدبهم كان كثيرًا بعد ظهور الإسلام، واتساع رقعة العالم الإسلامي بعد الفتوحات التي تمت للمسلمين، بحكم الاتصال الذي زاد واتسع عما كان الحال عليه قبل الإسلام.
ثم ادعاء أن القرآن الكريم تحدث عن صلة العرب بغيرهم من الأمم الأخرى ليس صحيحًا، لأن القرآن لم يقصد ذلك وكان في آيتين أو آيات معدودات، وجاءت إشارته إلى هذه الصلة في تلك الآيات في معرض حديثه عن أغراض أخرى تتصل بمبادئه وأهدافه، ولم يكن الحديث فيه عن هذه الصلة مقصودًا لذاته. وجاء حديثه عنها مقتضبًا، بحيث لا يمكن أن يقال: إنه صور صلة العرب بغيرهم تصويرًا تامًّا من جميع النواحي. إنما هو صورها من الناحية التي تتصل بأغراضه ومقاصده فقط.
وفي تصوير الحالة الاقتصادية بين العرب في الجاهلية يقارن الدكتور طه حسين بين القرآن الكريم والأدب الجاهلي في هذه الناحية فيقول44: "وأنت إذا قرأت في القرآن رأيت أنه يقسم العرب إلى فريقين آخرين: فريق الأغنياء المستأثرين بالثروة، المسرفين في الربا. وفريق الفقراء المعدمين، أو الذين ليس لهم من الثروة ما يمكنهم أن يقاوموا هؤلاء المرابين، أو يستغنوا عنهم. وقد وقف الإسلام في صراحة وحزم وقوة إلى جانب هؤلاء الفقراء المستضعفين، وناضل عنهم، وذاد خصومهم والمسرفين في ظلمهم، وسلك في هذا النضال والذياد مسالك مختلفة: سلك فيها مسلك القوة والعنف حين حرم الربا وألح في تحريمه، ومثل الذين يأكلون
44 في الأدب الجاهلي ص76-77.
الربا بالذين يتخبطهم الشيطان من المس، وأمر الذين آمنوا أن يتقوا الله ويذروا ما بقي من الربا، وآذنهم بحرب من الله ورسوله إن لم يفعلوا، وسلك فيها مسلك اللين والرفق حين أمر بالصدقة، وأوصى الأغنياء بالفقراء، وضرب هذه الأمثال البينات يرغب بها أصحاب الأموال في البر بالفقراء والعطف عليهم، وجعل الصدقة قرضًا يقدمه صاحبها إلى الله على أن يرد إليه مضاعفًا يوم القيامة، وسلك فيها بين بين، فيه حزم وشدة وفيه لين ورفق، حين شرع الزكاة على أنها تطهير للأغنياء وسد لحاجة الفقراء". ثم يستمر فيقول:"أفتظن أن القرآن كان يعنى هذه العناية كلها بتحريم الربا والحث على الصدقة، وفرض الزكاة لو لم تكن حياة العرب الاقتصادية الداخلية من الفساد والاضطراب بحيث تدعو إلى ذلك؟ فالتمس لي هذا أو شيئًا كهذا في الأدب الجاهلي، وحدثني أين نجد في هذا الأدب الذي لا يمثل فقر الفقير، وما يحمل صاحبه من ضر، وما يعرضه له من أذى، والذي لا يمثل طغيان الغني وإسرافه في الظلم والبطش وامتصاص دماء المعدمين؟ ألم يكن بين هؤلاء العرب البائسين من انطلق لسانه مرة بالشكوى من هذه الحياة السيئة المنكرة؟ ألم يكن بين هؤلاء العرب المسرفين في الظلم من انطلق لسانه مرة بما يمثل كبرياءه وتسلطه على هؤلاء البائسين؟ ".
وهو هنا كذلك يسهب في بيان أن القرآن وصف الحالة الاقتصادية للعرب الجاهليين بالتفصيل، ويستدل على ذلك بحديث القرآن عن الفقراء والأغنياء، وفرض الزكاة، وسن الصدقات، وتحريم الربا، ويذكر أن الأدب الجاهلي ليس فيه ما يشير إلى ذلك، ومن ثم فهو لا يصور حالة العرب الاقتصادية.
حقيقة إن القرآن الكريم تحدث عن الأغنياء والفقراء، وحرم الربا، ونفر من البخل، وكره في الشح والحرص وذم الطمع والجشع؛ لأن من أهم مبادئ الدين الإسلامي، إصلاح الفاسد، وتقويم المعوج، ومحاربة الصفات الذميمة، والقضاء على العادات السيئة. فبجانب اهتمام الدعوة الإسلامية ببيان العقيدة الصحيحة، ودعوة الناس إلى الدين القويم، كانت تهتم بإصلاح النواحي الاجتماعية التي كان الفساد فيها ظاهرًا ومستشريًا، فحارب الإسلام كل المفاسد الخلقية والاجتماعية، ومن بينها الربا، والسرقة، والسلب، والنهب، والاعتداء على حقوق الآخرين، وأعراضهم، ودعا إلى المبادئ التي ترفع من شأن الإنسان
والمجتمع ومن بينها الزكاة والصدقات وبذل الأموال وتداولها فيما هو صالح للأفراد والمجتمعات.
وإذا لم يرد ذكر الربا في الأدب الجاهلي فلا ينبغي أن يعتبر ذلك نقصًا فيه. ولا سببًا للطعن في أصالته، فالمعروف أن الأدب ليس إلا أثرًا لانفعال الأدباء بظاهرة تثير انفعالهم، وليس بلازم أن ينفعل الأدباء بكل الظواهر التي يحتويها الكون والحياة والظروف المختلفة، ومن ثم، ليس بلازم أن ينفعل الأدباء بظاهرة الربا، فقد تكون بين الظواهر التي لم تثر مشاعرهم فلم يقولوا فيها شعرًا، ويجوز أن الشعراء أو بعضهم قد ثارت مشاعرهم بسبب الربا، فقالوا فيه شعرًا، ولكنه ضاع ضمن ذلك الجزء الكبير الذي ضاع من نتاج الجاهليين الأدبي.
ويجوز أنه لم يوجد من الأدباء من تعامل بالربا، فأحس بشاعته، فقال فيه نصًّا أدبيًّا، ويغلب على الظن أن ذلك قد حدث، فلم يكن بين الأدباء، وبخاصة الشعراء، من كان يدين أو يستدين بالربا، ذلك لأن من يقرض ماله بالربا لابد أن يكون غنيًّا، ذا ثراء ظاهر، ومال يفيض عن حاجته، وحقًّا كان في العرب من هذه حاله، ولكنا لا نعتقد أن أحد الشعراء الجاهليين كان من هذه الطبقة الثرية، فكتب التاريخ والأدب تتحدث عن الشعراء الجاهليين، سواء كانوا حضرًا أو بدوًا، وتصفهم بأنهم كانوا فقراء، ولم تصف واحدًا منهم بالغنى الكثير، والمال الفائض الذي يقرضه بربا أو بدون ربا. كما أنا لم نسمع عن أحد من الأدباء أنه اقترض من غنيّ مالًا بالربا، حتى ولا بدون ربا، رغم أنهم كانوا جميعًا فقراء، وإنما نعتقد أن حاجات الأدباء وبخاصة الشعراء كانت تقضى بسهولة ويسر، وكان جميع أفراد القبيلة يتسابقون في سد حاجات شعرائهم، وقضاء مصالحهم، بل ويتسامحون كثيرًا فيما يأخذه شعراؤهم من أموالهم ولو في غيبتهم، وبدون سابق إذن منهم. فالشعراء كانت لهم منزلة في قومهم وفي غير قومهم، جعلتهم موضع الاحترام والتبجيل، من الجميع وبخاصة الأغنياء وذوو الثراء، بل كثيرًا ما كان الناس يتهيبونهم، ويخافون ألسنتهم، ويرهبون تشهيرهم، فكانوا على الأقل، يتملقونهم، ويتظاهرون بإكرامهم وإكبارهم. ومن كانت هذه حالهم، فمن المستبعد جدًّا أن يقرضهم الأغنياء بربا، إن لم يقرضوهم بدون انتظار للوفاء أو السداد ومن ناحية أخرى لن ننتظر من الشعراء أن يقولوا شيئا يمس شعور المرابين ما دام الشعراء يلقون منهم كل احترام وإكبار.
على أن الثراء كان غالبًا يظهر في بعض أشخاص من الحضر الذين يعيشون على التجارة والزراعة، ومن هنا كان الربا يوجد عادة بين أهل المدن ولم نسمع عن أحد من الشعراء الحضريين، أنه كان يشتغل بإحدى هاتين المهنتين، فكان ثريًّا ثراء يمكنه من التعامل بالربا، أو أنه كان فقيرًا اضطر إلى مد يده لأحد الأغنياء ليقرضه على أن يرد أكثر مما أخذ.
واستبعاد التعامل بالربا بين شعراء البدو أكثر احتمالًا؛ ذلك لأن التعامل بالربا لا يكون عادة إلا بين قوم في حياتهم استقرار، وفي ظروفهم ما يعمل على وجود ثقة متبادلة بين الدائن والمدين، فالمقرض، حتى بالربا، لا يعطي ماله لأي شخص دون أن يكون واثقًا من مقدرته على السداد من جهة، ومن إمكان العثور عليه بسهولة وبخاصة عندما يحين ميعاد السداد، من جهة أخرى، وذلك لا يكون إلا بين سكان المدن والقرى، الذين يستقرون فيها، ويعرف بعضهم بعضًا مثل مكة ويثرب والطائف واليمن، بعكس البدو الذين كانوا يسهل عليهم التنقل، ومن ثم يستبعد أن كان هناك تعامل بالربا بين سكان البدو على وجه العموم، وبين الشعراء على وجه الخصوص. وإذا علمنا أن معظم الأدب الجاهلي منسوب إلى شعراء البدو، فلن تكون هناك غرابة إذا لم يوجد ذكر للربا في الأدب الجاهلي، لهذا لا ينبغي أن يكون ذلك نقيصة في الأدب الجاهلي، وسببًا في رميه بأنه لا يصور الحياة الاقتصادية في العصر الجاهلي.
على أن هذه الناحية بالذات، أعني التعامل بالربا ظاهرة موجودة بين الناس في جميع العصور ولم نرها سجلت في دواوين الشعراء، أو احتلت مكانًا بين الظواهر المثيرة الأخرى التي حركت مشاعر الأدباء45، فهل يجوز لنا حينئذ أن نقول: إن أدب عصر من هذه العصور لا يصور الحياة الاقتصادية لأمة ذلك العصر لأنه لم يتحدث عن الربا.
ثم لماذا يخص الربا دون غيره من الموضوعات الاقتصادية الأخرى، فهناك مثلًا: الرهن الضار، والتلاعب بالأسعار، وإخفاء السلع، والإتجار بها في السوق السوداء، وأساليب البيع العجيبة التي كانت منتشرة بين الجاهليين، وهي تتضمن أنواع الخداع والتحايل والمكر
45 حقيقة قد وجد بعض الأمثلة التي تتحدث عن الربا كتاجر البندقية لشيكسبير، ولكن هذه الأمثلة قليلة ونادرة بحيث يمكن أن تعد في حكم المعدوم، مما يجعلنا نقول: إن الحديث عن الربا ليس ظاهرة أدبية عامة بين جميع الأمم في كل العصور.
والغش، مثل: بيع الحصاة46 وبيع الغرر47 وبيع الملامسة48 وبيع النجش49؛ وكذلك التطفيف في الوزن والكيل، وغير ذلك من المفاسد الاقتصادية التي كانت منتشرة بين الجاهليين، وهي تضر بالفرد والمجتمع، وقد نهى الإسلام عن كل ذلك، وحرمه تحريمًا قاطعًا، وأوعد كل من يتعامل بأي نوع من هذه العلامات الضارة بالويل والثبور، والمعروف أن المعاملات بين الناس ضرورية لهم جميعًا؛ لأنها تتصل بحياتهم، ولا يستغني عنها فرد من الأفراد، ولا شك أن الشعراء كانت لهم صلة بها؛ فهل إذا لم نجد للأدباء نتاجًا يصور هذه الحالة الشنيعة، ويصف آثارها السيئة على النفوس، كان ذلك مطعنًا في أصالة الأدب؟ أعتقد أن أصالة الأدب شيء، وتصويره لمثل هذه الحالات وغيرها شيء آخر، ولا صلة لهذا بذلك.
فهناك ظواهر اقتصادية وغير اقتصادية لم يظهر لها أثر في الأدب؛ لأنها لم تثر عواطف الأدباء، كما أن هناك ظواهر أخرى كان لها تأثير في مشاعرهم، فسجلوها في نصوصهم الأدبية. وإن أدب الصعاليك ليصف الفقر في الجاهلية، ويدل دلالة واضحة على الشكوى والتألم من الفقر وآثاره في الإنسان.
ثم يتحدث الدكتور طه حسين في جانب آخر من جوانب الناحية الاقتصادية فيقول50:
"ثم لا يمثل القرآن هذه الناحية وحدها من الحياة الاقتصادية الداخلية، وإنما يمثل ناحية أخرى أقوم وأعظم خطرًا منها: يمثل هذه الناحية التي كنا ننتظر أن يمثلها الشعر لأنها خليقة به، وتكاد تكون موقوفة عليه - نريد هذه الناحية النفسية الخالصة، هذه الناحية التي تظهر لنا الصلة بين العربي والمال، هذه الناحية التي فكرنا فيها قليلًا لم نلبث أن نتساءل عن هذا
46 بيع الحصاة: قيل هو أن يقول أحد المتبايعين للآخر: ارم هذه الحصاة فعلى أي ثوب وقعت فهو لك بدرهم، أو أن يبيعه سلعة، ويقبض على كف من الحصى، ويقول بكل حصاة درهم، وقيل معناه غير ذلك.
47 بيع الغرر: وهو بيع المخاطرة. وهو الجهل بالثمن أو المثمن أو سلامته، كبيع السمك في الماء. والطير في الهواء.
48 بيع الملامسة: على أنواع، منها أن يأتي بثوب مطوي أو في ظلمة، فيلمسه المستام، فيقول له صاحب الثوب بعتكه بكذا، على أن يقوم لمسك مقام نظرك، ولا خيار لك إذا رأيته.
49 بيع النجش: أن يبيع الإنسان سلعة بيعًا صوريًّا لشخص اتفق معه على مساومته فيها بثمن كبير، لينظر إليه ناظر، فيقع فيها.
راجع تاريخ العرب قبل الإسلام لجواد علي جـ8 ص176 وما بعدها.
50 في الأدب الجاهلي، ص77.
الشعر الجاهلي: أصادق هو أم كاذب؟ فالشعر الجاهلي يمثل لنا العرب أجوادًا كرامًا مهينين للأموال، مسرفين في ازدرائها، ولكن في القرآن إلحاحًا في ذم البخل، وإلحاحًا في ذم الطمع، قد كان البخل والطمع إذن من آفات الحياة الاقتصادية والاجتماعية في الجاهلية
…
إن العرب في الجاهلية لم يكونوا كما يمثلهم هذا الشعر أجوادًا منفقين للمال، مهينين لكرامته، وإنما كان منهم الجواد والبخيل، وكان منهم المتلاف والحريص، وكان منهم من يزدري المال، ومنهم من يزدري الفضيلة والعاطفة في سبيل جمعه وتحصيله".
وهذه النقطة أيضا لا ينبغي أن تكون سببًا في الطعن في الأدب الجاهلي ورميه بأنه لا يصور هذه الناحية الاقتصادية النفسية من حياة العرب الجاهليين، ففي زعم الطاعنين هنا مغالطة واضحة؛ ذلك لأن الأدب الجاهلي اشترك مع القرآن الكريم في تصويرها تصويرًا دقيقًا، ففي كليهما ذم للبخل، ومدح للجود والكرم. فالقرآن الكريم ذم البخل وذم الطمع، والأدب الجاهلي ذم البخل وذم الطمع كذلك، وحينما يتحدث القرآن الكريم عن هذه الأمور وأمثالها، فإنه لا يقصد العرب وحدهم، وإنما يريد أينما وجدت. ولم يصور الأدب الجاهلي العرب قبل الإسلام أجوادًا كرامًا، مهينين للمال، مسرفين في ازدرائه، بل صور العرب بأنهم كان فيهم أجواد كرماء، وفيهم أشحاء بخلاء، ففي الأدب الجاهلي كثير من النصوص يهجو فيها أصحابنا أعدائهم بالبخل والشح، ويذمونهم بالطمع والجشع، وفيه كذلك كثير من النصوص التي يتغنى فيها أصحابها بالجود والكرم، ولكن لا ينبغي أن يغيب عن البال أن هذه النصوص التي تفيض بذكر الجود والكرم إنما تكون عادة في الفخر والمدح، ومن المعلوم البدهي أن المدح أو الفخر لا يكون له شأن، ولا يؤدي معناه الحقيقي إلا إذا كان بشيء نادر، أو عظيم، وليس شائعًا بين الناس، ولا في متناول الجميع، وإلا لما كان للمدح أو الفخر به أي معنى، وبهذا يتبين أن الجود والكرم، والسخاء والبذل والعطاء والإنفاق والإسراف والإتلاف، وغيرها من الصفات التي يتردد المدح والفخر بها في نصوص الأدب الجاهلي، كانت صفات غير متيسرة للجميع، ولا يتصف حقيقة بها جميع العرب. ولكن ليس هناك ما يمنع من أن يدعيها لنفسه كل فرد وكل قبيلة، وما كل ما ينسبه المرء لنفسه صحيح، ولا كل ما يدعيه واقع وحق، ومن المعروف أن الشعر فيه كثير من الأماني والأحلام.
ثم يذكر الدكتور طه بعد ذلك جزئيات يدعي أنها ذكرت في القرآن الكريم، ولم تذكر في
الشعر الجاهلي، هي البحر، والسفن، والصيد، واللؤلؤ، والمرجان فيقول51:"ولكني ألاحظ أن ذكر القرآن لهذا كله، وامتنانه على العرب بهذا كله، دليل قاطع على أن العرب لم يكونوا يجهلون هذا كله، بل كانوا يعرفونه حق المعرفة، كانت حياتهم تتأثر به تأثرًا قويًّا، وإلا فما عرض القرآن له، وما أقام الحجة به عليهم. فأين تجد هذا أو شيئًا من هذا في الشعر الجاهلي؟ ".
هذا ما يقوله الدكتور طه حسين، وفي هذا تحامل على الشعر الجاهلي فقد ذكرت هذه الأشياء بكثرة في الشعر الجاهلي كلما سنحت الفرصة، أو جاءت المناسبة التي تستدعي ذكر أحد منها، وإليك من هذه الكثرة مثالا جاءت فيه كل هذه الأشياء، وهو من معلقة طرفة المشهورة، إذ يقول فيها52:
كأن حدوج المالكية غدوة
…
خلايا سفين بالنواصف من دد
عدولية، أو من سفين ابن يامن
…
يجور به الملاح طورًا ويهتدي
يشق حباب الماء حيزومها بها
…
كما قسم الترب المفايل باليد
ويقول فيها:
وفي الحي أحوى ينفض المرد شادن
…
مظاهر سِمطي لؤلؤ وزبرجد
تلك هي الشبهات التي أثارها الدكتور طه حسين، وبسببها دعا الباحثين إلى أن يتجهوا -إذا أرادوا صورة صحيحة صادقة للعصر الجاهلي- إلى القرآن الكريم، وأن يتجاهلوا الأدب الجاهلي.
وغني عن البيان أن القرآن الكريم ليس خاصًّا بالعرب وحدهم، وما ورد فيه ليس بلازم أن يكون موجودًا في العرب، فهو لم ينزل مؤرخًا لهم، وحتى إذا كانت الأمور التي أثارها الدكتور طه حسين موجودة بين العرب في الجاهلية، فمما سبق يتبين أن القرآن الكريم لا يصور بها حياة العرب من جميع النواحي، ولكنه يصورها في النواحي التي تعرض لها، وهي تلك
51 في الأدب الجاهلي، 79
52 ديوان طرفة للمؤلف، الأبيات: 25، 26، 27، 28.
