الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إنا نشك في صحة هذا المقياس لدى قوم مثل هؤلاء الشعراء الذين اختلطوا بغير قومهم من الرؤساء والعظماء وانقطعوا لهم، فاجتذبتهم مخالطة هؤلاء وأغرتهم المادة، وانسلخوا من البادية. فقلت لديهم العاطفة القبلية التي يقويها اعتماد الفرد على القبلية، وارتكانه على دفاعها عنه، وحمايتها له.
فهؤلاء المداحون ارتموا في أحضان بعض العظماء الذين كفلوا لهم متعة الحياة، ونعمة الراحة في سعة ورغد دون مشقة أو كد، فلا عجب حينئذ أن ينقطع الشاعر من هؤلاء لولي نعمته، ويخصه بشعره، حتى إن الواحد منهم كان يفقد رشده، وتظلم الدينا في عينه. ويفقد كل أمل في الحياة إذا غضب عليه الممدوح، ولا عجب كذلك أن تفنن أولئك المداحون في مدحهم، وقصر باعهم في الفخر ببطولة قومهم.
الاعتذار:
أما الاعتذار فكان قليلًا في شعرهم، ويأتي عادة لإظهار الندم على فعل حدث. أو حال وقعت، ويريد المعتذر أن يبرئ نفسه، لينجو من اللوم، أو يحاول إصلاح الحال، بتفسير أو شرح معقول لها، لكي يرجع الأمور إلى مجراها العادي، وقد ورد في هذا الغرض أبيات لكثير من الشعراء، ولكنه لم يحتل مكانًا هامًّا في شعر كل منهم. وقد حللنا هذه الظاهرة من الناحية الحربية في شعر الحرب. ولم يكن لأحد من الشعراء الجاهليين باع في الاعتذار إلا النابغة الذبياني، فقد أسهب فيه، فاشتهر به، حتى قيل عنه أضاف إلى الشعر فنًّا جديدًا. ويقصدون بذلك فن الاعتذار. كأنه لم يكن موجودًا عند شعراء العرب قبل النابغة الذبياني. وحقيقة لقد أتى فيه النابغة بمعانٍ رائعة، وصورة شعرية جميلة. وكان النابغة يفد إلى المناذرة في الحيرة، وعلى الغساسنة في الشام، ويمدحهم، فيحسنون وفادته ويكرمونه، وكان أكثر ما يفد إلى النعمان بن المنذر ملك الحيرة، وكان النعمان يقربه حتى جعله نديمه. وظل زمانا لا يفد على الغساسنة، لما كان بينهم وبين المناذرة من التباغض، إلى أن وشى به الواشون إلى النعمان، فغضب النعمان عليه وتوعده، فهرب النابغة إلى قومه في نجد، ثم شخص إلى الغساسنة في الشام ومدحهم. وظل مقيمًا عندهم وفي نفسه استرضاء النعمان، والعودة إلى الحيرة، حتى تمكن من ذلك بواسطة اثنين من بني فزارة. فعاد إلى النعمان، وقدم له اعتذارياته المشهورة.
فقد كان ما دب بينه وبين النعمان بن المنذر من سوء تفاهم وقطيعة سببًا في إثارة شاعرية الاعتذار عند النابغة الذبياني، فقال، وأجاد، حتى اعتبره النقاد، مبدع هذا الفن. ومن اعتذارياته قوله381:
أتاني أبيت اللعن أنك لمتني
…
وتلك التي أهتم منها وأنصب382
فبت كأن العائدات فرشنني
…
هراسًا به يعلى فراشي ويقشب383
حلفت فلم أترك لنفسك ريبة
…
وليس وراء الله للمرء مذهب384
لئن كنت قد بلغت عني خيانة
…
لمبلغك الواشي أغش وأكذب
ولكنني كنت امرءًا لي جانب
…
من الأرض فيه مستراد ومذهب385
ملوك وإخوان إذا ما أتيتهم
…
أحكم في أموالهم وأقرب
كفعلك في قوم أراك اصطنعتهم
…
فلم ترهم في شكر ذلك أذنبوا
وإنك شمس والملوك كواكب
…
إذا طلعت لم يبد منهن كوكب
فلا تتركني بالوعيد كأنني
…
إلى الناس مطلي به القار أجرب386
ألم تر أن الله أعطاك سورة
…
ترى كل ملك دونها يتذبذب387
ولست بمستبق أخا لا تلمه
…
على شعث أي الرجال المهذب388
فإن أك مظلومًا فعبد ظلمته
…
وإن تك ذا عتبى فمثلك يعتب389
381 ديوانه ص71
382 أنصب: أتعب تعبًا شديدًا. أبيت اللعن: أبيت أن تفعل شيئا تلعن بسببه.
