الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
منازل القبائل العربية
كثيرًا ما نجد في افتتاحيات القصائد الجاهلية الحديث عن رحلة قبائل الحبيبات، وتركهم ديارًا كانوا يحتلونها إلى ديار أخرى. ولكننا مع ذلك نجد كثيرًا من كتب الأدب والتاريخ والجغرافيا تتحدث عن ديار القبائل عند الكلام على أنسابهم.
ولا شك أن شبه الجزيرة العربية كانت بها مدن وقرى، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك، فالقوم الذين كانوا يسكنون هذه المدن والقرى كانوا يعيشون فيها عيشة استقرار، حيث كانت موارد الرزق فيها ثابتة ومنتظمة، أما بقية الأماكن يعيش فيها البدو، وهم من القبائل الذين يتصلون بالبادية أشد اتصال، يعتمدون في حياتهم على الحيوانات، فكانوا مضطرين للبحث عن غذاء لما يملكون من ماشية، ولهذا كانوا يتتبعون مواقع الغيث ومنابت الكلأ لينزلوا بها، حيث يجدون هناك ما يفي بحاجتهم وحاجة حيواناتهم من غذاء وماء. ومن ثم شاع الاعتقاد بأن حياة هؤلاء البدو كانت موزعة بين الإقامة والظعن، تبعًا لوجود الكلأ ونفاده، فإقامتهم في المكان كانت لفترة، تنتهي بانتهاء ما فيه من عشب وماء، فإذا نضب معينه حزموا أمتعتهم وشدوا رحالهم إلى مكان آخر لفترة أخرى، وهكذا باستمرار. وكأن افتتاحيات القصائد في الشعر الجاهلي توحي بذلك وتؤيده.
حقيقة أن البدو من طبيعتهم حب الانتقال، ومن ثم قيل إنهم لم يقيموا لهم دورًا ثابتة، وإنما جعلوها سهلة في البناء، خفيفة في الارتحال، لا تحتاج في إقامتها أو اقتلاعها إلى جهد أو عناء ولكنا لا نعتقد أن هذا الارتحال كان يحدث باستمرار، في كل شهر أو كل عام، ربما كان التنقل السريع في بادئ الأمر حينما كانت كل قبيلة تبحث عن مكان ملائم من شتى الوجوه.
فإذا ما عثرت على ضالتها. وتحققت أمنيتها -وربما كان ذلك بعد محاولات كثيرة من الحل والترحال- كانت تتخذ هذا المكان الملائم دارًا لها. ولا نستطيع أن نتصور كل واحدة من هذه القبائل تنزل بالمكان شهرًا أو شهرين، ثم تقلع عنه بحثًا عن آخر لفترة قصيرة وهكذا، كأنما كانت كل البقاع خالية أمامها، تنزلها حيث شاءت، وكأنما لم يكن في البادية قبيلة أخرى سواها تبحث عن مورد رزق لها، وهل يمكن أن تنزل القبيلة مكانًا خاصًا هذا العام فتقيم به
ما دام فيه الكلأ والعشب، ثم ترحل عنه وتتركه لمن شاء من غيرها أن يحتله كأنما تأكدت هذه القبيلة أن هذا المكان قد أقفر إلى الأبد، وأنه لن ينبت أبدًا بعد تركهم إياه.
ولا شك أن هناك ظروفًا مختلفة تضطر إلى الهجرة والارتحال: فكثرة النسل تؤدي إلى ضيق المكان بأهله، وذلك يجعل القوم يحاولون توسيع الرقعة التي ينزلونها، إما حواليها وفيما يتصل بها إن كان هناك ما يسمح لهم بذلك، وإما بالبحث عن مكان أوسع في بقعة أخرى، وقد يكون ذلك بارتحال الكل أو بعضهم تبعًا لمقتضيات الأحوال، كما حدث في بادئ الأمر عندما تكاثر أبناء القحطانيين والعدنانيين، وسجلته كتب الأدب والتاريخ1.