التي تتصل بمبادئه وأهدافه، وأهمها الناحية الدينية، وبعض النواحي الاجتماعية التي تنظم حياة الناس، وتجعل مجتمعهم مجتمعًا صالحًا بعيدًا عن المفاسد والعيوب، فنبههم إلى أمثل النظم، ووجوه الفساد وطرق إصلاحها، فبجانب تبيانه للعقيدة الصحيحة والدين القويم، وضح لهم الصفات الذميمة والعادات السيئة التي كانت منتشرة بينهم، وحاول تنفير الناس منها، فأظهر ما فيه من فساد وقبح؛ لكي يبتعدوا عنها، فنهاهم عن الربا، والغيبة، والنميمة، وأكل أموال الناس بالباطل، والاعتداء على الآخرين، والمساس بشرفهم، كما حرم الخمر والميسر والأنصاب والأزلام، ووأد البنات وغير ذلك من الأمور التي تحتاج إلى إصلاح وتهذيب؛ لأن ذلك مما يتصل بغرضه وهو هداية الناس إلى الحياة السعيدة المثلى، أما نواحي الحياة وأحوالها الأخرى التي لا تتصل بأغراض الدين الجديد ومبادئه فلم يتعرض القرآن الكريم لها.
ومن ثم، لم يتحدث القرآن الكريم عن جميع أحوال العرب سيئها وحسنها، وشرها وخيرها، ولا يتوقع منه ذلك أبدًا؛ لأنه لم ينزل واصفًا للعرب ولا مؤرخًا لهم. فمن يقتصر -في البحث عن صورة للعرب قبل الإسلام- على ما ورد في القرآن الكريم خاصًا بهم، فلن يأخذ منه صورة العرب كاملة من جميع النواحي لأنه اقتصر على ذكر علاج النواحي السيئة التي كانت فيهم ولم يتعرض لذكر ما كان فيهم من محاسن؛ ذلك لأن غرضه التهذيب والإصلاح وذلك لا يكون إلا لنواحي النقص والعيب، فهي التي تحتاج إلى تهذيب وإصلاح. أما نواحي الحسن فمسكوت عنها، وإن وعد بالثواب من يفعل الطيب أو يتبع الحسن، كما أوعد بالعقاب من يرتكب إثمًا، أو يقترف جرمًا. فالخلاصة أن القرآن الكريم وحده لا يصور حياة العرب الجاهليين من كل النواحي، وإنما يصور تلك النواحي التي تتصل بالأغراض التي جاء من أجلها الدين الإسلامي.
وفي دعوة الدكتور طه حسين إلى تجاهل الأدب الجاهلي عند البحث عن صورة صحيحة للعرب قبل الإسلام، تحامل على الأدب الجاهلي، الذي جاء إلينا عن طريق أهل العلم والثقة، وإنكار لما تضمنه هذا الأدب من حقائق في غاية الأهمية يجدر بالباحث أن يدرسها، ويستقصيها، لتعينه على تكوين صورة صحيحة صادقة للعرب قبل الإسلام، فقد ثبت أن الأدب الجاهلي في الحقيقة مصدر أساسي من مصادر تاريخ العرب الجاهليين، إذ اعترف بذلك كثير من العلماء والباحثين، من العرب والمستشرقين.
ومما يثير الدهشة أن ينصح الدكتور طه حسين الباحثين والمتطلعين إلى تصوير الحياة الجاهلية بالبحث عنها في الشعر الأموي نفسه؛ لأنه لا يعرف أمة من الأمم القديمة استمسكت بمذهب المحافظة في الأدب، ولم تجدد فيه إلا بمقدار كالأمة العربية، فحياة العرب الجاهليين في نظره ظاهرة في شعر "الفرزدق وجرير وذي الرمة والأخطل والراعي أكثر من ظهورها في هذا الشعر الذي ينسب إلى طرفة وعنترة وبشر بن أبي خازم".
وسبب هذا الدهش أن الدكتور طه يعترف بأن الأدباء العرب في العصر الأموي كانوا متمسكين بالمحافظة على التقاليد الأدبية التي كان يتمسك بها العرب القدماء، وهذا معناه أنه كانت هناك تقاليد أدبية قبل الإسلام، هي التي استمسك بها الأدباء الأمويون، ومن قبلهم بالطبع. وهذا معناه كذلك اعتراف بنتاج أدبي كان موجودًا في العصر الجاهلي، وأن هذا النتاج ظل موجودًا حيًّا حتى اقتدى به الأدباء في العصر الأموي وساروا على منواله، وترسموا خطاه. وهذا يفيد أنهم عرفوا النصوص الجاهلية الصحيحة، فجاء أدبهم تقليدًا صحيحًا كاملًا من جميع الوجوه، ومعنى ذلك أيضا أن الرواة الذين حملوا هذه النصوص الجاهلية التي قلدها الأدباء الأمويون، كانوا موضع ثقة واحترام من العلماء والأدباء وبخاصة هؤلاء الشعراء الذين سماهم الدكتور طه حسين، وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا نثق بالتقليد وهو أدب الشعراء الأمويين ولا نثق بالأصل وهو الأدب الذي استمسك بالمحافظة على مذهبه الأدباء الأمويوين، وساروا على أسسه ومبادئه! وأيهما أولى بالتصديق والقبول: الأصل أم صورته؟
وكيف تكون حياة العرب الجاهليين في شعر الفرزدق وجرير وذي الرمة والأخطل والراعي، أكثر من ظهورها في هذا الشعر الذي ينسب إلى طرفة وعنترة وبشر بن أبي خازم؟. أذلك لأنه مختلف ومنحول ولم يقله من نسب إليهم، أم لأن صانعيه لم يوفقوا فيه إلى تصوير الحياة الجاهلية تصويرًا دقيقًا؟ إن كان الاحتمال الأول، فأقصى ما يمكن أن يقال حينئذ إنه اختلق في عصر الجمع والتدوين وذلك كان زمنه حوالي زمن هؤلاء الشعراء الذين سماهم ومن ثم لن يكون هناك فرق بين أدباء الدولة الأموية والأدباء الذين اختلقوا هذا الأدب ونسبوه إلى أدباء العصر الجاهلي، لن يكون هناك من فرق بين هؤلاء وأولئك لا من حيث الاتصال بالحياة العربية القديمة، ولا من حيث الإلمام بالتقاليد الأدبية، ومعرفة أساليب
الكلام، وطرق التعبير الأدبي، والتصوير الشعري في العصر الجاهلي، فهؤلاء الذين اختلقوا بعض النصوص الأدبية، ونسبوها إلى أدباء جاهليين لم يقولوها، وما كانوا ليجرءوا على ذلك، إلا إذا كانوا قد أنسوا من أنفسهم إحاطة تامة بحياة العرب الجاهليين، ومعرفة شاملة لأساليبهم في التعبير الأدبي، بدليل اعتراف بعض العلماء، بأن من المختلق ما قد يلتبس على النقاد الضليعين في اللغة والأدب بحيث لا يستطيعون تمييز الدخيل من الأصيل.
وإن كان الاحتمال الثاني، وهو قصور المزيفين عن التقليد الصحيح، فما أسهل -حينئذ- تمييزه، وما أحقه برميه والضرب به عرض الحائط.
فالدعوة إلى نبذ ما ورد عن طريق الرواة الثقات، فيها تحامل بغير أساس، ولا تعتمد على حجة معقولة.
بعد ذلك يتحدث الدكتور طه حسين عن لغة الأدب الجاهلي، ويتخذ منها سببًا قويًّا للطعن في أصالته، وللقول بأنه لا يمثل اللغة العربية في العصر الجاهلي، فيقول53:
"إن الأدب الجاهلي لا يمثل اللغة الجاهلية، ولنجتهد في تعرف اللغة الجاهلية هذه ما هي؟ أو ما إذا كانت في العصر الذي يزعم الرواة أن أدبهم الجاهلي هذا قد ظهر فيه؟ أما الرأي الذي اتفق عليه الرواة، أو كادوا يتفقون عليه، فهو أن العرب ينقسمون إلى قسمين: قحطانية، منازلهم الأولى في اليمن، وعدنانية، منازلهم الأولى في الحجاز. وهم متفقون على أن القحطانية عرب منذ خلقهم الله فطروا على العربية، فهم العاربة وعلى أن العدنانية قد اكتسبوا العربية اكتسابًا، كانوا يتكملون لغة أخرى هي العبرانية أو الكلدانية، ثم تعلموا لغة العرب العاربة؛ فمحيت لغتهم الأولى من صدورهم، وثبتت فيها هذه اللغة الثانية المستعارة. وهم متفقون على أن هذه العدنانية المستعربة إنما يتصل نسبها بإسماعيل بن إبراهيم
…
على هذا كله يتفق الرواة، ولكنهم يتفقون على شيء آخر أثبته البحث الحديث، وهو أن هناك خلافًا جوهريًّا قويًّا بين لغة حمير و"هي العرب العاربة" ولغة عدنان "وهي العرب المستعربة". وقد روي عن أبي عمرو بن العلاء أنه كان يقول:"ما لسان حمير بلساننا ولا لغتهم بلغتنا". ثم يستمر فيقول: "وفي الحق إن البحث الحديث قد أثبت خلافًا جوهريًّا بين اللغة التي كان يصطنعها الناس في جنوب البلاد العربية، واللغة التي كانوا يصطنعونها في شمال هذه البلاد
53 في الأدب الجاهلي، ص80-81.
ولدينا الآن نقوش ونصوص تمكننا من إثبات هذا الخلاف في اللفظ وفي قواعد النحو، والتصريف أيضًا".
وبعد أن يتحدث طويلًا عن العرب البائدة والعرب الباقية، يورد نصوصًا من اللغة الحميرية ليتبين الفرق بينها وبين العربية، ثم يقول45: "الأمر إذن أوضح وأبين من أن نبين القول في تفصيله، فالقحطانية شيء، والعدنانية شيء آخر
…
وإذن فما خطب هؤلاء الشعراء الذين ينتسبون إلى قحطان، والذين كانت كثرتهم تنزل اليمن، وكانت قلتهم من قبائل يقال إنها قحطانية قد هاجرت إلى الشمال؟ ما خطب هؤلاء الشعراء، وما خطب فريق من الكهان والخطباء يضاف إليهم نثر وسجع، وكلهم يتخذ لشعره ونثره اللغة العربية الفصحى كما نراها في القرآن؟ ".
ويستمر، فيقول:"أما أن هؤلاء الناس كانوا يتكلمون لغتنا العربية الفصحى ففرض لا سبيل إلى الوقوف عنده فيما يتصل بالعصر الجاهلي، قد ظهر أنهم كانوا يتكلمون لغة أخرى، أو قل لغات أخرى. فما يضاف إليهم من الشعر والنثر، في لغتنا الفصحى، كما يضاف إلى عاد وثمود وطسم وجديس ومن إليهم من الشعر والنثر، منحول متكلف لا سبيل إلى قبوله، أو الاطمئنان إليه".
وبعد ذلك يناقش القول بأن اليمنيين قد اتخذوا لغة العدنانيين لغة أدبية لهم، ينشئون بها شعرهم ونثرهم الفنيين، فيقبل هذا القول على أنه "حق لا يحتمل شكًّا ولا جدالًا بعد ظهور الإسلام؛ لأن اللغة العربية الفصحى -وهي لغة هذا الدين الجديد ولغة كتابه المقدس ولغة حكومته الناشئة القوية- أصبحت لغة رسمية، ثم لغة أدبية للدول الإسلامية كلها. أما قبل الإسلام، فلا يقبل هذا الرأي، بل يرفضه وينكره. معتمدًا على أن السيادة السياسية والاقتصادية -التي من شأنها أن تفرض اللغة على الشعوب- قد كانت للقحطانيين دون العدنانيين، ويقول: فما العلة إذن في أن تفرض لغة قوم لا حظ لهم من سيادة ولا ثروة ولا حضارة على قوم هم الساسة، وهم المترفون، وهم المتحضرون؟ وكيف لم تفرض القحطانية لغتها على العدنانية، والقحطانية -فيما يقول الرواة والمؤرخون- قد أذلت العدنانية وأخضعتهم لسلطانها المباشر في اليمن، كما أخضعتهم لسلطانها حين تسلط
54 المصدر السابق، ص88-89.
فريق منها على أطراف العراق والشام، تحت حماية الفرس والروم فيما يقول الرواة والمؤرخون"؟
ثم ينكر كذلك هجرة فريق من القحطانيين إلى شمال البلاد العربية واستقرارهم فيها واتخاذهم لغة الشمال أداة للتخاطب والآثار الأدبية بحجة، أن هذه الدعوى تقوم على أساسين، هما: النسب، وسيل مأرب وهو لا يقبل هذين إلا إذا قام الدليل العلمي البين على صحتهما. فهو لا يصدق ما يقوله النسابون عن أن هذه القبائل التي يقال إنها هاجرت، كانت حقًّا من القحطانيين فذلك في نظره أحاديث "يتكلفها القصاص وأصحاب الأغراض والأهواء للذة والمنفعة". ويرى كذلك أن دعوى هجرة فريق من عرب اليمن اضطرارًا بعد حادثة سيل العرم، من أحاديث القصاص إلى أن تقوم عليها الأدلة العلمية، فيقول:"نعم! ذكر القرآن سيل العرم، وأثبت البحث الحديث أن كان سيل العرم. وذكر القرآن أن هذا السيل قد تمزقت له سبأ كل ممزق، ولم يزد القرآن على هذا، ولم يحدد تاريخ سيل العرم، ولم يقل كيف مزقت سبأ كل ممزق، ولم يسم لنا القبائل السبئية التي مزقت، ولم يبين لنا المواطن التي هاجرت إليها، ولم تستكشف بعد نصوص تسمي هذه القبائل أو تدل على هذه المواطن". وينتهي إلى أن يقول55: "نحن إذن بإزاء لغتين: إحداهما كانت قائمة في الشمال وهي التي نريد أن نؤرخ آدابها، والأخرى كانت قائمة في الجنوب، وهي التي تمثلها النصوص الحميرية والسبئية والمعينية. ونحن لا نسرف، ولا نشتط حين ننكر ما يضاف إلى أهل الجنوب من شعر وسجع ونثر قيل بلغة أهل الشمال قبل الإسلام".
الدكتور طه حسين كما نرى يرفض أدب اليمنيين الذي جاء بلغة الشماليين؛ لأن الجنوبيين كانت لهم لغة مخالفة للغة العدنانيين. حقيقة كان القحطانيون في أول الأمر يتخاطبون بلغة تختلف عن لغة العدنانيين، ولكنا نعتقد أنه ما كان خلافًا أساسيًّا، كاختلاف اللغة العربية عن اللغة الإنجليزية أو الألمانية أو الفرنسية، إنما كان اختلافًا بين أختين تفرعتا من أصل واحد، هو العربية الأصلية، فكل منهما لغة عربية، ولكن تبعا لاختلاف الظروف البيئية والحياة في كل قسم، اختلفت كل منهما عن الأخرى، وبطبيعة الحال لن يكون مثل هذا الاختلاف اختلافًا جوهريًّا، ربما يكون اختلافًا في بعض الألفاظ، أو في المدلولات لبعض الألفاظ، أو في
55 في الأدب الجاهلي، ص29.
طريقة النطق، وما إلى ذلك من الاختلافات غير الجوهرية التي تكون بين الفروع التي جاءت من أصل واحد، بدليل وجود اتفاق كبير بين بعض ألفاظ النقوش التي أوردها، ونظيرها في العربية الفصحى، كما فسرها هو في كتابه، مثل56:
وأخهو- وأخوه.
كلبت - كلبة "بالتاء المربوطة وليس في الكتابة الحميرية تاء مربوطة".
هقنيو - أقنوا ومعناه أعطوا. والفعل الذي على وزن أفعل في اللغة الحميرية تبدل همزته هاء. والمعتل لا يحذف حرف العلة منه عند اتصاله بواو الجماعة.
وسعدهم - ساعدهم "بحذف ألف المد في الكتابة".
نعمتم - نعمة "والميم بدل التنوين".
أخت أمهو - أخت أمه "هو في "أمهو" بدل الهاء في العربية".
بعلتي - صاحبتي.
بعل - صاحب.
فتقارب هذه الألفاظ وتشابه بعض الألفاظ، ليس -كما يدعي- كتقارب الألفاظ وتشابه القواعد بين عربيتنا الفصحى من ناحية، والسريانية والعبرانية من ناحية أخرى. حقيقة، هذه اللغات فروع من الساميات، ولكن عربية الجنوب وعربية الشمال أختان قريبتان، من فرع واحد. فالاختلاف بينهما لن يكون كالاختلاف بين العربية والعبرية أو السريانية، فكلتاهما لغة عربية، وأصيلة في عربيتها، ومثلهما مثل عربية مصر وأخواتها العربيات في سوريا، ولبنان، والعراق، والمملكة العربية السعودية، وباقي أقطار العالم العربي، فلا يمكن أن يقال: إن لغة قطر تختلف اختلافًا جوهريًّا عن كل من أخواتها في الأقطار الأخرى. كلنا -نحن أبناء العالم العربي- يلمس أن هناك اختلافًا بين هذه الأقطار في اللغة، أو طريقة النطق لبعض الكلمات، ولا يمكن أن يقال: إن مثل هذا الاختلاف اختلاف أساسي بحيث يترتب عليه أن تكون كل منها مغايرة مختلفة تمام الاختلاف. ثم إن النص الذي أورده لأبي عمرو بن العلاء، ويعتمد عليه في اعتقاده أن لغة اليمنيين كانت غير
56 في الأدب الجاهلي، ص86.
لغة العدنانيين، بالرجوع إلى المصدر الأساسي الذي جاء فيه هذا النص، تبين أنه هكذا:"ما لسان حمير وأقاصي اليمن بلساننا، ولا عربيتهم بعربيتنا"57 وليس كما جاء في استدلال الدكتور طه حسين إذ أورده هكذا: "ما لسان حمير بلساننا ولا لغتهم بلغتنا"58 والفرق بين العبارتين واضح، فالنص في العبارة الثانية يفهم منه أن لسان حمير غير لسان العدنانيين، وأن لغتهم غير لغة العدنانيين، كأن كلا منهما لسان خاص، ولغة مغايرة للأخرى. في حين أن العبارة الأولى تفيد أن كلتا الاثنتين عربية، فهما لغة عربية، وأن الاختلاف بين هاتين الأختين مقصور على الأماكن المتطرفة النائية من بلاد اليمن فقط.
ثم إن تسليم الدكتور طه حسين بأن اللغة الفصحى سادت في جميع القبائل اليمنية بعد الإسلام، دليل على التقارب الشديد بين هاتين اللهجتين، قبل الإسلام بوقت كاف، إذ من غير المعقول أن يحدث ذلك بحيث يستطيع الكتاب والأدباء أن ينشئوا بها أدبهم في فترة وجيزة بعد ظهور الإسلام.
ويؤيد التقارب التام بين اللهجتين الجنوبية والشمالية، نقش النمارة الذي عثر عليه لامرئ القيس وهو من أصل قحطاني، إذ ثبت أنه "بلهجة قريبة من لهجة القرآن.. بلهجة نستطيع أن نقول إنها من الأم التي ولدت عربية القرآن"59.
على أن سيادة اليمنيين على الشماليين التي يتذرع بها، ويرتب عليها أن تسود لغة اليمن على الشمال لم تكن سيادة عامة، إنما كانت سيادة على بعض قبائل من أهل الشمال لا كلهم، ولم تستمر طويلًا لمدة تكفي لفرض اللغة، بل كانت لفترة وجيزة، فلم يلبث الشماليون أن انتقضوا على الجنوبيين، وتخلصوا منهم إلى الأبد.
ثم إنه ليس بلازم مطلقًا في كل فتح أو في كل سيادة، أن يستتبع ذلك فرض لغة الفاتحين أو السادة، بل قد يحدث، ومع ظروف وأسباب، ولكن ليس بلازم أبدًا أن يحدث ذلك، وكتب التاريخ والدراسات اللغوية خير شاهد على ذلك، وأقرب مثل لهذا في تلك البقعة، أن كلا من الفرس والأحباش قد احتلوا اليمن قبل الإسلام، ولكن لم نسمع أن اللغة الفارسية أو اللغة الحبشية قد فرضت سيادتها على اليمنيين المغلوبين وفي العصر الحديث مثلا
57 طبقات فحول الشعراء لابن سلام، ص4-5 والمزهر جـ1 ص174.