383 الهراس: شجر كثير الشوك. العائدات: الزائرات للمريض. فرشنني: جعلن لي فراشًا مبسوطًا. يقشب: يجدد.
384 ليس وراء الله للمرء مذهب: ليس بعد الحلف بالله شيء.
385 مستراد: مكان يذهب فيه الإنسان كما يريد، كناية عن إكرام الغساسنة له في ديارهم. والمستراد من راد إذا خرج رائدًا لأهله. مذهب: مكان واسع الذهاب فيه.
386 القار: القطران.
387 سورة: منزلة. يتذبذب: يضطرب ولا يصل إليها.
388 شعث: فساد ونقص. تلمه: تجمعه وتضمه.
389 عتبى: عفو ورضا. يعتب: يعفو ويعطي.
فالنابغة يقول للنعمان390 إن غضبه على النابغة وتوجيه اللوم إليه، يسبب له همًّا وحزنًا وتعبًا، حتى أصبح كالمريض الذي ينام على أشواك، تتجدد من حين إلى حين، ثم يحلف أن ما حدث ليس له أساس من الصحة، وإنما محض كذب وافتراء اختلقه الواشون ليفسدوا ما بينهما. ثم يبين النابغة للنعمان أن ذهابه إلى الغساسنة ليس إلا لشكرهم اعترافًا بالجميل الذي أسدوه إلى النابغة، ومن يشكر صاحب الفضل لا يؤاخذ على شكره، وإنما أنت أيها الملك لا يدانيك ملك آخر. فليس هناك من الملوك من يشبهك أو يناظرك، فأبهتك وعظمتك وسلطانك تغطي على الأخرين، وتخفي معالمهم، كالشمس حينما تسطع تتلاشى أمامها جميع الكواكب. ثم يقول النابغة للنعمان: أرجو ألّا يكون في نفسك غضب علي، كما أدعوك ألا تضمر لي تهديدًا، وإلا كرهني الناس، لأنهم جميعًا يحبونك، ونبذوني. واجتنبوني كأني بعير أجرب قد طلي بالقطران. ويستمر النابغة فيتضرع إلى النعمان قائلًا: إن ما بيني وبينك ليس إلا واحدة من حالتين: إما أن أكون مذنبًا، وإما أن أكون بريئًا. فإن كنت مذنبًا، فأنا بشر. وليس من البشر واحد كامل من جميع النواحي، فلكل إنسان عيوب وهفوات. وأنت أعظم من يعفو عن الذنوب، ويصفح عن الهفوات، فأنت أهل الرضا والإكرام، وإن كنت بريئًا، فلست أنا إلا عبدًا وللسيد حق التصرف في عبده، وأنا راضٍ بسيدي، حبيب إليّ جميع تصرفاته، ولا أبغي إلا رضاه ومسرته.
وقال النابغة الذبياني يمدح النعمان ويعتذر إليه. ويهجو مرة بن ربيعة لما وشى به عند النعمان391.
عفا ذو حسا من فرتنا فالفوارع
…
فجنبا أريك فالتلاع الدوافع392
توهمت آيات لها فعرفتها
…
لستة أعوام وذا العام سابع
فكفكفت مني عبرة فرددتها
…
على النحر منها مستهل ودامع393
390 ديوانه ص91.
391 ديوانه ص91.
392 عفا: درس وذهبت معالمه. البلعة: مجرى الماء من أعلى الوادي. الدوافع: التي تدفع الماء إلى الوادي. فرتنا: اسم امرأة. وباقي الأسماء أمكنة.
393 كفكفت: كففت. المستهل: السائل المتصبب.