كما أن الحروب والشقاق والتناحر والتنافس كثيرًا ما ينجم عنها هجرات، واحتلال وارتحال، من ذلك ما يحكيه أبو عبيدة في شرح النقائض2 عن عبس في حرب داحس والغبراء من أنهم بعد جفر الهباءة ظعنوا إلى كلب بعراعر، ثم حدثت موقعة عراعر، فحلوا على بني سعد وهم بالفروق، إلي أن حدثت موقعة الفروق فسار بنو عبس حتى وقعوا باليمامة حيث أرادوا محالفة بني حنيفة، ثم لحقوا ببني عامر بن صعصعة وجاوروهم، حتى غرتهم بنو ذبيان وبنو أسد ومن تبعهم من بني حنظلة يوم جبلة، فتوجهوا نحو تغلب وأخيرًا أشار عليهم قيس بالذهاب إلى قومهم ومصالحتهم.
وقد تحدث الهجرة بسبب ظروف اقتصادية كما حدث للقبائل اليمنية بعد سيل العرم وانهيار سد مأرب.
وسكان البادية كانوا يعتمدون في حياتهم على الماشية، ومن ثم كان أول ما يعنيهم هو البحث عن غذاء لهذه الماشية، فكانوا يخرجون بها إلى الأمكنة التي توجد بها الأعشاب والنباتات التي تصلح غذاء لها. وقد يمكثون في هذه الأماكن المعشبة بعض الوقت، ولكن مهما كان مكثهم فيها، طال أم قصر، فإنهم لم يتخذوها مواطن إقامة ثابتة، بل كانوا إذا انتهى الموسم عادوا إلى موطنهم ينتظرون أن يحول الحول وينزل الغيث.
ولعل مسيرة القبائل إلى مواطن الكلأ في المرتبع، وإقامتهم فيها ما دام العشب هناك،
1 راجع كتب: صفة جزيرة العرب للهمداني. ومعجم ما استعجم للبكري، وشرح النقائض لأبي عبيدة ومعجم البلدان لياقوت، وصبح الأعشى للقلقشندي، وتاريخ الطبري وابن الأثير والمسعودي.
2 نقائض جرير والفرزدق طبعة أوروبا ص 98.
3 فجر الإسلام ص 9.
وارتحالهم عنها بعد انتهائه إلى منازلهم الأصلية، كانت السبب فيما تردد ذكره في افتتاحيات القصائد الجاهلية، وقد ورد في الشعر الجاهلي، وتعليقات الباحثين عليها ما يؤيد ذلك، من ذلك مثلًا ما يقوله الأعلم الشنتمري في شرحه لبيتي امرئ القيس4:
فَلِلَّهِ عَيْنَا مَنْ رأى من تَفرق
…
أَشت وأَنْأَى من فراق المُحَصَّبِ
فريقان، منهم جازعٌ بطن نَخْلَةٍ
…
وآخر منهم قاطعٌ نجدَ كَبْكَبِ
فهو يقول: "تفرق القوم فرقتين، فمنهم من أخذ سفلًا، ومنهم من أخذ علوًا، وإنما يعنى افتراق الحيين بعد انقضاء المرتبع الذي كان يجمعهم، فيلقى به كل منهم من كان يحب، ورجوع كل حيّ إلى مائه وموضع إقامته"5.
ولأنهم ما كانوا ينوون الإقامة في مثل هذه المواطن إقامة دائمة أو لمدة طويلة كانوا يصنعون بيوتهم فيها من خشب ضعيف، ويظللونها بالثمام. يقول الشنتمري في تعليقه على البيت6.
أمرخ خيامهم أم عشر
…
أم القلب في إثرهم منحدر
"المرخ: شجر خوار ضعيف يتخذ منه الزناد والخيام، وهو خشب ينصب بالمرتع ويظلل بالثمام، فيسكنونها، فإذا رجعوا إلى المياه تركوها حتى يعودوا إليها، وإنما يفعلون ذلك لأن ظل الثمام أبرد من ظل الأبنية. والعشر شجر ينبت بالغور، ومعنى البيت: يتساءل الشاعر فيقول: أأنجدوا أم أغاروا؟ أي أتوا نجدًا أم الغور أم لم ينزلوهما؟ ".