58 في الأدب الجاهلي، ص81
59 جواد علي جـ 4 ص342.
احتل الإنجليز بعض الأقطار العربية مدة طويلة ولم تسيطر اللغة الإنجليزية على أهل هذه الأقطار، فسيادة اللغة في إقليم ما إذن تخضع لظروف وعوامل كثيرة مختلفة قد يكون منها الفتح أو الغلبة، ولكن ذلك ما كان ولا يكون السبب الوحيد.
وأما إنكاره هجرة بعض القبائل اليمنية واستقراراها في الشمال؛ لأنه لا يصدق ما قيل عن نسبها، وعن وقت هجرتها بأنه كان بعد سد مأرب. فاعتراضه على النسب غير واضح في هذا المكان؛ لأن هذه القبائل إما أن تكون من القحطانية أو من العدنانية، فإن كانت من العدنانية فلا إشكال حينئذ؛ لأن أدبهم سوف يجيء مطابقًا لما ورد إلينا. وإن كانت من القحطانية فهذا ما يقول به معارضو رأي الدكتور طه حسين، ويحاولون أن يعللوا بسببه مجيء أدبهم بلغة الشماليين.
وأما عن هجرتهم بسبب انهيار سد مأرب، فإنه مصدق بما جاء في القرآن وما أثبته التاريخ من أن سيل العرم قد حدث، وأنه مزق سبأ كل ممزق فمعنى هذا أن هناك قبائل من سبأ تركوا موطنهم الأصلي، واستقروا في مواضع أخرى، كل ذلك يوافق عليه الدكتور طه حسين ومن يعارضهم الدكتور طه حسين. والخلاف الذي يثيره هو بينه وبينهم هو: تحديد سيل العرم، وكيفية تمزيق هذه القبائل وأسماء هذه القبائل التي هاجرت، والمواطن الجديدة التي استقرت فيها، فمعارضوه يذكرون أن سيل العرم حدث في الجاهلية قبل ظهور الإسلام بوقت استقرت فيه هذه القبائل التي هاجرت، في موطنها الجديد، وأنها تفرقت في جهات شتى في الجزء الشمالي من شبه الجزيرة العربية ويذكرون أسماء قبائل معينة يحددون كلا منها بالاسم فإذا كان الدكتور طه حسين لديه معلومات أخرى عن تاريخ سيل العرم، وكيفية الهجرة، وأسماء أخرى غير هذه القبائل التي ذكروها، فإنه يؤدي للعلم والبحث خدمات جليلة بذكرها وتفصيلها.
ولو أصر على اختلاف لغة النقوش التي أوردها عن لغة الشماليين، فليبين لنا أصحابها وأين كانوا يسكنون وفي أي العصور، فلعلهم كانوا من أقاصي اليمن الذي ورد ذكرهم في كلمة أبي عمرو بن العلاء. أو لعل لغة هذه النقوش كانت من اللهجات الدارجة في الجنوب وليست لغة الأدب الفصحى.
والرأي المعقول في هذه المسألة، أن لغة الأدب كانت واحدة بين الجنوبيين والشماليين، فقد كان الأدباء في القسمين يؤلفون بها أدبهم، كما سبق أن وضحنا ذلك عند الكلام على لغة
الأدب، وهذه اللغة العربية الفصحى، وليس بعجيب أن يحدث ذلك بين القسمين وإن اختلفت لهجاتهم، كما هو حادث الآن بين جميع أقطار العالم العربي، فكل قطر يتكلم بلهجة تختلف عن اللهجات الأخرى في أحاديثهم اليومية وقضاء مطالبهم الحيوية، فإذا جاء دور اللغة الأدبية اتحدت على جميع الألسنة في جميع الأقطار، وذلك في جميع اللغات التي يكثر الناطقون بها، وهم في أقطار متعددة كعالم المتحدثين باللغة الإنجليزية مثلًا.
والدليل على أن القسمين كانا متحدين في اللغة الأدبية وهي اللغة الفصحى: نزول القرآن الكريم، وفهم العرب جميعًا له، وجدالهم حوله. والدكتور طه حسين نفسه يعترف بأنهم كانوا يجادلون ويخاصمون في مسائل معضلة. وأن جدالهم كان قويًّا يشهد لأصحابه بالمهارة60، ولم يقل أحد ولا الدكتور طه نفسه، أن هذا الجدال كان عن طريق ترجمته لفريق من العرب، أو للعرب الجنوبيين فقط. إنما الأخبار والتاريخ والمعلومات الوثيقة تؤيد أن العرب جميعهم فهموه حق الفهم، ولم يترجم كله أو بعضه لأحد من الجنوبيين، ومعنى ذلك أنهم جميعًا فهموا نصوصه، ولا يكون ذلك إلا إذا كانت لغته معروفة لهم جميعًا، ثم إن التحدي الذي وجهه القرآن كان للعرب جميعًا وليس لفريق الشماليين دون فريق الجنوبيين. والتحدي لا يكون له معنى إلا إذا كان في ناحية يدعي المتحدى أن له فيها تفوقًا ونبوغًا، وهذا معناه أن العرب الذين تحداهم القرآن بالفصاحة والبلاغة، كانوا العرب كلهم، لا العرب الشماليين دون الجنوبيين.
ثم إن من الثابت تاريخيًّا، أن الرسول صلى الله عليه وسلم، كان يرسل مبعوثين إلى الجهات النائية في شبه الجزيرة العربية ومن بينها اليمن، وأطرافها، وكانوا يتفاهمون معهم باللغة العربية الفصحى، لغة القرآن، ولغة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يثبت أن الترجمة كانت سبيل تفاهمهم. كما أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يستقبل الوفود من جميع الجهات، ومن بينها اليمن، وكان يحدثهم، ويتفاهمون معه، بلغة يفهمها الجميع، ولم يثبت أن الترجمة كانت الوسيلة في التحدث والتفاهم بينهم، كما يحدث بين الذين تختلف لغاتهم، وهذا ليس معناه إلا أنه كانت هناك لغة مشتركة يفهمها الجميع، الشماليون والجنوبيون من العرب، هذه اللغة هي لغة القرآن وهى اللغة الفصحى، التي هي لغة الأدب الجاهلي.
60 في الأدب الجاهلي ص73.
والدكتور طه يعترف بصراحة ووضوح، أن لغة القرآن كانت اللغة الأدبية التي كان يستعملها الناس في العصر الجاهلي، فهو يقول ما يلي بالحرف61:"وليس من العسير أن نفهم أن العرب قد قاوموا القرآن، وناهضوه، وجادلوا النبي فيه إلا أن يكونوا قد فهموه، ووقفوا على أسراره ودقائقه، وليس من اليسير، بل ليس من الممكن أن نصدق أن القرآن كان جديدًا كله على العرب فلو كان كذلك لما فهموه ولا وعوه، ولا آمن به بعضهم، ولا ناهضه، وجادل فيه بعضهم الآخر. إنما كان جديدًا في أسلوبه، جديدًا فيما يدعو إليه. جديدًا فيما شرع للناس من دين وقانون، ولكنه كان كتابًا عربيًّا، لغته هي اللغة الأدبية التي كان يصنعها الناس في عصره، أي في العصر الجاهلي". وذلك معناه أن هذه اللغة كانت معروفة لهم وشائعة الاستعمال بينهم في الأدب.
ثم إذا لم يكن هذا مقنعًا في إثبات أن الجنوبيين كانوا مع الشماليين يستعملون لغة أدبية واحدة، بل إن القسمين كانا يستعملان لغتين أدبيتين مختلفتين، فكيف غاب ذلك عن إدراك هؤلاء المزيفين الذين قاموا بصنع هذه النصوص الجاهلية المنسوبة إلى الجنوبيين؟ كيف ينسبون إليهم نصوصًا بلغة لم تكن معروفة لهم، ولا يؤلفون بها أدبهم؟ والمعروف أن هؤلاء المزيفين كانوا مشهورين بالذكاء الخارق، والفطنة التامة، والإحاطة الكاملة بكل نواحي الحياة الجاهلية عند العرب جميعًا وبخاصة التقاليد الأدبية التي كانت شائعة عند الجاهليين، جنوبيهم وشماليهم، حتى استطاعوا بمقدرتهم الفائقة أن يختلقوا نصوصًا مزيفة، مشابهة تمام المشابهة للنصوص الأصلية، حتى التبس الدخيل بالأصيل، ولم يتمكن أقدر النقاد، وأقواهم فطنة وذكاء من التمييز بين هذا وذاك.
ثم إذا غفل المزيفون عن هذه الناحية، ووقعوا فيها، ألم يكن هناك من النقاد أو العلماء، أو حتى من عامة الناس من يستطيع لأول وهلة أن يرد عليهم ادعاءهم ويبين كذبهم، بحجة أن ما يختلقونه واضح التزييف؛ لأنه يختلف في لغته عن لغة المنسوب إليهم، المعروفة عنهم؟
على أننا أشرنا فيما سبق إلى أن الأدباء من الجنوبيين الذين جاءت لهم نصوص أدبية في تراث الجاهليين، إنما كانوا من أولئك الذين كانوا يعيشون في وسط العدنانيين أو قريبًا منهم،
61 المصدر السابق ص71.
فكانت ديارهم في الشمال، أو قريبًا منه، وليسوا من أولئك الذين كانوا يعيشون في أقاصي اليمن، فليس هناك من الأدباء الجاهليين الجنوبيين الذين وردت لهم نصوص أدبية جاهلية، من كانت داره في الجهات النائية من القسم الجنوبي. ولعل ذلك مما ينهي الخلاف أو يضيق شقته على الأقل. وبذلك ننتهي إلى أنه من المعقول -وهو الواقع فعلًا- أن يتحد الشماليون والجنوبيون في اللغة الأدبية، قبل ظهور الإسلام للأدلة التي وضحناها آنفًا، ومعظمها واقع وملموس. ولا ينبغي مطلقًا أن يكون اتحاد الجنوبيين والشماليين في لغة الأدب المنسوب إليهما سببًا في الطعن في أصالته.
ويتحدث الدكتور طه حسين عن الشعر الجاهلي واللهجات الشمالية، فيحاول أن يتخذ من ذلك مطعنًا جديدًا في أصالة الأدب الجاهلي، وصدقه، فيقول 62: "فالرواة مجمعون على أن قبائل عدنان لم تكن متحدة اللغة ولا متفقة اللهجة قبل أن يظهر الإسلام، فيقارب بين اللغات المختلفة، ويزيل كثيرًا من تباين اللهجات. وكان من المعقول أن تختلف لغات العرب العدنانيين، وتتباين لهجاتهم قبل ظهور الإسلام. فإذا صح هذا كله كان من المعقول جدًّا أن تكون لكل قبيلة من هذه القبائل العدنانية لغتها ولهجتها ومذهبها في الكلام، وأن يظهر اختلاف اللغات وتباين اللهجات في شعر هذه القبائل الذي قيل قبل أن يفرض القرآن على العرب لغة واحدة ولهجات متقاربة، ولكننا لا نرى شيئًا من ذلك في الشعر الجاهلي، فأنت تستطيع أن تقرأ هذه المطولات أو المعلقات التي يتخذها أنصار القديم نموذجًا للشعر الجاهلي الصحيح، وسترى أن فيها مطولة لامرئ القيس، وهو من كندة أي من قحطان، وأخرى لزهير، وأخرى لعنترة، وثالثة للبيد، وكلهم من قيس، ثم قصيدة لطرفة، وقصيدة لعمرو بن كلثوم، وقصيدة أخرى للحارث بن حلزة، وكلهم من ربيعة. تستطيع أن تقرأ هذه القصائد السبع دون أن تشعر فيها بشيء يشبه أن يكون اختلافًا في اللهجة، أو تباعدًا في اللغة، أو تباينًا في مذهب الكلام: البحر العروضي هو هو، وقواعد القافية هي هي، والألفاظ مستعملة في معانيها كما تجدها عند شعراء المسلمين، والمذهب الشعري هو هو. كل شيء في هذه المطولات يدل على أن اختلاف القبائل لم يؤثر في شعر الشعراء تأثيرًا ما. فنحن بين اثنتين: إما أن نؤمن بأنه لم يكن هناك اختلاف بين القبائل العربية من عدنان وقحطان
62 في الأدب الجاهلي، ص93-94.
لا في اللغة ولا في اللهجة ولا في المذهب الكلامي، وإما أن نعترف بأن هذا الشعر لم يصدر عن هذه القبائل، وإنما حمل عليها بعد الإسلام حملا". ثم يقول:"ونحن إلى الثانية أميل منا إلى الأولى. فالبرهان القاطع قائم على أن اختلاف اللغة واللهجة كان حقيقة واقعة بالقياس إلى عدنان وقحطان".
وظاهر أنه هنا يشك في الأدب الجاهلي المنسوب إلى شعراء من القبائل العدنانية، بحجة أن هذه القبائل كانت تختلف في اللهجات، وأن كل قبيلة كانت لها لهجة خاصة بها، ومن ثم يرفض الشعر الجاهلي المنسوب إليهم؛ لأنه جاء بلغة واحدة، ولا أثر لاختلاف لهجات القبائل فيه، ويعتقد أن هذا الأدب المنسوب إلى الأدباء الجاهليين الشماليين، لم يصدر عنهم، وإنما حمل عليهم حملا.
حقيقة، كانت هناك لهجات بين القبائل العربية، لكل قبيلة لهجتها الخاصة، ولكن اختلاف اللهجات بين العرب العدنانيين -كالاختلاف بين لهجات القبائل القحطانية- كان اختلافًا يسيرًا، ولم يكن اختلافًا جوهريًّا؛ لأنه اختلاف بين أخوات من فرع واحد، وشأن الاختلاف بين هذه اللهجات أقل بكثير من الاختلاف بين عربية الشماليين وعربية الجنوبيين فالاختلاف بين هذه اللهجات العدنانية، بعضها وبعض، ليس إلا اختلافًا بين أخوات بينها تقارب شديد وكبير، مثله كمثل الاختلاف بين اللهجات في مناطق الدولة الواحدة، وإنا لنرى ذلك مشاهدًا في كل أمة وفي كل دولة في جميع العصور، ففي جمهورية مصر العربية مثلًا، هناك لهجة القاهرة، ولهجة الإسكندرية، ولهجة الوجه البحري، ولهجة الصعيد، بل وفي مناطق كل من الوجهين القبلي والبحري اختلاف في اللهجات بين سكانها فهناك لهجة الشرقية، ولهجة الغربية، ولهجة منطقة القنال، وهكذا في كل بلد عربي، وغير عربي، وفي كل دولة من دول العالم، في جميع العصور. ولكن اختلاف هذه اللهجات لا يعدو أن يكون خلافًا يسيرًا قليلًا، وجميع المناطق يفهم كل منها الآخر بسهولة ويسر، وهذا الاختلاف كذلك لا يستلزم اختلافًا في لغة الأدب، بل إن الواقع يثبت -والتاريخ على مر العصور يؤيد- أن سكان كل دولة، مهما اختلفت لهجاتهم المحلية في مناطقهم، فإنهم يتفقون جميعًا في اللغة الرسمية، لغة الأدب، فالجميع يؤلفون بها أدبهم، وكلهم يفهم هذه اللغة، فهم جميعًا متحدون في هذه اللغة، مع اختلاف اللهجات المحلية63. وإذا كانت الأدلة
63 في الأدب الجاهلي، ص104.
الواقعة التي سقناها لبيان إمكانية وجود لغة أدبية تجمع بين الشماليين والجنوبيين، مقبولة ومقنعة، فهي هنا تكون دلالتها أقوى، وإقناعها أشد، وقبولها أوجب. ومن ثم، فلم يكن هناك ما يمنع من أن تتحد جميع هذه القبائل في اللغة الأدبية، خصوصًا أن الإنسان دائمًا مدفوع بغريزته إلى حب الشهرة وبعد الصيت، والأدباء بالذات يحب كل منهم أن تشيع نصوصه في الآفاق، وتجري كلماتها على كل لسان في كل مكان. وهذا يستلزم الاتحاد في التعبير الأدبي ليكون المجال أمام النصوص الأدبية مفتوحًا، وكلما اتسع نطاق هذه الوحدة كانت الشهرة أكبر وأعظم.
ومع ذلك يسوق الدكتور طه حسين دليلًا آخر ليؤيد به اعتقاده أن أدب الجاهليين الشماليين مصنوع ومنحول، فيسوق مسألة تعدد القراءات في القرآن، ويقول64:"إن القرآن الذي تلي بلغة واحدة، ولهجة واحدة، هي لغة قريش ولهجتها، لم يكد يتناوله القراء من القبائل المختلفة حتى كثرت قراءاته، وتعددت اللهجات فيه، وتباينت تباينًا كثيرًا، جد القراء والعلماء المتأخرون في ضبطه وتحقيقه، وأقاموا له علمًا أو علومًا خاصة. ولسنا نشير هنا إلى هذه القراءات التي تختلف فيما بينها اختلافًا كثيرًا في ضبط الحركات سواء أكانت حركات بناء أو حركات إعراب.. إنما نشير إلى اختلاف آخر في القراءات يقبله العقل، ويسيغه النقل، وتقتضيه ضرورة اختلاف اللهجات بين قبائل العرب التي لم تستطع أن تغير حناجرها وألسنتها وشفاهها لتقرأ القرآن كما كان يتلوه النبي وعشيرته من قريش، فقرأته كما كانت تتكلم، فأمالت حيث لم تكن قريش تميل، ومدت حيث لم تكن تمد، وقصرت حيث لم تكن تقصر، وسكنت حيث لم تكن تسكن، وأدغمت أو أخفت أو ثقلت حيث لم تكن تدغم ولا تخفي ولا تثقل". ثم يقول: "وليست هذه القراءات بالأحرف: جمع حرف، والحرف. اللغة، فمعنى أنزل القرآن على سبعة أحرف، أنه نزل على سبع لغات مختلفة في لفظها ومادتها. يفسر ذلك قول ابن مسعود: "هل ينظرون إلا زقية واحدة" مكان {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً} .. فأنت ترى أن هذه القراءات التي عرضنا لها إنما هي مظهر من مظاهر اختلاف اللهجات". وبعد أن يستطرد بحديث طويل عن القراءات للطبري، يقول الدكتور طه65:
64 في الأدب الجاهلي، ص94-96.
65 في الأدب الجاهلي، ص103.
"إن هذا النوع من اختلاف اللهجات له أثره الطبيعي اللازم في الشعر: في أوزانه وتقاطيعه وبحوره وقوافيه بوجه عام، ولسنا نستطيع أن نفهم كيف استقامت أوزان الشعر وبحوره وقوافيه كما دونها الخليل لقبائل العرب كلها على ما كان بينها من تباين اللغات واختلاف اللهجات، وإذا لم يكن نظم القرآن، وهو ليس شعرًا ولا مقيدًا بما يتقيد به الشعر، قد استطاع أن يستقيم في الأداء لهذه القبائل، فكيف استطاع الشعر، وهو مقيد بما نعلم من القيود، أن يستقيم لها؟ وكيف لم تحدث هذه اللهجات المتباينة آثارها في وزن الشعر وتقطيعه الموسيقي، أي كيف لم توجد صلة واضحة بين هذا الاختلاف في اللهجات، وبين الأوزان الشعرية التي كانت تصطنعها القبائل؟ ".
وهو بهذا يريد أن يقول: إن أثر اختلاف اللهجات بين القبائل العربية قد ظهر في قراءات القرآن، فلماذا لم يظهر هذا الأثر في الشعر الجاهلي كذلك؟ إن ظهور أثر هذه الاختلافات بين اللهجات في قراءات القرآن، وعدم ظهورها لا يستحق أن يكون سببًا لإثارة الشبهة والاتهام ضد الأدب الجاهلي.