على حين عاتبت المشيب على الصبا
…
وقلت ألما أصح والشيب وازع
وقد حال هم دون ذلك شاغل
…
مكان الشغاف تبتغيه الأصابع394
وعيد أبي قابوس في غير كنهه
…
أتاني ودوني راكس والضواجع395
فبت كأني ساورتني ضئيلة
…
من الرقش في أنيابها السم ناقع396
يسهد من ليل التمام سليمها
…
لحلي النساء في يديه قعاقع397
تناذرها الراقون من سوء سمها
…
تطلقه طورا وطورا تراجع398
أتاني أبيت اللعن أنك لمتني
…
وتلك التي تستك منها المسامع399
مقالة أن قد قلت سوف أناله
…
وذلك من تلقاء مثلك رائع400
لعمري وما عمري علي بهين
…
لقد نطقت بطلا على الأقارع
أقارع عوف لا أحاول غيرها
…
وجوه قرود تبتغي من تجادع401
أتاك امرؤ مستبطن لي بغضة
…
له من عدو مثل ذلك شافع402
أتاك بقول هلهل النسج كاذب
…
ولم يأت بالحق الذي هو ناصح
أتاك بقول لم أكن لأقوله
…
ولو كبلت في ساعدي الجوامع403
394 الشغاف: حجاب القلب، وهو أيضا داء يكون تحت الشراسيف في الشق الأيمن تبغيه أصابع المطببين. يقول: وقد حال دون البكاء على الديار دخل في الفؤاد حتى أصابه منه داء.
395 في غير كنهه: في غير موضعه واستحقاقه. ووعيد أبي قابوس هنا بيان للهم الذي ذكره في البيت السابق وراكس والضواجع: واديان.
396 ساورتني: وثبت علي. ضئيلة: حية قليلة اللحم شديدة السم. الرقش: جمع رقشاء وهي التي فيها نقط سود وبيض.
397 ليل التمام: الليل الطويل. السليم: الملدوغ، قالوا عنه ذلك تفاؤلًا بسلامته. وكانوا يعلقون على الملدوغ حلي النساء ليبرأ. القعاقع: الأصوات الشديدة.
398 تناذرها الراقون: أنذر بعضهم بعضًا ألا يتعرضوا لها. تطلقه طورًا: تخفف الأوجاع عن الملدوغ تارة.
399 تستك: تسد وتصم الآذان.
400 مثلك: أي أهل القوة والسلطان. رائع: فظيع مفزع.
401 بطلًا: باطلًا. الأقارع: بنو قريع بن عوف، وكانوا قد وشوا به إلى النعمان. لا أحاول غيرها: أي لا أحاول هجاء غيرها. تجادع: تشاتم.
402 شافع: أي معه آخر. يقصد أتاك رجل من أعدائي مضمر ساتر لعداوته ومعه رجل آخر يقول بقوله.
403 الجوامع: الأغلال: يقول: إن هذا القول الذي نقل إليك لم أكن لأقوله لو حبست ووضعت في يدي الأغلال.
حلفت ولم أترك لنفسك ريبة
…
وهل يأثمن ذو أمة وهو طائع404
بمصطحبات من لصاف وثيرة
…
يزرن إلالًا سيرهن التدافع405
سمامًا تباري الريح خوصًا عيونها
…
لهن رزايا بالطريق ودائع506
عليهن شعث عامدون لحجهم
…
فهن كأطراف الحني خواضع407
لكلفتني ذنب امرئ وتركته
…
كذي العر يكوى غيره وهو راتع408
فإن كنت لا ذو الضغن عني مكذب
…
ولا حلفي على البراءة نافع409
ولا أنا مأمون بشيء أقوله
…
وأنت بأمر لا محالة واقع
فإنك كالليل الذي هو مدركي
…
وإن خلت أن المتنأى عنك واسع
خطاطيف حجن في حبال متينة
…
تمد بها أيد إليك نوازع410
أتوعد عبدًا لم يخنك أمانة
…
ويترك عبد ظالم وهو ظالع410
وأنت ربيع ينعش الناس سيبه
…
وسيف أعيرته المنية قاطع412
أبى الله إلا عدله ووفاءه
…
فلا النكر معروف ولا العرف ضائع
وتسقى إذا ما شئت غير مصرد
…
بزوراء في حافاتها المسك كانع413
404 ذو أمة: الأمة: بالضم والكسر: الدين والاستقامة.
405 لصاف وثيرة: موضعان، إلال: جبل عن يمين الإمام بعرفة. ومعنى البيت أنه أقسم بالإبل التي يمتطيها الحجاج إلى مكة فيدفع بعضها بعضا حين تسير.
406 السمام: طائر شديد الطيران. تباري: تسابق. خوصًا: غائرة العيون من الجهد. رزايا: جمع رزية وهو المتروك المطروح من الإبل. ودائع: أي تركت في الطريق كأنها وديعة فيه.
407 شعث: جمع أشعث، وهو المتغير الشعر من طول السفر. عامدون: قاصدون. الحني: القسي. خواضع: من الخضع، وهو تطامن العنق ودنو الرأس إلى الأرض. شبه الطوق في انحنائهن من الضمر بالقسي.