فديارهم كانت في أماكن معينة، وإنما كانوا يتحركون في أوقات العشب بدوابهم إلى مواطنه، ويتخذون فيها مساكن مما تنبته الأرض هناك من شجر وحشائش، ثم يعودون بعد انتهاء الكلأ إلى منازلهم الأصلية، وكما رأينا في تعليق الأعلم يبدو أن القوم كانوا دائمًا يعاودون الرجوع إلى هذه المواطن التي ينتجعونها في مواسم العشب، مما يؤيد أنهم كانوا يتمسكون بالمكان الذي ينزلونه في أي وقت، وفي أي مكان.
4 ديوان امرئ القيس. دار المعارف، ص43 ب: 11-12، والمحصب، الحصباء الذى يرمى في الحج، ويشبههم به في التفرق والتشتت في اتجاهات مختلفة ومتباعدة.
5 لفظة رجوع: معطوف على افتراق، ويقصد الرجوع إلى موضع الإقامة.
6 ديوان امرئ القيس، ص 154 ب6.
ويبدو أن بعض القبائل كانوا يتخذون لهم ديارًا مختلفة تبعًا لفصول السنة ففي الصيف ينزلون دارًا، وفي الشتاء أخرى، وفي مثل هذا يقول طرفة7:
حيثما قاظوا بنجد وشتوا
…
بين ذات الحاذِ من ثِنْبَى وقُر
ويقول بعض العرب: "من قاظ الشريف، وتربع الحزن، وشتا الصمان، فقد أصاب المرعى"8. فإذا ما انتهى الموسم عادت القبيلة إلى منازلها.
فارتحال القبائل البدوية وتنقلها بين ربوع الصحراء، بمعنى تركهم منازلهم إلى غير رجعة، ما كان يحدث باستمرار على فترات قصيرة، كل شهر أو كل عام، إنما كان يحدث بعد فترات طويلة وتحت ظروف كالتي أشرنا إليها، أما ذهابهم المؤقت إلى بعض الأمكنة في موسم من المواسم ثم يعودون بعد انقضاء حاجاتهم هناك إلى منازلهم الأصلية، فهذا لا شك كان يحدث بحكم الظروف التي كانوا يعيشون فيها، ولعل افتتاحيات القصائد في الشعر الجاهلي كان الشاعر يعبر فيها حقيقة عما حدث فعلًا في رحلات الرعي، أو لعله كان في بدء الأمر حقيقة واقعة تحدث عنها الشعراء الأوائل حينما كانت القبائل تبحث عن مكان ملائم تتخذه منزلًا دائمًا لها.
فكانت تقضي في مكان أو أمكنة بعض الوقت، ثم ترحل إلى أن وجدت كل منها مكانًا يحقق رغباتها، فاتخذته لها منزلًا وديارًا. ثم أصبح هذا الافتتاح الشعري تقليدًا جرى عليه الشعراء اللاحقون تبعًا لأسلافهم السابقين.
ومع أننا ذكرنا ديار القبائل في أثناء الحديث عن أنسابها في الفصل السابق، فسنورد فيما يلي مقتطفات مما جاء في كتب الأدب والتاريخ والشعر في هذا الشأن.
فمما جاء في كتب الأدب والتاريخ عن منازل القبائل العربية في الجاهلية، ما يقوله البكري9 عن سكان الحجاز.
"وجاء الله عز وجل بالإسلام، وقد نزل الحجاز من العرب: أسد وعبس وغطفان وفزارة ومزينة وفهم وعدوان وهذيل وخثعم وسلول وهلال وكلاب بن ربيعة، وطيئ -وأسد وطيئ حليفان- وجهينة نزلوا جبال الحجاز: الأشعر الأجرد وقدسا، وآره ورضوى،
7 ديوان طرفة للدكتور علي الجندي، البيت 141.