فالقراءات في القرآن إنما هي في الغالب ترجع إلى كيفية النطق ببعض الحروف والأصوات، فالاختلاف بينها في معظم الحالات راجع إلى كيفية النطق، كالإمالة والمد والقصر والتسكين والإدغام والإخفاء، وما إلى ذلك، كما نص على ذلك الدكتور طه حسين في نصه الذي أوردناه آنفًا. وذلك كان بطبيعة الحال يتلقى بالمشافهة والرواية حتى يستطيع السامع أن يعرف كيفية النطق الصحيح بالقراءة المطلوبة. ولذلك كان من المبادئ المقررة في علوم القرآن أن:"المقرئ هو من علم بالقراءات أداء، ورواها مشافهة، فلو حفظ كتابًا امتنع عليه إقراؤه بما فيه إن لم يشافهه من شوفه به مسلسلا؛ لأن القراءة شيء لا يحكم إلا بالسماع والمشافهة"66. والأدب الجاهلي إنما وصلنا مكتوبًا، ولم يحافظ على الرواية والمشافهة في الانتقال من جيل إلي جيل حتى وصل إلينا بهذه الطريقة، وإنما من وقت تدوينه كتب بلغة واحدة. وإذا كان القرآن الكريم نفسه، وهو النص الكريم المقدس، قد كتب بلغة واحدة منذ زمن عثمان، فهل يتوقع أن يدون الأدب الجاهلي عندما بدأ تدوينه -وذلك كان بعد كتابة القرآن الكريم بزمن طويل- بلهجات العرب جميعًا حتى ولو كانوا فيه مختلفين؟
66 راجع كتاب القراءات واللهجات للأستاذ عبد الوهاب حمودة "النهضة المصرية سنة 1948".
والاختلاف ولا شك كان موجودًا -كما رأينا في قراءات القرآن- في النطق ببعض الحروف والأصوات، فإذا لم يحافظ على تبيين هذا الاختلاف في كتابة القرآن الكريم، فهل يحافظ عليه في تدوين الأدب الجاهلي؟ ونحن الآن نقرأ الأدب الجاهلي، وننطق به وهو مكتوب أمامنا بلغة واحدة، وكل قارئ ينطق ألفاظه حسب عادته وطريقته في الأداء، ومن ثم قد يظهر بين الناطقين به في أقطار العالم العربي اختلاف في نطق بعض الحروف أو الألفاظ أو الأصوات، كل حسب ما تعوده لسانه ونشأ عليه منذ الصغر في بيئته الخاصة، ومثل هذا الاختلاف يصور -في نظري- الاختلاف الذي كان بين القبائل المختلفة في العصر الجاهلي.
أما مسألة الاختلاف في بعض الكلمات واستبدالها بكلمات أخرى في بعض القراءات، فذلك قليل ونادر جدًّا، بل حدث ذلك في كلمات معدودات في القرآن الكريم، وكلها طبعًا كانت بتوقيف من النبي صلى الله عليه وسلم أن القرآن الكريم نزل بها، ونظير ذلك نجد في الأدب الجاهلي، فكثيرًا ما نجد بعض الألفاظ في بيت أو قصيدة تختلف باختلاف الروايات، فلعل ذلك أثر من آثار اختلاف اللهجات، فيجوز أن الشاعر قالها بحسب لهجة قبيلته ثم غيرها كل راوٍ حسب لهجته، أو لعل الشاعر قالها بألفاظ مختلفة ليجمع في نصه ما يستطيع من لهجات، وذلك في نظري خير دليل على إثبات ظهور الاختلاف بين اللهجات القبلية في الأدب القديم، وإن دراسة شعر الهذليين في المجموعة التي بين أيدينا الآن من مجموعات القبائل التي دونها الرواة، تدل دلالة واضحة على كثير من الألفاظ القبلية التي جمعها العلماء والرواة القدماء بقيت لنا إلى اليوم، لاستطعنا أن نقف منها على كثير من الألفاظ القبلية الخاصة، وحينئذ كان يمكن أن تقوم عليها دراسات لغوية مقارنة ممتعة.
وأما مسألة البحور والأوزان الشعرية، فهي ناحية موسيقية، وهذه تخضع للذوق السمعي للإنسان بحكم كونه إنسانًا، ولا يختلف الإنسان الطبيعي في شأن النغمات الجميلة المستحسنة، فهي ولا شك تنال منه ارتياحًا واستحسانًا مهما اختلفت ظروفه أو بيئته كما هو مشاهد بيننا، فالإنسان يطرب لسماع الموسيقى العذبة الشجية الصادرة من أي مكان وعن أي الأجناس من البشر فكلها توافق الذوق الإنساني السليم. ومن ثم كان لكل إنسان أن يحب، ويعشق، ويردد، ويكرر، ويستعمل، ما يشار منها ما دام قد وافق منه قبولًا ونال عنده الاستحسان
والإعجاب، ولا شك أن الذوق السمعي العام في كل مجموعة من البشر قد يألف أو يطرب لنوع خاص من الموسيقى والأنغام، فيجب أن يعشق نوعًا خاصًّا منها، وذلك شيء طبيعي لأنه خاضع للميول والرغبات التي تختلف في الأفراد والمجتمعات. ولكن المشاهد أيضًا، أن الذوق السمعي العام في كل أمة يكاد يكون واحدًا بين الأمة الواحدة، وإن اختلفت طبقاتها، أو تعددت مناطقها، أو كثر أفرادها، فإذا لقيت هذه الأوزان والبحور الشعرية قبولًا عامًّا من القبائل العربية في العصر الجاهلي، فذلك شيء طبيعي؛ لأنهم جميعًا قبائل عربية من أصل واحد، وفي بيئة واحدة، وظروف الحياة والمعيشة تكاد تكون واحدة، على أن البحور والأوزان التي استخرجها الخليل من الشعر القديم كانت متعددة وكثيرة، وكان للشاعر أن يختار منها ما يحلو له، وما يراه أنسب لغرضه، فاختلاف اللهجات -في اعتقادي- ليس له شأن في الأوزان الشعرية، فهذه مسألة موسيقية، وليس هناك ما يمنع أن تتفق هذه اللهجات العربية في كثير من النغمات الموسيقية، فتجمع على استحسانها والإعجاب بها، خصوصًا أن هذه اللهجات عربية، والقبائل من أصل عربي واحد. فيغلب على الظن بل إن الواقع الطبيعي يؤيد أن هذه القبائل كانت متفقة في الذوق السمعي. فاتحدت لديهم البحور والأوزان الشعرية.
وختم الدكتور طه حسين حديثه في موضوع الاختلاق والنحل في الأدب الجاهلي بالكلام عن الشواهد الشعرية التي كان يستعملها العلماء، فقال67: "ونلاحظ أن العلماء قد اتخذوا هذا الشعر الجاهلي مادة للاستشهاد على ألفاظ القرآن والحديث، ونحوهما، ومذاهبهما الكلامية، ومن الغريب أنهم لا يكادون يجدون في ذلك مشقة ولا عسرًا، حتى إنك لتحس كأن هذا الشعر الجاهلي، إنما قد على قد القرآن والحديث، كما يقد الثوب على قد لابسه لا يزيد ولا ينقص عما أراد طولًا وسعة، إذن فنحن نجهر بأن هذا ليس من طبيعة الأشياء وأن هذه الدقة في الموازاة بين القرآن والحديث والشعر الجاهلي لا ينبغي أن تحمل على الاطمئنان إلا الذين رزقوا حظًّا من السذاجة لم يتح لنا مثله. إنما يجب أن تحملنا هذه الدقة في الموازاة على الشك والحيرة، وعلى أن نسأل أنفسنا: أليس يمكن ألا تكون هذه الدقة في الموازاة نتيجة من نتاج المصادفة، إنما هي شيء تكلف وطلب، وأنفق فيه أصحابه بياض
67 في الأدب الجاهلي، ص108.
الأيام وسواد الليالي؟ " ثم يستمر فيقول68: "وهذا النحو من التكلف والنحل للأغراض التعليمية الصرفة كان شائعًا في العصر العباسي، ولا سيما في القرن الثالث والرابع.. ومثل هذا كثير شعرًا ونثرًا وسجعًا، نجده في الأمالي والعقد الفريد وديوان المعاني لأبي هلال، وغيرها من الكتب، وأكاد أعتقد أن هذا النحو من النحل هو أصل المقامات، وما يشبهها من هذا النوع من أنواع الإنشاء".
حقيقة استخدمت كثير من الأبيات والعبارات العربية القديمة للاستدلال بها على تفسير لفظ، أو استخدام كلمة في معنى، أو الاستدلال على قاعدة، في كثير من العلوم، فتساق هذه المأثورات القديمة استشهادًا بها على المراد توضيحه من مثل الأغراض السابقة.
والباحثون والمؤلفون في العلوم العربية والإسلامية حينما يستشهدون لا يقتصرون في استشادهم على أبيات الشعر، إنما كل ما كان يحضرهم، أو يعلمونه، ويرونه مناسبًا لغرضهم كانوا يستشهدون به. والحق يقال: إنهم في كل استشهاد يبدءون بالاستشهاد بالقرآن الكريم ثم الحديث الشريف، ثم مأثور الكلام العربي الفصيح، شعرًا ثم نثرًا، من كلمات الأدباء الموثوق بفصاحتهم وتمكنهم في اللغة العربية الفصحى الخالصة. ومن الطبيعي إذا وجد الباحث أو المؤلف اقتباسات من كل هذه المصادر تصلح شواهد على ما يقول أتى بها، فأكثر من شاهد من أكثر من مصدر، أوضح في الدلالة، وأقوى في البيان والإيضاح، ولكن أولها بطبيعة الحال هو القرآن الكريم ثم الحديث الشريف، ثم الشعر، ثم النثر، وذلك واضح تمام الوضوح في الكتب الدينية مثل: التفسير والحديث والفقه والأصول وعلم الكلام والفلسفة الإسلامية، وفي الكتب العربية الأدبية، وأهمها في الاستشهادات كتب النحو والصرف والبلاغة والمعاجم اللغوية، والمقصود طبعًا من هذه الاستشهادات هو التوضيح وزيادة البيان، وتقرير أن ذلك مستعمل، وشائع ومفهوم الدلالة في اللسان العربي الفصيح. وحينما يستشهد العلماء بالشعر في تفسير القرآن الكريم لا يقصدون من ذلك طبعا الاستدلال على عربية القرآن الكريم وفصاحته بعربية بيت من الشعر وفصاحته، كلا، ما كان هذا أو نحوه مقصودًا، إنما المقصود زيادة إيضاح المعنى، وتقريره في نفس القارئ أو السامع. ثم إن الاستشهاد على ألفاظ القرآن الكريم والحديث الشريف ونحوهما ومذاهبهما الكلامية، لم يقد
68 المصدر السابق، ص110.
عليهما قدًّا، إنما هو مثل يساق لتوضيح جزئية معينة في أحد تعبيرات القرآن ببيان الاستعمال العربي الفصيح لمثل لفظ أو ألفاظ هذه الجزئية المعينة المطلوب توضيحها أو تقريرها.
هذا إلى أن الاستشهاد في كل العلوم على اختلافها إنما يقصد به توضيح المعنى أو القاعدة المطلوب بيانها، بإيراد كلام عربي فصيح. فالاقتباسات أو الاستشهادات التي يؤتى بها لا بد ستكون عربية الألفاظ والاستعمال حتمًا، وهذا بالطبع لا يطعن في أصالة ألفاظ الاستشهادات من ناحية الاستعمال اللغوي، ولا من حيث تصوير اللغة العربية في هذا العصر. فمن يورد هذه الشواهد، لا يستشهد بها إلا إذا كان واثقًا تمام الثقة من أنها كانت مستعملة -بألفاظها ومعانيها المطلوب الاستشهاد بها- في اللسان العربي الفصيح. فهي لا تمس أصالة اللغة العربية الفصحى ومن ثم فهي صالحة لتصوير اللغة الفصحى، تصويرًا تامًّا. غاية ما يقال فيها -إذا كانت مختلفة ومنحولة- أنها لا تصور شخصية الأديب المنسوبة إليه.
ثم إن العلماء والمؤلفين كانوا يبذلون جهودهم بقدر ما يستطيعون ليوردوا شواهدهم منسوبة إلى أصحابها الذين قالوها، ومعظمها منسوب إلى قائلين معينين، والقلة القليلة مجهولة القائل. وقد يكون ذلك بسبب الاعتماد على الذاكرة في حفظ الأدب، ونقله ونشره، وإذاعته، فإذا كثر المحفوظ، أو تشابه بعضه، كان جزء أو أجزاء منه عرضة للنسيان أو الاختلاط أو الاضطراب، أو الضياع.
حقيقة قد تكون بعض هذه الشواهد مختلفة ومنحولة، وقد قال بذلك بعض الباحثين منذ القدم، ولكن ليس من العدل أن نطعن في جميع هذه الاستشهادات، ونرميها بالزيف، ونصفها بأنها تطعن في أصالة الأدب الجاهلي، ولا تصور اللغة العربية في العصر الجاهلي. فالإنصاف يقضي، بأن ما كان منها في قصيدة أو قطعة معينة لشاعر أو أديب معين، وقد تظاهرت الروايات والأخبار الموثوق بها على صحته وأصالته، لا بد أن يقبل، وأن يعد صحيحًا صادقًا، ويصلح لكل ما صلح له النص الكامل الصحيح الصادق، أما ما وضح فيه الاختلاق، أو ما كان مثيرًا للشك والظنة، فيستدعي البحث والتحري حتى تتبين حقيقته، وإن كانت هذه الأنواع كلها صالحة للاستشهاد بها على أنها لغة فصيحة.
وينتقل الحديث بعد ذلك عن أسباب الانتحال، فيحصرها الدكتور طه حسين في كتابه، في: السياسة، والدين، والقصص، والشعوبية، والرواة.
وفي حديثه عن السياسة وتدخلها في اختلاق الأدب ونحله، يتحدث الدكتور عن
الظروف التي لابست الدعوة الإسلامية والدولة الإسلامية فيذكر ما كان من عداوة بين النبي صلى الله عليه وسلم والكفار، وما حدث من عداوة بعد الهجرة بين مكة ومن فيها من قريش، والمدينة ومن فيها من الأنصار، ثم ما حدث بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم من خلاف بين المهاجرين وهم من قريش، والأنصار وهم من الأوس والخزرج، وما حدث من شقاق في خلافة عثمان رضي الله عنه، وما أعقب ذلك من فتنة بين علي رضي الله عنه ومعاوية بن أبي سفيان، وما استمر بعد ذلك من عداوات بين الأمويين والفرق والأحزاب الأخرى.
وهو في أثناء ذلك يذكر ما نتج بسبب هذه الاختلافات والعداوات من تسابق في قول الشعر والنصوص الأدبية فيقول: إن التنافس الذي كان بين قريش والأنصار جعل قريشًا تستكثر من الشعر وبخاصة ذلك النوع الذي يهجى فيه الأنصار، وفي هذا يقول69:"ويستطيع الكاتب في تاريخ الأدب أن يضع سفرًا مستقلًّا فيما كان لهذه العصبية بين قريش والأنصار من التأثير في شعر الفريقين الذي قالوه في الإسلام، وفي الشعر الذي نحله الفريقان شعراءهما في الجاهلية. هذا دون أن يتجاوز المؤرخ السياسي أو الأدبي الخصومة بين قريش والأنصار، فكيف إذا تجاوزها إلى الخصومة بين القبائل الأخرى! ذلك أن العصبية لم تكن مقصورة على أهل مكة والمدينة، ولكنها تجاوزتهم إلى العرب كافة، فتعصبت العدنانية على اليمنية، وتعصبت مضر على بقية عدنان، وتعصبت ربيعة على مضر، وانقسمت مضر على نفسها، فكانت فيها العصبية القيسية، والتميمية، والقرشية، وانقسمت ربيعة، فكانت فيها عصبية تغلب وعصبية بكر، وقل مثل ذلك في اليمن، فقد كان للأزد عصبيتها، ولحمير عصبيتها، ولقضاعة عصبيتها".
ويقول: "وإذا كان هذا تأثير العصبية في الحياة السياسية، قد رأيت طرفًا يسيرًا من تأثيرها في الشعر والشعراء، فأنت تستطيع أن تتصور هذه القبائل العربية في هذا الجهاد السياسي العنيف، تحرص كل واحدة منها على أن يكون قديمها في الجاهلية خير قديم، وعلى أن يكون مجدها في الجاهلية رفيعًا مؤثلًا بعيد العهد. وقد أرادت الظروف أن يضيع الشعر الجاهلي؛ لأن العرب لم تكن تكتب شعرها بعد، وإنما كانت ترويه حفظًا، فلما كان ما كان في الإسلام من حروب الردة، ثم الفتوح، ثم الفتن، قتل من الرواة والحفاظ خلق كثير، ثم
69 في الأدب الجاهلي، صفحة129.
اطمأنت العرب في الأمصار أيام بني أمية، وراجعت شعرها، فإذا قد ضاع أكثره، وإذا أقله قد بقي، وهي بعد في حاجة إلى الشعر تقدمه وقودًا لهذه العصبية المضطرمة، فاستكثرت من الشعر، وقالت منه القصائد الطوال وغير الطوال، ونحلتها شعراءها القدماء".
وينتهي إلى أن يقول: "إن العصبية وما يتصل بها من المنافع السياسية، قد كانت من أهم الأسباب التي حملت العرب على نحل الشعر للجاهليين.. إن مؤرخ الأدب مضطر حين يقرأ الشعر الذي يسمى جاهلياًّ، أن يشك في صحته كلما رأى شيئًا من شأنه تقوية العصبية التي يؤيدها هذا الشعر لدى قبيلة أو عصبية قد لعبت -كما يقولون- دورًا في الحياة السياسية للمسلمين".
وهنا نجد الدكتور طه حسين يخلط السياسة بالعصبية. وحقيقة استغلت السياسة في الفترة التي تحدث عنها العصبية. وكان لهذا أثره في النواحي السياسية والاجتماعية. فكان للعصبية أثر ظاهر في السياسة التي سارت عليها الدولة في العصر الأموي. وفي حديثه الطويل في هذا الفصل، يذكر الأسباب التي كان من شأنها أن جعلت المسلمين يختلفون، ويتعصب كل منهم لفريق، وما نتج عن ذلك من آثار أدبية لدى كل فريق. ويورد بعض الأمثلة التي قالها الشعراء وكلها من الشعر الإسلامي، وليس فيها مثل جاهلي واحد، ويلخص قولًا لمحمد بن سلام في كتابه "طبقات فحول الشعراء" عن رغبة كل فريق من المتخاصمين في التعالي على الآخرين، مما اضطرهم إلى خلق الشعر لتقدمه وقودًا لهذه العصبية.
وهذا الكلام الأخير كلام قاله الأولون، وأثبت التاريخ اشتعال العصبية من جديد بين المسلمين بعد أن كانت الدعوة الإسلامية أخمدتها، وقال بسببها الأدباء نصوصًا أدبية كثيرة. ونحن نعلم أن العصبية كانت سائدة بين العرب في الجاهلية، وكانت لهذا من أهم الأسباب التي دعت الشعراء والأدباء إلى قول الشعر والأدب في العصر الجاهلي، فنكاد لا نجد قصيدة واحدة. وبخاصة الطوال منها، تخلو من عصبية جاهلية. ولهذا كان معظم الشعر الجاهلي يفيض بهذه النغمة إذ إنها كانت الملهم الأول للشعراء والمثير الأقوى لعواطفهم، فإذا نحن أخذنا نشك في كل نص أدبي جاهلي فيه عصبية جاهلية، كان معناه الشك في معظم نصوص الأدب الجاهلي لشيوع العصبية فيه. إنما الذي يقتضيه الإنصاف هنا أن نأخذ في الاعتبار دراسة الثقات من العلماء والنقاد والرواة السابقين، فما ارتضوه وقبلوه على أنه أصيل، فليس لنا أن نشك فيه أو نتهمه، ما لم يقم الدليل الثابت القاطع بخلافه، وأنى لنا ذلك!.
وفي حديثه عن الدين ونحل الشعر يذكر أن الظروف المختلفة التي أحاطت بالحياة الدينية للعرب بخاصة وللمسلمين بعامة دعت إلى نحل الشعر، فيقول70:"كان هذا النحل في بعض أطواره يقصد به إلى إثبات صحة النبوة وصدق النبي، وكان هذا النوع موجهًا إلى عامة الناس: وأنت تستطيع أن تحمل على هذا كل ما يروى من هذا الشعر الذي قيل في الجاهلية ممهدًا لبعثة النبي صلى الله عليه وسلم، وكان ما يتصل بها من هذه الأخبار والأساطير التي تروى لتقنع العامة بأن علماء العرب وكهانهم وأحبار اليهود ورهبان النصارى، كانوا ينتظرون بعثة نبي يخرج من قريش أو مكة. وفي سيرة ابن هشام وغيرها من كتب التاريخ والسير، ضروب كثيرة من هذا النوع. وأنت تستطيع أن تحمل على هذا لونًا آخر من الشعر المنحول لم يضف إلى الجاهليين من عرب الإنس، وإنما أضيف إلى الجاهليين من عرب الجن". ويقول معللًا هذه الظاهرة71: "والغرض من هذا النحل -فيما نرجح- إنما هو إرضاء حاجات العامة الذين يريدون المعجزة في كل شيء.
ويقول: "القرآن يحدثنا بأن اليهود والنصارى يجدون النبي مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل. وإذن فيجب أن نخترع القصص والأساطير وما يتصل بها من الشعر، ليثبت أن المخلصين من الأحبار والرهبان كانوا يتوقعون بعثة النبي، ويدعون الناس إلى الإيمان به حتى قبل أن يظل الناس زمانه".
ويستمر فيقول: "ونوع آخر من تأثير الدين في نحل الشعر وإضافته إلى الجاهليين، وهو ما يتصل بتعظيم شأن النبي من ناحية أسرته ونسبه إلى قريش".
ويقول72: "ونحو آخر من تأثير الدين في نحل الشعر، وهو الذي يلجأ إليه القصاص لتفسير ما يجدونه مكتوبًا في القرآن من أخبار الأمم القديمة البائدة كعاد وثمود ومن إليهم: فالرواة يضيفون إليهم شعرًا كثيرًا. وقد كفانا ابن سلام نقده وتحليله حين جد في طبقات الشعراء إثبات أن هذا الشعر وما يشبهه مما يضاف إلى تبع وحمير موضوع منحول، وضعه ابن إسحاق ومن إليه من أصحاب القصص. وابن إسحاق ومن إليه من أصحاب القصص، لا يكتفون بالشعر يضيفونه إلى عاد وثمود وتبع وحمير، وإنما هم يضيفون الشعر إلى آدم
70 في الأدب الجاهلي، ص133.
71 المرجع السابق، ص135.
72 المرجع السابق، ص138.
نفسه، فهم يزعمون أنه رثى هابيل حينما قتله أخوه قابيل".
ويتابع حديثه فيذكر أن من تأثير الدين في نحل الشعر ما كان يشعر بالحاجة إلى علماء العرب والموالي في إثبات أن القرآن عربي مطابق في ألفاظه للغة العرب: "فحرصوا على أن يستشهدوا على أن كل كلمة من كلمات القرآن عربية لا سبيل إلى الشك في عربيتها". ويعقب على ذلك بأنه يعتقد أنه "إذا كان هناك نص عربي لا تقبل لغته شكًّا ولا ريبًا وهو لذلك أوثق مصدر للغة العربية، فهو القرآن، وبنصوص القرآن وألفاظه يجب أن يستشهد على صحة ما يسمونه الشعر الجاهلي، بدل أن نستشهد بهذا الشعر على نصوص القرآن".
ويستمر فيذكر أن الخصومات التي حدثت بين العلماء وأصحاب التأويل على فهم القرآن وتأويل نصوصه، "كان له تأثير غير قليل في مكانة العالم وشهرته، ورأي الناس فيه، وثقة الأمراء والخلفاء بعلمه، ومن هنا كان العلماء حراصًا على أن يظهروا دائمًا بمظهر المنتصرين في خصوماتهم، الموفقين للحق والصواب فيما يذهبون إليه من رأي، وأي شيء يتيح لهم هذا إلا الاستشهاد بما قالته العرب قبل نزول القرآن؟ وقد كثر استغلالهم لهذا الاستشهاد فاستشهدوا بشعر الجاهليين على كل شيء. وأصبحت قراءة الكتب الأدبية واللغوية وكتب التفسير والمقالات تترك في نفسك أثرًا قويًّا، وصورة غريبة لهذا الشعر الجاهلي، حتى ليخيل إليك أن أحد هؤلاء العلماء، على اختلاف ما كان ينظر فيه من فروع العلم، لم يكن عليه إلا أن يمد يده إذا احتاج، فيظفر بما شاء الله من كلام العرب قبل الإسلام، كأن كلام العرب قبل الإسلام قد وعى كل شيء، وأحصى كل شيء
…
فالمعتزلة يثبتون مذاهبهم بشعر العرب الجاهليين، وغير المعتزلة من أصحاب المقالات ينقضون آراء المعتزلة معتمدين على شعر الجاهليين".
ثم يتطرق إلى جانب آخر من جوانب الناحية الدينية، فيقول 73: "وشاعت في العرب أثناء ظهور الإسلام وبعده فكرة أن الإسلام يجدد دين إبراهيم، ومن هنا أخذوا يعتقدون أن دين إبراهيم هذا قد كان دين العرب في عصر من العصور، ثم أعرضت عنه لما أضلها المضلون، وانصرفت إلى عبادة الأوثان. ولم يحتفظ بدين إبراهيم إلا أفراد قليلون يظهرون من حين إلى حين، وهؤلاء الأفراد يتحدثون، فنجد من أحاديثهم ما يشبه الإسلام. وتأويل ذلك
73 المرجع السابق ص141.
يسير، أتباع إبراهيم، ودين إبراهيم هو الإسلام، وتفسير هذا من الوجهة العلمية يسير أيضًا، فأحاديث هؤلاء الناس قد وضعت لهم وحملت عليهم حملًا بعد الإسلام، لا لشيء إلا ليثبت أن للإسلام في بلاد العرب قدمة سابقة، وعلى هذا النحو تستطيع أن تحمل كل ما تجده من هذه الأخبار والأشعار والأحاديث التي تضاف إلى الجاهليين، والتي يظهر بينها وبين ما في القرآن والحديث شبه قوي أو ضعيف".
ولهذا يقول74: "ونحن نعتقد أن هذا الشعر الذي يضاف إلى أمية بن أبي الصلت وإلى غيره من المتحنفين الذين عاصروا النبي صلى الله عليه وسلم أو جاءوا قبله، إنما نحل نحلًا، نحله المسلمون ليثبتوا -كما قدمنا- أن للإسلام قدمة سابقة في البلاد العربية. ومن هنا لا نستطيع أن نقبل ما يضاف إلى هؤلاء الشعراء، والمتحنفين إلا مع شيء من الاحتياط والشك غير قليل".
وينتقل إلى آخر نقطة في الناحية الدينية؛ وهي اليهودية والنصرانية وصلتهما بنحل الشعر، ويدعي أن هاتين الديانتين كانتا منتشرتين في بلاد العرب، ثم يقول75:"مهما يكن من شيء فليس من المعقول أن ينشر هذان الدينان في البلاد العربية دون أن يكون لهما أثر ظاهر في الشعر العربي قبل الإسلام، وقد رأيت أن العصبية العربية حملت العرب على أن ينحلوا الشعر ويضيفوه إلى عشائرهم في الجاهلية بعد أن ضاع شعر هذه العشائر، فالأمر كذلك في اليهود والنصارى: تعصبوا لأسلافهم من الجاهليين، وأبوا إلا أن يكون لهم شعر كشعر غيرهم من الوثنيين وأبوا إلا أن يكون لهم مجد وسؤدد أيضًا، فنحلوا كما نحل غيرهم، ونظموا شعرًا أضافوه إلى السموءل بن عادياء، وإلى عدي بن زيد وغيرهما من شعراء اليهود والنصارى".
وظاهر هنا أن الدكتور طه حسين أثار تحت هذه الناحية كثيرًا من المسائل، يعتقد أن ما قيل فيها من الشعر منحول، وهي: ما قيل من الشعر إرهاصًا لبعثة النبي صلى الله عليه وسلم، وما أضيف إلى الجن، وما ينسب إلى الأمم البائدة عند تفسير الآيات التي تتحدث عنهم، وما يستشهد به على تفسير القرآن ومعاني ألفاظه، وما يورده علماء اللغة والدين من
74 المرجع السابق ص145.
75 المرجع السابق ص146.
استشهادات لإثبات سعة علمهم وتأييد آرائهم، وما ينسب إلى من سموا بالموحدين، وما يضاف إلى شعراء اليهود والنصارى.
ولا شك أن فيما ذكره عن هذه المسائل شيئًا من الشعر والنصوص الأدبية قيل بعد الإسلام ونسب إلى أدباء جاهليين، وقد فطن إلى ذلك العلماء والنقاد والقدماء، ونصوا على نحل بعض الآثار الأدبية التي تتصل بهذه المسائل، وقد رأينا فيما اقتبسناه من ابن سلام والرافعي ما يثبت ذلك.
ومن الردود على مسألة النصوص الأدبية التي وردت ممهدة لبعثة النبي صلى الله عليه وسلم، قول الأستاذ محمد الخضر حسين76:"أما الذين يعتقدون بأن نبوة أفضل الخلق حق، فمن الجائز عندهم أن يسبقها شعر أو خبر يتصل بها، وشأنهم أن يفحصوا ما يرد في هذا الصدد، ويضعوه بمنزلته من الوضع أو الضعف أو الصحة، وكذلك فعل علماء الإسلام فحكموا على جانب مما كان من هذا القبيل بالوضع كالأخبار والأشعار المعزوة إلى قس بن ساعدة".
والمعروف دائمًا أن الثورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية تحدث عقب تدهور وفوضى وفساد. فسوء الحال في أية ناحية من نواحي الحياة يدفع المفكرين وذوي الفطنة، وأصحاب المواهب إلى البحث عن وسائل الإصلاح، فيضرعون إلى الله أن يلهمهم الصواب، ويفكرون، ويتعمقون في التفكير، فإذا ما هداهم الله سبيل الرشاد، وأنار لهم الطريق، قضوا على الفوضى، وأصلحوا الفاسد، وقوموا المعوج. فتزول الغمة وتستقيم الأمور.
وإذا كان الحال كذلك في نواحي الحياة العملية فلماذا لا يكون ذلك في النواحي الروحية؟ لماذا لا يحدث ذلك في الناحية الدينية، حينما تنتشر فيها الفوضى، ويعم الفساد، ويسود الجهل، ويضل الإنسان الطريق الصحيح إلى الدين القديم؟ إن السنة الطبيعية للإنسان والحياة تؤكد أنه في أثناء الأزمات، وفي أحرج الأوقات توجد في المجتمعات عقول منيرة، وأفكار وضاءة ترسل أشعتها وسط الظلمات، وتتلمس المنافذ إلى آفاق الطمأنينة والاستقرار. وقد رأينا ما كانت عليه الحال من سوء وفساد بين العرب الجاهليين في شتى نواحي الحياة وبخاصة في الدين، فكانوا في الحقيقة يعيشون في فوضى سياسية واجتماعية ودينية؛ أمن
76 نقض كتاب في الشعر الجاهلي ص188.
معدوم، وخطر يتهدد النفوس، وظلم واعتداء، وسلب ونهب، وضلال ديني، وفوضى ضاربة أطنابها في كل شيء: فساد وظلام، وزعزعة واضطراب. ومن الطبيعي حينئذ أن يكون من بين أبنائهم من كانت فيهم بصيرة نافذة، وعقول مفكرة، فرأوا ذلك وأحسوه، فاتجهوا بنفوسهم نحو التفكير السليم، والطريق الصحيحة، يتلمسون النور، ويرجون الحق والصواب، وربما كان من هؤلاء من رزقوا الموهبة الفنية الأدبية، فصوروا مشاعرهم، وخلجات نفوسهم في صورة من يرى النور، ويحدوه الأمل، وينتظر تحقيق الرجاء فكان ذلك إرهاص الخير، وبشير الاطمئنان.
لذلك لا نستبعد أن في الجاهلية، وبخاصة تلك الفترة التي سبقت بعثة النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة، قد وجد بين القوم من صفت نفوسهم، وسما تفكيرهم، فوصلوا بتأملاتهم الدينية إلى شيء من الحقيقة في الدين، وتمنوا أن يتحقق لهم الأمل، وتتضح الحقيقة كاملة جلية. ويقول ابن سلام:"وكان أمية "يعنى ابن أبي الصلت" كثير العجائب، يذكر في شعره خلق السموات والأرض، ويذكر الملائكة، ويذكر من ذلك ما لم يذكره أحد من الشعراء، وكان قد شام أهل الكتاب". ثم يقول ابن سلام: "فحدث سفيان وابن دأب، أن أمية مر بزيد بن عمر بن نفيل أخي عدي بن كعب، وكان قد طلب الدين في الجاهلية هو وورقة بن نوفل، فقال أمية: يا باغي الخير، هل وجدت؟ قال: لا"77.
وأما ما ينسب إلى الجن من أشعار، فقد قال عنه الأستاذ محمد لطفى جمعة78: "والحقيقة أن عرب الجاهلية كانوا يعتقدون بالجن ونظموا شعرًا جاهليًّا عن علاقة الجن بالشعر والشعراء
…
ولم تكن أمة سامية أو آرية تخلو من الاعتقاد بالجن، أو الأرواح الخيرة والشريرة". ويقول: "نقرأ الكثير عن الشعر المروي عن الجن والأنس، ولم يخطر ببالنا يومًا، أن المقصود أن الجن قالته حقًّا وصدقًا، وأنها تنشر باللغة العربية والأوزان العربية شعرًا عربيًّا في أمور دينية أو سياسية، ولكنا لو قرأنا، وأدركنا، نعلم أن هذا الشعر يتضمن فكرة الشاعر المعلوم أو المجهول الذي نظمه، ولم ينسبه لنفسه، وأن الجن ليست إلا وسيلة لروايته، كما فعل شعراء الإفرنج، مثل غوته، وشكسبير، ودانتي، وميلتون، فقد أنطقوا الجن في دواوينهم بالشعر والنثر، وزاد دانتى وميلتون بالخوض في وصف الجنة والجحيم، ورويا لنا من شعر
77 طبقات الشعراء، ص66.
78 الشهاب الراصد، ص259-212.
الملائكة والأبالسة ما لم يخطر على قلب البشر، فهل صدقنا أن الملائكة والشياطين والجن قالت هذا الشعر حقًّا؟ وهل يؤمن المؤلف بشاعرية الجن.. بل نعد الشعر الذي نسب إلى الجن في مقتل سعد بن عبادة ورثاء عمر بن الخطاب من النوع التمثيلي الفطري الذي لم تتضح مواهب العرب في بابه؛ لأنهم وإن نظموا شعرًا تمثيليًّا، فإن خيالهم اتجه نحو هذا النوع من الأدب، وقد ألف اليونان قطعًا تمثيلية قوامها شخصيات خيالية أمثال ديونيس وجوبتر وباكوس وبروموتيه"، ويقول: "إن الشعر الذي تزعم الأعراب أنه للجن، والأخبار التي عقدوها لها، وتناقلها عنهم الرواة، إنما هو من قبيل الخيال الشعري". ويعلل بعض الباحثين الشعر الذي ينسبه الأعراب إلى الجن، بأن ذلك من أثر الفلاة والخلاء والوحشة والبعد عن الإنس، فأخبار الجن لا تعرف إلا عن رجل من الرواة الذين يقصون للعامة وأشياء العامة. ثم إن "شياطين الشعراء" فكرة، بل عقيدة راسخة عند العرب منذ القدم.
وأما ما ينسب إلى عبد المطلب وهاشم وعبد مناف وقصي من أخبار، فيجوز أن يكون ذلك مما نسب إلى قريش أنها افتعلته فيما بعد، وأما المثال الشعري الذي أورده الدكتور طه حسين79 ليدلل على نحل الشعر الجاهلي في قريش، فهو شعر إسلامي إذ ينسب إلى قائل قاله بعد ظهور الإسلام، ثم إن النقاد عرفوه ونبهوا عنه.
وأما ما يذكره عن الشعر المنسوب إلى الأمم البائدة، فقد نبه عليه القدماء، وبينوا وجه انتحاله، واعترف الدكتور طه بأن ابن سلام كفاه ذلك "حين جد في طبقات الشعراء في إثبات أن هذا الشعر وما يشبهه مما يضاف إلى تبع وحمير.. وعاد، وثمود، منحول وضعه ابن إسحاق ومن إليه من أصحاب القصص".
وأما عن الشعر الذي يساق الاستشهاد به في التفسير، وبين علماء التأويل، فقد سبق أن وضحنا القول في هذا الشأن.
وأما ما ينسب إلى الموحدين من نصوص شعرية، فيجوز أن يكون ذلك من خلجات ذوي النفوس الشفافة الذين أشرنا إليهم سابقًا، ممن يرون بصيص النور في دياجير الظلام، فاهتدوا إلى شيء من الصواب، وجاء ما اهتدوا إليه موافقًا للحق والرشاد.
وما قيل عن أدباء اليهود والنصارى وما نسب إليهم من أدب منحول، فشأنهم في ذلك
79 في الأدب الجاهلي، ص137.
شأن غيرهم من الأدباء المسلمين وغيرهم من الطوائف الأخرى، ينطبق عليهم جميعًا المبدأ العام وهو دراسة آثارهم، ومعرفة آراء الثقات من العلماء والنقاد والباحثين السابقين في ذلك فما كان من نصوصهم موضع ثقة هؤلاء، كان موضع قبول واحترام، ما لم تكن هناك براهين قاطعة على خلاف ذلك.
وفي أثر القصص في انتحال الأدب، يقول الأستاذ مصطفى صادق الرافعي80:"فلما كثر القصاصون وأهل الأخبار اضطروا من أجل ذلك أن يصطنعوا الشعر لما يلفقونه من الأساطير حتى يوائموا بين رقعتي الكلام، وليحدروا تلك الأساطير من أقرب طريق إلى أفئدة العوام، فوضعوا الشعر على آدم فمن دونه من الأنبياء وأولادهم وأقوامهم، وأول من أفرط في ذلك محمد بن إسحاق".
وفي هذا الموضوع يتحدث الدكتور حسين عن أهمية القصص عند العرب، ثم يقول81:"وأنت تعلم أن القصص العربي لا قيمة له ولا خطر في نفس سامعيه إذا لم يزينه الشعر.. وإذن فقد كان القصاص أيام بني أمية وبني العباس في حاجة إلى مقادير لا حد لها من الشعر، يزينون بها قصصهم ويدعمون بها مواقفهم المختلفة فيه. وهم قد وجدوا من هذا الشعر ما كانوا يشتهون وفوق ما يشتهون".
ويتحدث عن فطنة العلماء والنقاد لهذه المسألة، فيقول82:"كثر هذا الشعر الذي احتاج إليه القصاص لتزدان به قصصهم من ناحية، وليسيغها القراء والسامعون من ناحية أخرى.. وفطن بعض العلماء إلى ما في هذا الشعر من تكلف حينًا، ومن سخف وإسفاف حينًا آخر، وفطن إلى أن بعض هذا الشعر يستحيل أن يكون قد صدر عن الذين ينسب إليهم. ومن هؤلاء محمد بن سلام الذي أنكر -كما رأيت- ما يضيفه ابن إسحاق إلى عاد وثمود وحمير وتبع، وأنكر كثيرًا مما رواه ابن إسحاق في السيرة من شعر الرجال والنساء سواء منهم من عرف بالشعر، أو لم يقل شعرًا قط، وآخرون غير ابن سلام أنكروا ما روى ابن إسحاق وأصحابه القصاصون، نذكر منهم ابن هشام".
ومن هذا الجانب ينكر الدكتور طه كل شعر يضاف إلى جذيمة الأبرش، وزهير بن
80 تاريخ آداب العرب جـ1 ص375.
81 في الأدب الجاهلي، ص151.
82 المصدر السابق، ص154.
جناب، ومالك وسعد ابني زيد مناة بن تميم، وأعصر بن سعد بن قيس عيلان. ويقول83:"فليس لهذا كله إلا أصل واحد، وهو تفسير طائفة من الأمثال، ذكرت فيها أسماء هؤلاء الناس كلهم أو بعضهم، كقولهم: "لا يطاع لقصير أمر" وقولهم: "لأمر ما جدع قصير أنفه"، وقولهم: "شب عمرو عن الطوق"، أو ذكر فيها ما يتصل بهؤلاء الناس في هذه القصص التي كانت شائعة عند هؤلاء الأخلاط من سكان العراق والجزيرة والشام، وما يتصل بها من بوادي العرب، كفرس جذيمة التي كانت تسمى "العصا"، والبرج الذي بناه قصير على العصا بعد أن نفقت، وكان يسمى "برج العصا"، ودم جذيمة الذي جمعته الزباء في طست من الذهب، وجمال عمرو بن عدي التي احتال قصير في إدخالها تدمر، وعليها الرجال في الغرائر".