8 صفة جزيرة العرب ص 173.
9 معجم ما استعجم ص 90.
وأسهلوا إلى بطن إضم. ونزلت قبائل بليّ شغبا وبدا، بين تيماء والمدينة. ونزلت ثقيف وبجيلة حضرة الطائف، ودار خثعم من هؤلاء: تربة وبيشة وظهر تبالة على محجة اليمن من مكة إليها، وهم مخالطون لهلال بن عمرو، وبطن تبالة لبني مازن، ودار سلول في عمل المدينة، ومنازل أزد شنوءة السراة، وهي أودية مستقبلة مطلع الشمس بتثليث وتربة وبيشة، وأوساط هذه الأودية لخثعم على ما تقدم وأحياء مذحج. وهذه الأودية تدفع في أرض بني عامر بن صعصعة. ومن بقي بأرض الحجاز جشم ونصر بن معاوية، ومن ولد خصفة بن قيس فهم بالحرة، حرة بني سليم، وحرة بني هلال، وحرة الربدة، إلى قرن تربة، وهم مخالطون لكلاب بن ربيعة. وهؤلاء كلهم من ساكني الحجاز".
ويقول عن سكان نجد: "ونزل نجدًا من العرب بنو كعب بن ربيعة بن عامر، ودارهم الفلج وما أحاط بها من البادية، ونزل نمير بن عامر، وباهلة بن يعصر وتميم كلها بأسرها باليمامة، وبها دارهم إلا أن حاضرتها لربيعة بن نزار وإخوتهم".
وتحدث عن انتشار ربيعة ومضر ابني نزار. فقال10: "وحدثت حروب بين بني ربيعة فتفرقت وتمايزت، فارتحلت عبد القيس وشن بن أفصى فاختاروا البحرين وهجر، واقتسموها فيما بينهم، فنزلت جذيمة بن عوف بن عبد القيس الخط وأعناءها، ونزلت شن طرفها وأدناها إلى العراق، ونزلت نكرة وسط القطيف وما حوله. ونزلت عامر بن الحارث بن عبد القيس الجوف والعيون والأحساء حذاء طرف الدهناء".
ويقول كذلك11: "وظعنت بنو حنيفة بن لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل يتبعون الكلأ والماء، وينتجعون مواقع القطر والغيث على السمت الذي كانت عبد القيس سلكت.. وسكنوا اليمامة".
ويقول أيضاً12: "وأقامت سائر قبائل ربيعة من بكر وتغلب وغفيلة وعنزة وضبيعة في بلادهم من ظواهر نجد والحجاز وأطراف تهامة حتى وقعت الحرب بينهم، فتفرقوا، فتبددت تغلب في البلاد، وانتشر بكر بن وائل وعنزة وضبيعة باليمامة فيما بينها وبين البحرين إلى أطراف سواد العراق ومناظرها وناحية الأبلة إلى هيت وما والاها من البلاد. وانحازت النمر وغفيلة
10 المرجع السابق ص 79.
11 المرجع السابق ص 83.
12 المرجع السابق ص 85.
أطراف الجزيرة وعانات وما دونها إلى بكر بن وائل وما خلفها من بلاد قضاعة من مشارق الأرض".
وقد جاء في الشعر الجاهلي كثير عن منازل القبائل في شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام. من ذلك في المفضليات قصيدة للأخنس بن شهاب التغلبي وأخرى للأسود بن يعفر النهشلي، وفي صفة جزيرة العرب قصيدة لبعض آل أسعد بن مليكيكرب يذكر فيها منازل من خرج من اليمن في سائر جزيرة العرب وغيرها "ص206" وأخرى لجماعة البارقي "ص 220" تحدث فيها عن الأزد 13.
13 مفضليات أوروبا ص 414.