ويدخل الدكتور طه حسين في هذا النوع أخبار المعمرين، كالمستوغر بن ربيعة بن سعد، ودريد بن زيد بن نهد.
ثم يتحدث عن أيام العرب، فيقول 84:"والرواة أشد انخداعًا حين يتصل الأمر بالبادية اتصالًا شديدًا، وذلك في هذه الأخبار التي يسمونها "أيام العرب"، أو "أيام الناس" فهم قد سمعوا بعض هذه الأخبار من الأعراب، ثم رأوها تقص مفصلة مطولة، فقبلوا ما كان يروى منها على أنه جد من الأمر، ورووه، وفسروه وفسروا به الشعر، واستخلصوا منه تاريخ العرب، مع أن الأمر فيه لا يتجاوز ما قدمناه. فليست هذه الأخبار إلا المظهر القصصي لهذه الحياة العربية القديمة، ذكره العرب بعد أن استقروا في الأمصار، فزادوا فيه، ونموه، وزينوه بالشعر؛ كما ذكر اليونان قديمهم فأنشئوا فيه "الإلياذة" و"الأوديسا" وغيرهما من قصائد الشعر القصصي التي لم يكن يبلغها الإحصاء. فحرب البسوس، وحرب داحس والغبراء، وحرب الفجار، وهذه "الأيام" الكثيرة التي وضعت فيها الكتب ونظم فيها الشعر، ليست في حقيقة الأمر -إن استقامت نظريتنا- إلا توسيعًا وتنمية لأساطير وذكريات كان العرب يتحدثون بها بعد الإسلام". ثم ينتهي إلى أن يقول 85:
83 المصدر السابق، ص157.
84 المرجع السابق، ص158.
85 في الأدب الجاهلي، ص159.
ومن هنا نستطيع أن نقول مطمئنين: إن مؤرخ الآداب العربية خليق أن يقف موقف الشك -إن لم يقف موقف الإنكار الصريح- أمام هذا الشعر الذي يضاف إلى الجاهليين؛ والذي هو في الحقيقة تفسير أو تزيين لقصة من القصص، أو توضيح لاسم من الأسماء، أو شرح لمثل من الأمثال".
ثم يسمي ما يندرج تحت هذا، فيقول:"كل ما يروى عن عاد وثمود وطسم وجديس وجرهم والعماليق موضوع لا أصل له، وما يروى عن تبع وحمير وشعراء اليمن في العصور القديمة وأخبار الكهان، وما يتصل بسيل العرم وتفرق العرب بعده موضوع لا أصل له، وكل ما يروى عن أيام العرب وحروبها وخصوماتها وما يتصل بذلك من الشعر، خليق أن يكون موضوعًا، والكثرة المطلقة منه موضوعة من غير شك، وكل ما يروى من هذه الأخبار والأشعار التي تتصل بما كان بين العرب والأمم الأجنبية من العلاقات قبل الإسلام كعلاقاتهم بالفرس واليهود والحبشة، خليق أن يكون موضوعًا، وكثرته المطلقة موضوعة من غير شك". وظاهر من هذا أن الدكتور طه حسين يذكر كثيرًا مما قاله السابقون، ويعترف بأن العلماء والنقاد كانت لديهم فطنة يستطيعون بها أن يميزوا بين الأصيل والدخيل، فقبلوا الأول، ورموا الثاني بالصنعة والزيف.
ولكن الأسماء التي ذكرها أسماء تاريخية، تحدثت عنها كتب التاريخ والأدب، وبعضهم لعب في حياته دورًا هامًّا لفت الأنظار إليه. ثم إن الأمثال العربية لها أصل حتمًا، فالمثل يضرب، لتشبيه الحالة التي يقال فيها، بالحال التي قيل بسببها، غير أن الأسماء السحيقة القدم، مثل أعصر بن قيس عيلان من المستبعد حقًّا -كما يقول الدكتور طه- أن يكون لسانهم الأدبي، هو اللغة الفصحى التي ورد بها الأدب الجاهلي الذي لا يتعدى أقدم نص فيه مدة قرنين قبل الإسلام.
أما الأمم التي بادت، ولم يرد ذكرها إلا في الكتب السماوية، فواضح جدًّا أنهم لم يقولوا هذا الشعر الذي ينسب إليهم، وأن الذين قالوه ونسبوه إليهم، إنما فعلوا ذلك، تصويرًا لحالهم، ونطقًا بلسانهم، كي تتضح قصصهم، وتكون أكثر قبولًا لدى السامعين.
وأما أيام العرب، فهي حقيقة، حدثت بينهم وأثرت في حياتهم، وتحدثوا عنها في الجاهلية، فأثارت مشاعر القوم، وحركت عواطف الشعراء، فقالوا فيها أروع قصائدهم، وأجمل نصوصهم الأدبية، وكان النصر فيها مجال فخرهم، والهزيمة فيها عار لا يمحى إلا بنصر
مؤزر، وكان الحديث عنها مادة شعرهم، ومجال سمرهم، وليست قصصها، وما فيها من أشعار، أساطير وذكريات كان العرب يتحدثون بها بعد الإسلام، فطبيعة الحياة تأبى ذلك؛ فالبيئة التي كان يعيش فيها الجاهليون سببت لهم حروبًا وغارات كثيرة خاضوا غمارها، والحرب دائمًا تقصد القتل والإهلاك، وما أشد مثل هذه الظاهرة إثارة لمشاعر الناس وعواطف الأدباء، ولهذا عد النقاد الحرب أعظم مثير للموهبة الشعرية، فبسببها يكثر الشعر، وتنحل عقدة اللسان. ومن ثم فالطبيعة الإنسانية تأبى إلا تصوير الحرب بما يحرك المشاعر ويثير الوجدان، وذلك هو الأدب.
فالذي لا شك فيه أن الجاهليين قالوا في حروبهم نصوصًا أدبية، شعرًا ونثرًا، بما يصورها تصويرًا عاطفيًّا مثيرًا، ومن غير المعقول أن يظل العرب صامتين إلى أن تصبح هذه الحروب ذكريات عند ذرياتهم وأجيالهم المتأخرة، وهل يجوز أن تثير ذكريات الحرب مشاعر الأبناء، ولا تثير الحرب نفسها مشاعر الآباء؟
حقيقة قد تكون قصص الأيام دخلها شيء من المبالغات، أو الزيادة، بحكم مرور الزمن، وتعاقب الأجيال. ولكن مما لا شك فيه، أن الرواة الذين خصصوا أنفسهم للأخبار، من أمثال أبي عبيدة معمر بن المثنى قد بذلوا مجهودًا عظيمًا في استكشاف الحقائق، وتنقيتها من الشوائب، وشرح النقائض لأبي عبيدة خير شاهد على ذلك.
وهنا يثير الدكتور طه حسين موضوع اتصال العرب بغيرهم من الأمم الأخرى بطريقة تناقض إثارته لهذا الموضوع نفسه من قبل، فقد سبق أن طعن في الأدب الجاهلي، ورماه بالزيف والتزوير، لأنه لم يصور العلاقات الخارجية للعرب، ولكنه هنا يطعن في الأدب الجاهلي، ويرميه بالصنعة والاختلاق لأن فيه نصوصًا تتصل بما كان بين العرب والأمم القديمة من العلاقات قبل الإسلام كعلاقاتهم بالفرس واليهود والحبشة، ألا يبدو ذلك مثيرًا للعجب أيضًا؟ إن لم يوجد نص في هذه العلاقات، فالأدب كله عيوب ونقائص ولا يصلح لشيء فهو كاذب، وإن وجدت هذه النصوص فهي مختلقة ومزيفة، لأنها لم تأت إلا لتفسير خبر أو تزيين قصة، وليست حقيقة لمن تنسب إليهم!!!
فالحقيقة أن صلة العرب الجاهليين بالأمم الأخرى لا شك فيها، وتردد صداها في الأدب الجاهلي وظهر أثرها واضحًا في اللغة العربية وأدبها؛ لذلك ينبغي أن نطمئن إلى ما قيل في أيام العرب من نصوص أدبية، قبلها الثقات؛ أمثال أبي عبيدة معمر بن المثنى، وأبي عمرو بن
العلاء، والمفضل الضبي، والأصمعي، وغيرهم ممن اشتهروا بالتدقيق والتمحيص.
وعن الشعوبية وصلتها بنحل الشعر، تحدث الدكتور طه حسين عن نشأة الشعوبية بعد دخول الموالي في الإسلام، وموقفهم من الأحزاب السياسية منذ قيام الدولة الأموية، واستغلالهم الخصومات السياسية التي كانت بين هذه الأحزاب ليعيشوا من جهة، وليخرجوا من الرق، أو من حياة الولاء إلى حياة تشبه حياة الأحرار والسادة من جهة أخرى، ثم ليشفوا ما في صدورهم من غل، وينفسوا عن أنفسهم ما كانوا يضمرون من ضغينة للعرب من جهة ثالثة86؛ ثم ضرب أمثلة من حقد الموالي المغلوبين، على العرب الغالبين، وأعقب ذلك بأن الشاعر من الموالي كان يكفيه، عندما يحاول الافتخار، أن يثبت أن العرب أنفسهم كانوا قبل أن يتيح لهم الإسلام هذا التغلب يعترفون بفضل الفرس وتقدمهم، ويقولون في ذلك الشعر يتقربون به إليهم، ويبتغون به المثوبة عندهم، ولا سيما إذا كانت الحوادث التاريخية والأساطير تعين على ذلك وتدني منه87: ويضرب أمثلة على سلطان الفرس قبل الإسلام بسيطرتهم على العراق، واحتلالهم اليمن بعد إخراجهم الحبشة منها، وما كان بين العرب والفرس من وقائع، وتبعية ملوك الحيرة لهم.
ويرتب على ذلك أن الموالي أنطقوا العرب بكثير من نثر الكلام وشعره، فيه مدح للفرس وثناء عليهم، وتقرب منهم، وهم زعموا أن الأعشى زار كسرى ومدحه وظفر بجوائزه، وهم أضافوا إلى عدي بن زيد ولقيط بن يعمر وغيرهما عن أياد والعباد كثيرًا من الشعر، فيه الإشادة بملوك الفرس وسلطانهم وجيوشهم، وهم أنطقوا شاعرًا من شعراء الطائف بأبيات رواها الثقات من الرواة على أنها صحيحة لا شك فيها، وهي أبيات تضاف إلى أبي الصلت بن ربيعة، وهو أبو أمية بن أبي الصلت المعروف.
ويتحدث عن الشعوبية عند العرب، فيقول88: "فكان العرب مضطرين إلى أن يجيبوا بلون من النحل يشبه هذا اللون، فيه تغليب للعرب على الفرس، وفيه إثبات لأن ملك الفرس في الجاهلية وتسلطهم على العرب لم يكن من شأنه أن يذل هؤلاء أو يقدم عليهم أولئك. ومن هنا مواقف هذه الوفود التي تتحدث أمام كسرى بمحامد العرب وعزتها ومنعتها
86 في الأدب الجاهلي، ص161.
87 المصدر السابق، ص183.
88 المرجع السابق، ص16.
وإبائها للضيم، ومن هنا هذه المواقف التي تضاف إلى ملوك الحيرة، والتي تظهر الملوك أحيانًا عصاة مناهضين للملك الأعظم، ثم من هنا هذه الأيام والوقائع التي كانت للعرب على الفرس كيوم ذي قار".
ويستمر في الحديث عن الشعوبية، فيقول:"إنها في العصر العباسي تطورت إلى شعوبية عملية، كل من الفريقين يحاول أن يثبت لنفسه تقدمًا، وقدمًا راسخة في العلم والأدب، ويحط من شأن الآخر في هذا الميدان، وألفوا في ذلك كتبًا؛ ومن كتب الشعوبية ضد العرب كتاب "مثالب العرب" لأبي عبيدة معمر بن المثنى، وهو كتاب لا نعرف الآن إلا اسمه، ويقول89: "وأما غير أبي عبيدة من علماء الموالي ومتكلميهم وفلاسفتهم فقد كانوا يمضون في ازدراء العرب إلى غير حد، ينالونهم في حروبهم، وينالونهم في شعرهم، وينالونهم في خطاباتهم، وينالونهم في دينهم أيضًا، فليست الزندقة إلا مظهرًا من مظاهر الشعوبية، وليس تفضيل النار على الطين، وإبليس على آدم، إلا مظهرًا من مظاهر الشعوبية الفارسية التي كانت تفضل المجوسية على النار".
ويقول90: "وأنت تجد في "البيان والتبيين" كلامًا كثيرًا تستبين منه إلى أي حد كان الفرس يعجبون بآثار الأمم الأعجمية، ويقدمونها على آثار العرب، فهم يعجبون بخطب الفرس وسياستهم، وعلم الهند وحكمتها، ومنطق اليونان وفلسفتهم، وهم ينكرون على العرب أن يكون لهم شيء يقارب هذا، والجاحظ ينفق ما يملك من قوة ليثبت أن العرب يستطيعون أن ينهضوا لكل هذه المفاخر الأعجمية وأن يأتوا بخير منها". ويقول: "ولعل أصدق مثال لهذه الخصومة العنيفة بين علماء العرب والموالي هذا الكتاب الذي كتبه الجاحظ في البيان والتبيين، وهو "كتاب العصا".. يثبت فيه أن العرب أخطب من العجم، وأن اتخاذ الخطيب العصا لا يغض من فنه الخطابي. أليست العصا محمودة في القرآن والسنة وفي التوراة وفي أحاديث القدماء؟ ".
ثم يقول91: "والذي يعنينا من هذا كله هو أن نلاحظ أن الجاحظ وأمثاله من الذين كانوا يعنون بالرد على الشعوبية، مهما يكن علمهم ومهما تكن روايتهم، لم يستطيعوا أن
89 المرجع السابق، ص164.
90 في الأدب الجاهلي، ص166.
91 في الأدب الجاهلي، ص167.
يعصموا أنفسهم من هذا النحل الذي كانوا يضطرون إليه اضطرارًا ليسكتوا خصومهم من الشعوبية، فليس من اليسير أن نصدق أن كل ما يرويه الجاحظ من الأشعار والأخبار حول العصا والمخصرة ويضيفه إلى الجاهليين صحيح. ونحن نعلم حق العلم أن الخصومة حين تشتد بين الفرق والأحزاب فأيسر وسائلها الكذب".
ويستمر فيقول: "إن الخصومة بين العرب والعجم، دعت العرب وأنصارهم إلى أن يزعموا أن الأدب العربي القديم لا يخلو ولا يكاد يخلو من شيء تشتمل عليه العلوم المحدثة.. ومن هنا لا نكاد نجد شيئًا من هذه الأنواع الحيوانية التي عرض لها الجاحظ في كتاب الحيوان إلا وقد قالت العرب فيه شيئًا قليلًا أو كثيرًا، طويلًا أو قصيراً، واضحًا أو غامضًا.. هم مضطرون إلى ذلك اضطرارًا ليثبتوا فضلهم على هذه الأمم المغلوبة، واضطراهم يشتد ويزداد شدة بمقدار ما يفقدون من السلطان السياسي، وبمقدار ما ترفع هذه الأمم المغلوبة رءوسها".
هذا هو مجمل ما قيل عن أثر الشعوبية في نحل الشعر الجاهلي، ويتلخص في أن الكراهية التي حدثت بين العرب والفرس بسبب الفتح والغلبة جعلت كلًّا من الفريقين يحاول أن يثبت تفوقه على الآخر قبل الإسلام، فاختلق الأشعار ليؤيد بها دعواه.
والحقيقة أن العرب فتحوا بلادًا كثيرة واسعة، وعاش الجميع إخوة في ظل الإسلام، وتحت لواء قانونه الذي يتساوى بمقتضاه الجميع، {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} و "لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي إلا بالتقوى". فالإيمان جمع بين قلوبهم، وشد من أزرهم، وكان المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا. فاختلط العرب بالعجم، وانتقل كل منهم إلى ديار الآخر، وأقاموا معًا في اتحاد ووئام، وارتبطوا بالأخوة الصادقة، والمصاهرة، ونشأ من تصاهرهم أبناء جمعوا بين الدمين. فكانت الظاهرة العامة إخاءً وتعاونًا، وحبًّا وثقة، حتى أصبح كثير من الموالي مقربين إلى الحكام العرب، وكان منهم مشيرون ووزراء، ومن الناحية العلمية، وبخاصة في النواحي العربية والإسلامية برع فيها كثير من الموالي، وأصبحوا علماء، يرجع إليهم في كثير من المعضلات، وتركوا مؤلفات لا تزال حتى يومنا هذا من أهم المراجع العلمية، فقد كان من الموالي من لا ينكر فضلهم في خدمة اللغة العربية وآدابها، بالرواية والتأليف كسيبويه، وأبي عبيدة، وابن السكيت؛ وكذلك في
النواحي الإسلامية، ومن آثارهم هذه المؤلفات الضخمة في التفسير والحديث والفقه وعلم الكلام والفلسفة الإسلامية.
ومن الطبيعي أن يحدث في كل مجتمع تنافس بين أفراده ومجموعاته، حتى ولو كانوا من جنس أو أصل واحد، فما بالك إذا كان المجتمع يتكون من عناصر مختلفة الجنس أو الأصل، لا بد أن نتوقع أن يحدث شيء من ذلك في كل مجتمع، ولكنه لن يكون عامًّا، وإنما يكون على صورة حوادث فردية، ولا تشمل الرأي العام بحال من الأحوال. وإلا تفككت أوصال هذا المجتمع، وانقسموا على أنفسهم، فتذهب ريحهم، وينتهي أمرهم.
حقيقة حدثت شعوبية بين العرب والموالي، بطبيعة الحال، وقد تحدث عنها التاريخ والأخبار بما لا يدع مجالًا للشك فيها، ولكنها لم تكن بهذه الصورة المخيفة المفزعة التي تبدو من تصوير الدكتور طه حسين. إنما كانت حوادث فردية، وما كتب فيها من شعر أو مؤلفات كان بحكم ما في هؤلاء الأفراد من غريزة حب الظهور والتعالي بالنفس والجنس، كما كان من أبي عبيدة والجاحظ.
ولا يستطيع أحد أن ينكر صلة العرب بالفرس قبل الإسلام، وقد تحدثت عنها كتب التاريخ والأدب، وكان من الطبيعي أن تؤثر هذه الصلة في الأدب، وأن تؤثر كذلك في لغة العرب، وقد أشرنا إلى ذلك فيما سبق. وقد كانت هذه الصلة سببًا في اتصال بعض الشعراء والأدباء بالفرس بطريق مباشرة أو غير مباشرة عن طريق العرب الذين كانوا يتصلون بالفرس، وقد أثبت التاريخ اتصال بعض أدباء العرب الجاهليين بالفرس كالأعشى وعدي بن زيد ولقيط الإيادي، فكان من الطبيعي حينئذ أن نجد لهم آثارًا أدبية تتصل بهم. ولكنا لا نتوقع بأي حال من الأحوال أن نجد لأديب عربي نصًّا أدبيًّا يمدح فيه أحدًا من الأعاجم مهما علا شأنه مدحا يرفعه فوق قومه، أو يعليه إلى درجة قومه، فذلك غير معهود في العربي، فمثل هذه النصوص إن وجدت يغلب عليها الاختلاق والتزوير.
وكذلك الحال إن وجدنا فيما ينسب إلى العرب ما يدل على علمهم بالجزئيات الدقيقة في محيط العلوم المحدثة، فذلك يبدو افتعاله؛ لأنه لم يؤثر مثل هذه الإحاطة العلمية الدقيقة عنهم قبل الإسلام.
أما الحوادث الثابتة تاريخيًّا، كيوم ذي قار، فالإنصاف يقتضي ألا تكون موضع شك أو جدال، فالعرب والفرس لا بد -بحكم الاتصال والاختلاط- قد حدث بينهم خلاف في
بعض وجهات النظر، أدى في بعض الأحيان، إلى اتساع هوة الشقاق، إلى أن وصل الحال بينهم إلى وقوع صدام مسلح، وهكذا حدثت بينهم مواقع وحروب سجلها التاريخ، وتحدثت عنها الروايات والأخبار.
هذه الحروب والمواقع التي حدثت بين العرب والفرس، شأنها شأن أي صدام مسلح أي قتال يحدث بين فريقين من العرب أو من غيرهم، من حيث روايتها بالحقيقة كما حدثت لا أكثر ولا أقل، أو من حيث تجاوز الحقيقة بالمبالغة ومطالعة الخيال، ومن ثم يجوز أن يكون قد دخلها شيء من المبالغات بحكم طبيعة الإنسان. ولكن مما يغلب على الظن، بل قد يكون من المؤكد أن العرب قد تحدثوا عن هذه الأيام، وقال فيها الأدباء ما يصور عواطفهم ومشاعرهم نحو هذه الأحداث التي كانت ولا شك أبعد أثرا في نفوسهم من حروبهم الداخلية التي تكون بين فريقين من العرب.
وفي الحديث عن الرواة ونحل الشعر، يقول الدكتور طه حسين "ولعل أهم هذه المؤثرات التي عبثت بالأدب العربي، وجعلت حظه من الهزل عظيمًا: مجون الرواة وإسرافهم في اللهو والعبث، وانصرافهم عن أصول الدين وقواعد الأخلاق إلى ما يأباه الدين وتنكره الأخلاق".
ولكنه لا يتحدث هنا إلا عن اثنين من الرواة، فيقول:"ولست أذكر هنا إلا اثنين إذا ذكرتهما فقد ذكرت الرواية كلها والرواة جميعًا فأما أحدهما فحماد الراوية، وأما الآخر فخلف الأحمر".
ويتحدث عنهما فيقول: "كان حماد الراوية زعيم أهل الكوفة في الرواية والحفظ، وكان خلف الأحمر زعيم أهل البصرة في الرواية والحفظ أيضَا، وكان كلا الرجلين مسرفًا على نفسه، ليس له حظ من دين ولا خلق ولا احتشام ولا وقار، وكان كلا الرجلين سكيرًا فاسقًا، مستهترًا بالخمر والفسوق وكان كلا الرجلين صاحب شك ودعابة ومجون".
ويذكر أن حمادًا كان صديقًا لحماد عجرد، وحماد الزبرقان، ومطيع بن إياس، وأن خلفا كان صديقًا لوالبة بن الحباب وأستاذًا لأبي نواس، وأن "هؤلاء جميعًا كانوا من أمصار
92 في الأدب الجاهلي ص168.
93 المرجع السابق ص169.
العراق الثلاثة ومظهر الدعابة والخلاعة، ليس منهم إلا من اتهم في دينه، ورمي بالزندقة، يتفق على ذلك الناس جميعًا، لا يصفهم أحد بخير، ولا يزعم لهم أحد صلاحًا في دين أو دنيا".
ثم يسوق جملة من الأقوال التي قيلت ضد كل منهما، فيذكر ضد حماد، قول المفضل الضبي فيه، ورأي يونس بن حبيب، وحادثة حماد مع بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، ثم يعقب على ذلك، فيقول:"وفي الحق أن حمادًا كان يسرف في الرواية والتكثر منها، وأخباره في ذلك لا يكاد يصدقها أحد، فلم يكن يسأل عن شيء إلا عرفه".
ويقول عن خلف: "وأما خلف فكلام الناس في كذبه كثير". ويتطرق في حديثه هنا إلى أبي عمرو الشيباني فيقول إنه "راوية كوفي، لم يكن أقل حظًّا من صاحبيه هذين في الكذب والنحل
…
ويقول خصومه: إنه كان ثقة لولا إسرافه في شرب الخمر".
ويذكر رأيه في أبي عمرو الشيباني فيقول: "وأكبر الظن أنه كان يؤجر نفسه للقبائل، يجمع لكل واحدة منها شعرًا، يضيفه إلى شعرائها، وليس هذا غريبًا في تاريخ الأدب، كان مثله كثيرًا في تاريخ الأدب اليوناني والروماني".
وينتهي الأمر إلى أن يقول: "وإذا فسدت مروءة الرواة، كما فسدت مروءة حماد وخلف وأبي عمرو الشيباني، وإذا أحاطت بهم ظروف مختلفة تحملهم على الكذب والنحل، ككسب المال، والتقرب إلى الأشراف والأمراء وظهور على الخصوم والمتنافسين ونكاية العرب ـ نقول: إذا فسدت مروءة هؤلاء الرواة فأحاطت بهم مثل هذه الظروف، كان من الحق علينا ألا نقبل مطمئنين ما ينقلون إلينا من شعر القدماء".
وبعد أن انتهى من رواة الأمصار التفت إلى رواة الأعراب، فرماهم بأنهم كانوا يتخذون النحل في الشعر واللغة، وسيلة من وسائل الكسب، وقال عنهم: "فليس من شك عند من يعرف أخلاق الأعراب في أن هؤلاء الناس حين رأوا إلحاح أهل الأمصار عليهم في طلب الشعر والغريب وعنايتهم بما كانوا يلقون إليهم منها، قدروا بضاعتهم، واستكثروا منها.
94 المرجع السابق، ص170.
95 المرجع السابق، ص171.
96 المرجع السابق، ص172.
ثم لم يلبثوا أن أحسوا ازدياد حرص الأمصار على هذه البضاعة، فجدوا في تجارتهم، وأبوا أن يظلوا في باديتهم ينتظرون رواة الأمصار.. وكذلك انحدروا إلى الأمصار في العراق خاصة، وكثر ازدحام الرواة حولهم، فنفقت بضاعتهم، وأنت تعلم أن نفاق البضاعة أدعى إلى الإنتاج، فأخذ هؤلاء الأعراب يكذبون، وأسرفوا في الكذب، حتى أحس الرواة أنفسهم ذلك".
ويبدو من ذلك أن الدكتور طه يطعن في الرواة كلهم سواء كانوا من الأمصار أو من البادية بحجة سوء أخلاقهم، ويؤيد ذلك بما قيل في حق الرواة الذين تحدث عنهم.
وقد سبق أن ذكرنا أهم ما قيل عن الرواة، وتبين أن الكثرة منهم كانوا أهل ثقة واشتهروا بالنزاهة والأمانة، وقليل منهم رموا بالاتهام، وقد اختار الدكتور طه من بين هؤلاء اثنين أورد عنهما ما قال فيهما الخصوم والأعداء، وذكر سوء أخلاقهما وفساد سلوكهما، مما كان شائعًا عنهما ثم طعن بقية الرواة وهم الأكثرية؛ لأن في الرواة هذين الراويتين. وأعتقد أنه كان عدلًا أن نقصر الاتهام على من شاع عنهم عدم الصدق والأمانة ولا نأخذ غيرهم بجريرتهم، كما سبق أن أشرنا إلى ذلك. فالرواة لم يكونوا كلهم أصحاب لهو ومجون، بل فيهم -وهم الأكثرية الغالبة- من كان ثقة صادقًا، مثال النزاهة والأمانة، ومن كان يمحص ويدقق في كل ما يسمع ويأخذ ويروي، فلا يقبل إلا ما ثبتت لديه صحته، كأبي عمرو بن العلاء، والمفضل الضبي، والأصمعي.
على أن ما أورده من أقوال تطعن في نزاهة كل من حماد وخلف، إنما هي من أقوال خصومهما وأعدائهما، والمعروف أن المنافسة في كل شيء كفيلة بتوليد الخصومة والعداوة، خصوصًا إذا كان ما يتنافس عليه الأفراد مما يجلب منفعة، أو يحقق مصلحة، أو يعلي المكانة والمنزلة. وقد كان كل من حماد وخلف من المشهود لهم بالتفوق الكامل، والبراعة الفائقة في ميدان الحفظ والرواية، فليس عجيبًا حينئذ أن يخلق ذلك من منافسيهما، وبخاصة من المعاصرين لهم، خصومًا وأعداء، وتعتبر هفوتهم، ولو هينة، جريمة لا تغتفر، وكبوتهم، ولو مرة، سقوطًا إلى الأبد، وليس هناك من بني الإنسان من هو الكامل في كل شيء، فالكمال المطلق لله وحده، ومن الأقوال المشهورة:" لكل عالم هفوة، ولكل جواد كبوة" فالكل معرض للزلات والهفوات، ومن طبيعة الإنسان: السهو والنسيان. ومن ثم فليس عجيبًا من حماد وخلف أن يجيء منهما بعض الخطأ، أو تحدث منهما زلات وهفوات. وليس
ببعيد أن يستغل خصومهما ذلك فيشيعون عنهما سوء الخلق، والكذب، وعدم الأمانة والبعد عن النزاهة.
على أننا إذا بحثنا في أخبار الرواة جميعًا سوف لا نجد واحدًا منهم لم ينسب له خطأ، أو لم نلتمس له هفوة، حتى أولئك الذين شهد لهم بالثقة والنزاهة التامة، ولا شك أن كلا منهم إنسان، وهو معرض لكل ما يتعرض له الإنسان من السهو والنسيان، وما تجره المنافسة من الخصومة والعداوة، والاتهام والتشهير. ولذلك يجب ألا يغيب عن البال أن "المعاصرة حجاب" والمنافسة على الشهرة قد تدفع إلى الحسد والافتراء والبهتان.
ويبدو أن خصوم حماد وخلف، قد رأوا في سلوكهما، ما ساعدهم على التشهير بهما، ومحاولة إسقاطهما من المجتمع، ذلك أنهما كانا من زمرة اشتهرت في العراق بالخلاعة والمجون والفسوق والسكر والعربدة، وهذه الصفات كفيلة بإسقاط الشخص مهما كان. وواحدة من هذه الصفات تكفي لإهدار كرامة الشخص، ورفض شهادته، وبخاصة الخمر، فهي تذهب العقل، وتفقد الشعور، وتجعل صاحبها يهذي ويخلط في كلامه، ولا يعرف ما يقول. ومن ثم ليس بعجيب ممن يدمن عليها أن يدعي ما ليس له، وأن ينسب الأشياء لغير أصحابها، وأن يشيع في كلامه الاضطراب، ويظهر في سلوكه العوج والفساد وطبيعي إذا كانت هذه صفات كل من حماد وخلف، أن يحدث من كل منهما في روايته خلط واضطراب، ونسيان وهذيان وكذب وادعاء، ويكثر ذلك منهما بكثرة سكرهما وعربدتهما، وفقدهما الوعي والإدراك. ومن العجيب أن كل واحد منهما كان في لحظات وعيه، وتكامل صحوه ويقظته، أعلم الناس وأذكاهم وأصدقهم، ولعل مما يؤيد ذلك قول الأصمعي في حماد:"كان حماد أعلم الناس إذا نصح"، وقال ياقوت في ذلك:"يعني إذا لم يزد وينقص في الأشعار والأخبار". ومن الإسراف في الخمر وأثره في أمانة الرواة، جاء تشنيع خصوم أبي عمرو الشيباني عليه إذ قالوا فيه:"إنه كان ثقة لولا إسرافه في شرب الخمر"؛ ولكن يبدو أن شربه الخمر، لم يكن كعادة حماد وخلف وإسرافهما في ذلك، فإذا أضيف إلى ذلك ما أثر عنهما من الخلاعة والفسق والمجون، كانت الطامة الكبرى، وحق لهما أن يضرب بروايتيهما عرض الحائط.
ومن ثم لا ينبغي أن يكون لقول الخصوم والأعداء أي أثر في الحكم على نزاهة الشخص وأمانته، ما لم تقم البراهين القاطعة على ثبوت الدعوى، وأحقية الاتهام. وما دامت سيرة كل
من حماد وخلف كما وصفت، فليسا حينئذ أهلا للثقة، ولا يصح الاعتماد على روايتهما في أي شيء.
ولكن إذا سقطت عدالة هذين الراويين، فليس معنى ذلك أن تسقط عدالة غيرهما من الرواة؛ فلم يكن الجميع مثلهما في الخلق والسيرة والسلوك، بل كثير منهم شهد له بالورع والتقوى والبعد عن الشبهات، وإذا رفضت روايتهما لاحتمال بعدهما عن الأمانة والنزاهة والصدق، فليس معنى ذلك أن نرفض رواية الآخرين، فكثير منهم شهد له بالأمانة والصدق، والدقة والتحري في كل ما يسمع ويروي، مما جعلهم في نظر النقاد والعلماء والباحثين عدولًا صادقين، وهؤلاء أهل للثقة بهم، والاعتماد عليهم.
وأما رواة الأعراب، فهم كغيرهم من أهل الأمصار، يجوز أن يكون فيهم الأمين النزيه، وأن يكون فيهم المدعي المختلق، فالأولون أهل للثقة، والأخذ عنهم باطمئنان، والآخرون جديرون بالطعن والرفض، وحسن الحظ أن العلماء والنقاد الأوائل كانوا في منتهى الذكاء والفطنة، فكان لديهم مقدرة فائقة تمكنهم من التمييز بين الأصل والدخيل، فبحكم مخالطتهم للأعراب، وكثرة مدارستهم لما يسمعون ويروون، وتحصيل قدر كبير من التراث العربي القديم، ومداومة ترديده وتفهمه ودرسه، تكون لديهم ذوق أدبي حاد، مكنهم من معرفة الصحيح من الزائف. والمثال الذي ساقه الدكتور طه ليطعن به رواة الأعراب في أمانتهم، وهو حادثة أبي عبيد مع داود بن متمم بن نويرة يؤيد ذكاء الرواة الممتازين وفطنتهم؛ إذ إن أبا عبيدة عرف ما زاده داود لوقته. وفي كتب التاريخ والأدب والنقد كثير من الأمثلة على ذلك.
هذا هو ما قيل عن الانتحال في الأدب الجاهلي، أوردناه بإجمال، وعلقنا على كل جزئية بما استطعنا. ومما سبق يمكن أن نستخلص الحقائق التالية:
من الثابت قطعًا أن العرب في الجاهلية كان لهم أدب، فيه شعر ونثر، وكان هذا الأدب في درجة عالية من النضج والكمال في التعبير والتصوير، بدليل نزول القرآن الكريم بلغة فهمها العرب حق الفهم، وتحدي القرآن للعرب يثبت تفوقهم في الفصاحة والبيان، وقد وردت في القرآن إشارات تؤكد وجود الشعر والشعراء عند العرب الجاهليين.
ثم إن الشعراء والأدباء كانوا موجودين وقت ظهور الإسلام، أمثال حسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة، وكعب بن زهير، والنابغة الجعدي، وأمية بن أبي الصلت،
لا بد أنهم كانوا يسيرون في فنهم الأدبي على نمط أدبي، استقر وضعه منذ أمد بعيد، فآثار هؤلاء وأمثالهم الأدبية، وهي في درجة عالية من الكمال الفني تؤكد أنهم لم يبتدعوا هذا النظم من عندهم، بل لا بد أنهم كانوا ينسجون على منوال معروف، ويتبعون نهجًا واضحًا، وأسلوبًا متفقًا عليه قبل أن يوجدوا، فكانوا يقتفون آثار رجال سبقوهم حينًا من الدهر، في التعبير والتصوير، ومذاهب الكلام، وأساليب الأدب الكامل الرفيع.
وفي الطبيعة الإنسانية عادة ميل إلى التعبير العاطفي "تنفيسًا عما تحسه من عواطف وانفعالات"، وفيها ميل كذلك إلى حفظ شيء من هذه النصوص التي تصور أحوال النفس البشرية، ومن هنا نعتقد أن العرب حتمًا قد حفظوا بعض آثار أدبائهم الذين كانوا قبل الإسلام؛ لكي يتغنوا بها في الأوقات المناسبة، ومنها تغذى الأدباء بعد ظهور الإسلام، وترسموا خطاها، وساروا على تقاليدها، وإذا عرفنا أن العرب كانوا يهتمون بآثار ذويهم الأدبية -وبخاصة الشعر، إذ كان للشعر تأثير كبير في نفوسهم، وكان للشعراء منزلة سامية بين جميع القبائل- إذا عرفنا ذلك، استطعنا أن نتصور مدى اهتمام العرب بحفظ هذه النصوص التي كانت تحظى منهم بالاحترام والتقديس؛ لأنهم كانوا يعدونها سجل مفاخرهم وأمجادهم، ومن ثم قيل:"الشعر ديوان العرب".
وإذا كان للأدب هذه المنزلة في نفوسهم، فلا بد أن نصوصه التي كانت موضع اهتمامهم، قد لقيت منهم عناية كبيرة، فحفظوها بدقة، وعملوا على أن يلقنها الآباء للأبناء، وليس بعجيب أن يتلقاها الخلف عن السلف بشغف واهتمام، إذ كانوا يرون ما لها في نفوس الآباء من إكبار وإجلال فانتقلت هذه الآثار من جيل إلى جيل، ولم تكن الكتابة قد شاعت، فاعتمدوا في ذلك على الذاكرة مدة طويلة، حتى أذن الله لها أن تسجل في بطون الكتب، عندما تهيأت الظروف لهذا التدوين.
وفي أثناء هذه الرحلة الطويلة للنصوص الأدبية الجاهلية منذ إنشائها إلى وقت تدوينها، لا بد أنها قد تعرضت لكثير من الأشياء، كالنقص أو الزيادة، أو التغيير، أو التبديل، أو التحريف، نظرًا للظروف الكثيرة المختلفة التي مرت بالعرب، والدولة الإسلامية على العموم في النواحي السياسية والدينية والاقتصادية والاجتماعية، ونظرا لاعتماد هذه النصوص في البقاء على المشافهة والذاكرة. ومن ثم ضاعت من آثار العرب الجاهلية أشياء، ودخلها أشياء، وغيرت بعض الكلمات، أو بدلت، بقصد أو بغير قصد، بحكم ما تتعرض له
الذاكرة الإنسانية مع طول العهد، من سهو أو نسيان، وبحكم ما في الطبيعة البشرية من ميل إلى العجب والزهو وحب الظهور والسيادة والسلطان، وميل إلى الشهرة وبعد الصيت.
ومن هنا دخل الأدب الجاهلي -كغيره من الآداب الأجنبية القديمة- بعض النصوص الدخيلة، ورميت بعض نصوصه بالصنعة والاختلاق. واتهم بعض رواته بالتزوير والتزييف، ولكن الكثرة منهم كانوا من الدقة والأمانة بمنزلة جعلتهم أهلًا للثقة بهم والاعتماد عليهم منذ أقدم العصور. ووجد من العلماء والنقاد من كانوا ذوي فطنة قوية، وذوق أدبي ممتاز! ومن طول ممارستهم للنصوص الأدبية القديمة، وترديدها، ومدارستها، تكونت لديهم خبرة فائقة بطبيعة هذه النصوص وخصائصها، لدرجة أنهم كانوا يستطعون تمييز الدخيل من الأصيل، وبهذا صفوا لنا كثيرًا من النصوص الجاهلية، ودونوها بعد أن ثبت لهم بالأدلة القاطعة أنها صحيحة وأصيلة، ونبهوا على ما رفضوه، وما داخلهم شك فيه منها.
وهؤلاء الرواة والعلماء والنقاد الثقات، لا نتوقع منهم إجماعًا على كل نص من نصوص الأدب الجاهلي، وذلك شيء طبيعي، فكلهم لم يكونوا في عصر واحد، وكلهم لم يتلقوا من مصدر واحد، والأمزجة والأذواق تختلف فيما بينهم، فالقبائل العربية كثيرة، ولكل قبيلة شعراؤها، والشعراء لا حصر لهم، والنصوص كل منها يختلف عن غيره طولًا وقصرًا، وغرضًا وموضوعًا، وبحرًا وقافيةً. فقد يحفظ الواحد منهم ما لا يحفظه غيره، وقد يحفظ في غرض، ويحفظ غيره في غرض أو أغراض أخرى، وقد يروق لأحدهم بحر أو قافية معينة، ويعجب غيره ببحر أو قافية أخرى. وقد يحفظ بعضهم القصائد الطوال، بعضهم القطع القصار، وقد يجمع نفر منهم بين هذا وذاك.
وقد تدفع المنافسة في حب الشهرة، ونيل الحظوة، إلى الغيرة والحسد، وربما تقود إلى التشنيع والتشهير عن طريق الادعاء والافتراء، ومن ثم ينبغي ألا يعتمد على أقوال بعض الرواة التي تتضمن طعنًا في نزاهة بعض زملائهم، خصوصًا إذا كانوا من المتعاصرين، فالعبرة في نزاهة الشخص وأمانته بما شاع عنه من ناحية السيرة والسلوك والخلق، وما أجمع الكل على أمر إلا اشتهر وذاع، فمن عرف عنهم الأمانة والنزاهة، أهل للثقة بهم، والاعتماد عليهم.
وما تقبله النقاد الأقدمون بنفس مطمئنة في ثقة ويقين، وما دونه الصدر الأول من العلماء والباحثين الثقات ليس لنا إلا أن نقبله ونصدقه؛ لأنهم كانوا أعرف الناس بصحة الصحيح، وأصالة الأصيل، وزيف الباطل، وتزوير المصطنع، فنفوا خبثه وزوره، وأثبتوا
صحيحه وأصيله، وقد حفظ لنا مما دونوه كثير من المجموعات والدواوين، وعلى هذا المحفوظ من التراث الأدبي الجاهلي المقطوع بصحته -مع نصوص القرآن الكريم والحديث الشريف- أسس الباحثون في اللغة والأدب علومهم مثل النحو والصرف واللغة، ومن هذه النصوص الأدبية الخالدة استخرج الباحثون البحور والأوزان، وكتبوا في علم العروض والقوافي والبلاغة والنقد الأدبي.
أما ما ثبت وضعه واختلاقه بالدليل القاطع، وقد سبق أن أشرنا إليه، مثل ما ينسب من شعر إلى آدم، وعاد، وثمود، وطسم، وجديس، وغير ذلك، فهذا واضح أمره، وخارج عن دائرة البحث، إذ ليس له إلا أن يضرب به عرض الحائط، ووجود مثل هذه النصوص المزيفة في الأدب الجاهلي لا ينبغي أن يكون سببًا للطعن في أصالة الأدب الجاهلي، ورفضه كله، بل الرفض يجب ألا ينصب إلا على الزائف وحده.
وأما هذه النصوص التي قطع الرواة والعلماء والنقاد والثقات بصحتها وأصالتها فيجب أن تكون موضع احترام، وأن نعتبرها مصدرًا هامًّا نعتمد عليه في تصوير الحياة الجاهلية، وفي تمثيل اللغة العربية في العصر الجاهلي تمثيلًا صادقًا صحيحًا.
بل يمكننا، في تصوير حال العرب واللغة العربية في العصر الجاهلي، تصويرًا دقيقًا، أن نعتمد على نصوص الأدب الجاهلي، ولو كان فيها نصوص مختلفة ومدسوسة التبست بالأصيلة الصحيحة؛ ذلك لأن الذين اختلقوا هذه النصوص ونسبوها إلى الجاهليين، كانوا -ولا بد- يعرفون هذا العصر معرفة تامة، بل كانوا أعرف الناس به، وبحال الأدباء فيه، وبالألفاظ والتراكيب التي كانت شائعة ومستعملة في هذا العصر، وبطرق التعبير الأدبي، والتصوير الفني، والأساليب والتقاليد التي كان يحافظ عليها الأدباء الجاهليون، وينسجون على منوالها، ولا بد، وكذلك أنهم كانوا أقدر الناس على اتباع أساليب الأدباء الجاهليين وتقاليدهم، كأنهم يعيشون في زمنهم وبيئتهم. فكانت لديهم المهارة الفائقة التي استطاعوا بها أن يختلقوا نصوصًا تطابق نصوص الجاهليين الأدبية مطابقة تامة من جميع الوجوه، حتى التبست على النقاد والأدباء والعلماء أصحاب الفطنة والخبرة والذوق الممتاز، وهم كانوا يعرفون ما كان آباؤهم الأقدمون يترسمون في نسجهم الأدبي، فما دام هؤلاء النقاد والعلماء قد قبلوا نصوصًا هذا شأنها؛ لأنهم لم يجدوا فيها أية ظاهرة، ولو تافهة، توحي باختلاقها أو تثير عندهم أدنى شك فيها، فلنا حينئذ أن نعتمد عليها -كنص أدبي جاهلي- في تصوير حالة العرب واللغة العربية
في العصر الجاهلي، بقدر ما تحمل في طياتها من صور لهذا العصر.
حقيقة، يمكن الاعتماد على مثل هذه النصوص في تصوير الحياة واللغة للعرب في الجاهلية، ولكنها لا يمكن الاعتماد عليها في تصوير نفسية الأديب الذي تنسب إليه وفنه، لأنها إذا لم تكن في الحقيقة والواقع لمن نسبت إليه فلن تكون معبرة عن شخصيته وميوله واتجاهاته، ومن ثم تكون الصورة التي تعطيها هذه النصوص لمن تنسب إليه غير مطابقة للحقيقة، ولذلك عند البحث في تراجم الأدباء وفنهم الأدبي، يجب أن نعتمد على ما ثبت بالدليل القاطع أنه لهم -ولو من راوية واحد- ما دام هذا الراوية مشهودًا له بالصدق والأمانة والنزاهة.
وبعد، فما المقياس الذي ينبغي أن نتخذه للحكم على أي نص جاهلي بالأصالة أو الانتحال، وأنه جدير بالقبول أو الرفض، ومستحق للدراسة أو الإهمال؟.
يرى الأستاذ أحمد أمين: أن النصوص الجاهلية ينبغي أن "نمتحنها من ناحيتين: من ناحية السند، أي الرواة الذين رووا الحادثة أو الحديث؛ ومن ناحية المتن، أي المنقول نفسه، فإذا كانت الناحيتان صحيحتين، وجب علينا أن نصدق ما قيل، حتى يظهر وجه للنقد جديد
…
فإذا كان الراوي كاذبًا، أو ليس بثقة لم نعتمد على ما روى، وكذلك إذا قام برهان على ضعف المتن، كأن يتشبب شاعر بموضع ثبت تاريخيًّا أنه لم يذهب إليه، ولم يكن له به علاقة، أو نحو ذلك. فإذا لم يكن شيء من هذين صح الاستدلال بالشعر المروي، فالثقات مثلًا ضعفوا ما يروي ابن إسحاق من الشعر. وطعنوا في حماد الراوية وخلف الأحمر، فلندع ما يرويه هؤلاء إن لم يشاركهم غيرهم من الثقات في روايته، ولكنهم وثقوا أبا عمرو بن العلاء، والأصمعي، وأمثالهم، فلنأخذ بما رووا، ما لم يقم دليل من ضعف المتن على كذبه".
وواضح من هذا أن الأستاذ أحمد أمين يرى أن نقتدي بعلماء الحديث، فقد ساروا على هذا المقياس، حينما أخذوا يدرسون الأحاديث النبوية الشريفة.
ويعالج الدكتور طه حسين هذا الموضوع من عدة وجوه، فيقول إن "تصحيح السند وحده لا يكفي، فقد يكون الراوي صادقًا مأمونًا محتاطًا، ولكنه يخدع مع ذلك عن نفسه وعما
97 فجر الإسلام، ص50.
98 في الأدب الجاهلي ص256 وما بعدها.
يروي له". فهو يرى أن العناية بالسند وحده لا تكفي، وأنه لابد لنا أن نتجاوز هذا النقد الخارجي إلى نقد داخلي، "نقصد يتناول النص الشعري نفسه في لفظه ومعناه ونحوه وعروضه وقافيته". ولكنه بعد آرائه في الأدب الجاهلي وبخاصة لغته، يستدرك على هذا المقياس، فيقول: "ولكنه مع الأسف الشديد ليس يسيرًا ولا منتجًا بالقياس إلى الشعر الجاهلي. فنحن لا نستطيع أن نقول في يقين أو ترجيح علمي، إن هذا النص ملائم من الوجهة اللغوية للعصر الجاهلي أو غير ملائم؛ لأن لغة هذا العصر الجاهلي لم تضبط ضبطًا تاريخيًّا ولا علميًّا صحيحًا". ونتيجة لعدم رضاه عن هذا المقياس يسأل قائلًا:"فكيف السبيل إلى تمييز الصحيح من غيره؟ " ثم يجيب بقوله: "هنالك مذهب خداع يذهبه القدماء والمحدثون في تحقيق الشعر الجاهلي، وخلاصته النظر إلى الألفاظ التي يأتلف منها الشعر؛ فإن كانت متينة رصينة كثيرة الغريب قيل إن الشعر جاهلي، وإن كانت سهلة لينة مألوفة قيل إن الشعر مصنوع". ويحلل هذا المذهب بأنه قائم على البداوة والحضارة وأثرهما في الأدب، ويتحدث عن مدى انطباق ذلك على كل من عدي بن زيد، والنابغة الذبياني، والمنخل اليشكري، والأعشى، ثم يسأل بعد ذلك:"أفترى أن نقبل من هذا الشعر ما صلب واشتد فنصححه، ونرفض منه ما سهل ولان؟ " ويستمر فيقول: "وقد يمكن أن يقبل هذا لولا أن في الأمر نظرًا يدعو إلى الوقوف والتردد والاحتياط؛ فلا ينبغي أن يؤخذ الغريب الصعب على أنه صحيح لغرابته وصعوبته، ولا أن يؤخذ اللين السهل على أنه منحول لسهولته ولينه؛ ذلك لأن الغرابة قد تكون متكلفة، وقد يتكلفها الراوي أو العالم، ويتخذها وسيلة إلى خداع العلماء والمتأدبين". ويزيد على ذلك بأن الغرابة قد وجدت في العصر الأموي في رجز رؤبة والعجاج وشعر ذي الرمة، وهنا يسأل فيقول:"أفترى أن رجز رؤبة والعجاج وذي الرمة يجب أن يكون جاهليا لا لشيء إلا أنه غريب اللفظ، مسرف في شدة المتن وقوة الأسر؟ " ويستمر قائلًا: "وما لنا نعرض لرؤبة والعجاج، والقرآن نفسه بين أيدينا نستطيع أن نقرأه وننظر فيه؛ فسنرى أنه على شدة متنه وقوة أسره يسير سهل قليل الغريب بالقياس إلى الشعر الجاهلي. ونحن نستطيع أن نقرأ السورة الطويلة من سوره فنفهمها من الوجهة اللغوية دون أن نحتاج احتياجًا شديدًا إلى المعاجم، أفترى أن سهولة القرآن ويسر ألفاظه وقربه من الأفهام تترك مجالًا للشك في صحة نسبته إلى العصر الذي تلي فيه؟ " وينتهي من ذلك إلى أنه "لا ينبغي أن تتخذ غرابة اللفظ دليلًا على الصحة والقدم، ولا ينبغي أن تتخذ سهولة اللفظ دليلًا على النحل
والجدة"، ولكنه في الوقت ذاته يميل إلى الشك في الشعر الذي يسرف صاحبه في الغريب، والشعر الذي يسرف صاحبه في السهولة واللين.
ويعرض للذين اتخذوا مبدأ البداوة في المعنى مذهبًا لالتماس أسباب الصحة والنحل في المعنى دون اللفظ، ثم يعقب عليه بأن "هذا المذهب ليس أقرب إلى الحق من المذهب الذي سبقه"؛ لأن العرب لم يكونوا كلهم أهل بادية؛ فقد كانت هناك حضارة في اليمن، وفي مدن الشماليين كمكة والمدينة والطائف، ويستمر فيقول، بأنه تبعًا لهذا المذهب كان "يجب أن يكون الفرق ظاهرا بين ألفاظ الشعراء الذين نشئوا وعاشوا في المدن ومعانيهم، وألفاظ الشعراء الذين عاشوا في البادية ومعانيهم، ولكنا لا نجد هذا الفرق، فشعر المكيين والمدنيين موافق كل الموافقة لشعر البدويين من أهل الحجاز ونجد في الخيال والتصور والأغراض والمعاني بوجه عام، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى لا نستطيع أن نعتمد على هذا المذهب؛ لأن العرب لم يتحضروا كلهم بعد الإسلام، وإنما ظلت كثرتهم بادية في الحجاز ونجد، وظلت تقول الشعر، كما كانت تقوله في البادية، ونحلت الشعر، فكيف تستطيع أن تقطع بأن التصور البدوي والخيال البدوي والمعنى البدوي تكفي ليكون الشعر جاهليًّا؟ " ويرى أنه ليس هناك ما يمنع مهرة الرواة والشعراء المتحضرين أن يتقنوا الحياة البدوية إتقانًا تامًّا، ويحسنوا تقليد شعراء البادية في ألفاظهم ومعانيهم وأغراضهم، ثم ينتهي إلى أن "تزييف المعنى ليس أشد عسرًا من تزييف اللفظ، وليس من الفطنة أن تتخذ بدوية المعنى مقياسًا لصحة الشعر الجاهلي، كما أنه ليس من الفطنة أن نتخذ غرابة اللفظ مقياسًا لصحة هذا الشعر أيضا".
بعد هذا يقترح جديدًا، فيقول:"إننا لا ينبغي أن نعتمد على اللفظ وحده، ولا على المعنى وحده، ولا على المعنى واللفظ فقط، وإنما نعتمد على اللفظ والمعنى وعلى أشياء أخرى فنية وتاريخية. ومن مجموع هذه الأشياء كلها نستخلص لأنفسنا مقياسًا يقرب إلينا صواب الرأي في هذا الشعر الجاهلي". وبعد شرحه لهذا المقياس، يقول: إنه يصل إلى ذلك عن طريق المدارس الشعرية في العصر الجاهلي، فقد كانت مدارس شعرية، وكل مدرسة كانت لها قواعد فنية تقوم عليها وخصائص فنية مشتركة بين جميع أبنائها، فيرى "أنه لا ينبغي أن نبحث عن الشعر الجاهلي الآن من حيث شخصية الشعراء الذين يضاف إليهم، بل من حيث المدارس التي أنشأت هؤلاء الشعراء"، ومن نماذج المدارس التي ذكرها: مدرسة أوس بن حجر، وزهير، والحطيئة، وكعب بن زهير، والنابغة.
مدرسة المدينة: وتتألف من: أبي قيس بن الأسلت، وقيس بن الخطيم، وحسان بن ثابت، وكعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة، وعبد الرحمن بن حسان، وسعيد بن عبد الرحمن بن حسان، وشعراء الأنصار في المدينة بعد الإسلام.
مدرسة مكة: وتتألف في نظره "من شعراء لم يكن لهم شأن في الجاهلية، ولكنهم ظهروا عندما اشتد جهاد قريش للنبي، وقويت شخصيتهم، حتى كونوا في مكة سنة شعرية قرشية خاصة، مثلها بعد الإسلام شعراء كعمر بن أبي ربيعة، والعرجي".
مدارس أخرى: في البادية، كمدارس الشماخ بن ضرار وغيره. ثم يقول:"وامض على هذا النحو، خذ الشعراء الجاهليين المضريين جماعات، ولا تأخذهم أفرادا، حتى إذا استطعت أن تحقق لكل جماعة خصائصها، فالتمس خصائص الأفراد ومميزاتهم".
هذا هو المقياس الذي يقترحه الأستاذ الدكتور طه حسين بعد أن عرض وجهات نظر مختلفة حول الموضوع، وعقب عليها، ولا شك أن ما قاله عن المقاييس السابقة معقول ومقبول.
ولكن هل المقياس الذي ارتضاه في النهاية كفيل بأن يميز لنا الدخيل من الأصيل، ويبين لنا الصحيح الحق من المزيف الباطل؟
لا شك أنه كانت هناك مدارس شعرية في العصر الجاهلي، فمن دراسة الأدب الجاهلي يتبين بوضوح أنه كانت هناك مجموعات من الأدباء، كل مجموعة منها كانت لها سمات معينة، وخصائص فنية تميزت بها عما سواها، ولكن إذا أخذنا -في موضوعنا هذا- بفكرة الاعتماد على المدارس، هل يكون ذلك المقياس جامعًا لكل أدباء العصر؟ لا شك أنه -بجانب المجموعات التي كان لكل مجموعة منها سمات فنية معينة- كان هناك أفراد لهم شخصيات مستقلة. وتلك -على ما يبدو- سنة الكون، ولن نجد لسنة الله تبديلًا. فماذا يفعل هذا المقياس مع أمثال هؤلاء؟.
ثم إننا إذا وجدنا نصًّا تتحقق فيه الخصائص الفنية لمدرسة من المدارس، نستطيع حقًّا أن نقول: إنه ينتمي إلى مجموعة هذه المدرسة. ولكن كيف نستطيع أن نثبت أنه لم يكن هناك راوية ماهر قد تخصص في هذه المدرسة، فاستطاع أن يختلق، على غرارها، وبذلك ينحل من يشاء من أبنائها ما يريد؟ إن هذا المقياس لم يتعرض لذلك، ولكن لنفرض جدلًا أننا تحققنا من أن هذا الراوية لم يوجد، فكيف نستطيع أن ننسب هذا النص إلى أحد أفراد هذه المدرسة دون غيره من زملائه المشتركين معه في نفس الخصائص الفنية لهذه المدرسة؟ وهذا
أيضًا لم يتعرض له ذلك المقياس، مع أننا أحيانا نكون في أشد الحاجة لمعرفة صاحب النص الحقيقي، وذلك حينما نبحث في شخصية معينة من الشخصيات الأدبية.
إن موضوع الانتحال في الأدب الجاهلي والبحث عن الحقيقة فيه، موضوع قائم على الشك بسبب ما أثير حوله من الاتهامات، وإذا استرسلنا مع الشك -بدون حدود- فسوف ينتهي بنا الأمر إلى التوقف عن العمل؛ لأننا إذا أخذنا نشك -إلى غير نهاية- في كل شيء يتصل بالنصوص الأدبية الجاهلية، فسوف لا نصل إلى نتيجة، وستكبل عقولنا بسلاسل وأغلال تعوقنا عن البحث في هذه النصوص، بل تصرفنا عن النظر إليها، فنضرب بها عرض الحائط، ونهملها إهمالًا تامًّا.
حقيقة أن الشك يقود إلى اليقين؛ لأنه يدفع إلى البحث، وهنا يؤدي إلى الحقيقة؛ ذلك يحدث إذا اتخذنا لأنفسنا -حيال الشك- مبادئ وأسسًا وحدودًا تكون واضحة المعالم، ينتهي عندها الشك، بحيث لا يمكن أن يمسها أو يتطرق إليها؛ لأننا اتفقنا على أن هذه المبادئ والأسس حقيقة ثابتة، صادقة مصدقة لدى الجميع.
والمسائل التاريخية، وبخاصة تلك التي بعد العهد بيننا وبينها، لا نستطيع أن نبحث عن الحقيقة فيها إلا عن طريق الوثائق المسجلة، وهذه الوثائق قد تكون في بعضها وحيدة فريدة، وقد تكون في بعضها كثيرة وعديدة، وهذه قد يتفق المسجلون لها، وقد يختلفون تبعًا لميولهم وأهوائهم، ومن هنا كان على الباحث في التاريخ أن يعرف كل ما يتصل بهؤلاء المسجلين، وما شاع عن كل منهم فيما يتصل بشخصيته وخلقه، وسلوكه وعادته، ومدى أمانته ونزاهته، ثم يوازن بين الوثائق المختلفة؛ وبعقله الواعي، وتفكيره السديد يستطيع أن يستنبط الحقيقة من بين ثنايا هذه الوثائق، فالمسألة قضايا تعرض أمام القضاء ليفصل فيها؛ فقد تكون هناك قضية يتضح فيها الحق والصدق. وهذه قضية يسهل فيها الحكم لأنها بعيدة كل البعد عن الادعاء والبهتان؛ وقد تكون هناك قضية يتضح فيها التلفيق والتزوير، وهذه قضية يسهل فيها الحكم أيضًا لأنها بينة البطلان؛ وقد تكون هناك قضية يخفي الحقيقة فيها حجب وأستار، وهذه على درجات بحسب ما يغشاها من الحجب والأستار، قلة وكثرة، أو ضعفًا وقوة، وهنا تتجلى مهارة القاضي وفطنته، فهو بخبرته ودرايته، وعقله وتفكيره يستطيع أن ينفذ إلى أعماقها، ويسبر أغوارها، فيميز الخبيث من الطيب، ويفصل بين الباطل والحق.
وعلى هذا الأساس، إذا نظرنا إلى النصوص الأدبية التي تنسب إلى الجاهليين نجد أنها