408 العر: بفتح العين: الجرب. وبضمها: قروح تخرج في أعناق الإبل فإذا أرادوا أن يعالجوه كووا بعيرًا آخر صحيحًا فيبرأ المريض - ويقصد الشاعر أن يقول للنعمان: إنك تؤاخذني بذنب جانٍ مجرم وتتركه هو.
409 إذا فتح التاء في "كنت" نصب ما بعدها، فتقول: فإن كنت لا ذا الضغن عني مكذبًا وإذا ضمت رفع ما بعدها.
410 خطاطيف: جمع خطاف وهو ما يدلى في البئر لجذب ما فيه. حجن: جمع أحجن، وهو الأعوج، نوازع: جواذب.
411 الظالع: المائل الجائر عن الحق.
412 أعيرته المنية: أخذته المنية استعارة.
413 غير مصرد: من التصريد وهو شرب دون الري. زوراء: دار بالحيرة للنعمان. كانع حاضر.
وكان الصبر في القتال والنصر في الحروب من أعظم مفاخر العرب في الجاهلية. ولا سيما إذا كان الشاعر المفتخر من الفرسان، من ذلك مثلًا ما حدث يوم فيف الريح. وكان بين بني عامر بن صعصعة قوم عامر بن الطفيل، ذلك الشاعر الفارس. وبين بني الحارث بن كعب، حيث جمعت قبائل شتى، منهم زبيد وسعد العشيرة ومراد ونهد وخثعم وشهران، وأقبلوا يريدون بني عامر وهم ينتجعون مكانًا يقال له فيف الريح. فاقتتلوا، وكان عامر بن الطفيل يتعهد الناس، فيقول: يا فلان ما رأيتك فعلت شيئًا. فمن أبلى فليرني سيفه أو رمحه. فانتهز الفرصة رجل من أعدائه بني الحارث اسمه مسهر. فقال: يا أبا علي، انظر إلى ما صنعت بالقوم. انظر إلى رمحي وسناني، فلما أقبل عامر لينظر وجأه مسهر بالرمح في وجنته ففلقها وانشقت عين عامر. ثم افترقوا، فقال في ذلك عامر بن الطفيل414:
لقد علمت عليا هوازن أنني
…
أنا الفارس الحامي حقيقة جعفر
وقد علم المزنوق أني أكره
…
على جمعهم كر المنيح المشهر
إذا ازور من وقع الرماح زجرته
…
وقلت له: ارجع مقبلا غير مدبر
وأنبأته أن الفرار خزاية
…
على المرء ما لم يبل جهدًا ويعذر
ألست ترى أرماحهم فيَّ شرعا
…
وأنت حصان ماجد العرق فاصبر
لعمري وما عمري على بهين
…
لقد شان حر الوجه طعنة مسهر
فبئس الفتى إن كنت أعور عاقرًا
…
جبانًا، فما عذري لدى كل محضر
وما رمت حتى بل نحري وصدره
…
نجيع كهداب الدمقس المسير
أقول لنفس لا يجاد بمثلها
…
أقلي المراح إنني غير مقصر
فلو كان جمع مثلنا لم نبالهم
…
ولكن أتينا أسرة ذات مفخر
فجاءوا بشهران العريضة كلها
…
وأكلب طرًّا في لباس السنور
وهكذا كان الأبطال يثبتون في ميادين القتال ويصمدون في مواجهة الخطر، ولا يولون الأدبار خشية الخزي والعار، وإذا حدث من المقاتل تصرف اضطرته إليه ظروف حرجة.
414 مفضلية رقم 106.
قاسية، فإنه -اعتذارًا عما وقع- كان يسرع إلى بيان الأسباب التي دعته إلى ذلك، بما يحفظ عليه كرامته وهيبته415.
ومن أطرف ما ورد في الاعتذار عن القرار -وهو أقرب ما يكون إلى الفكاهة والنوادر- أبيات تنسب إلى وعلة الجرمي، يقول فيها416:
فدى لكما رجلي أمي وخالتي
…
غداة الكلاب إذ تحز الدوابر417
نجوت نجاء لم ير الناس مثله
…
كأني عقاب عند تيمن كاسر418
خدارية سفعاء لبد ريشها
…
من الطل يوم ذو أهاضيب ماطر419
كأنا وقد حالت حذنة دوننا
…
نعام تلاه فارس متواتر420
فمن يك يرجو في تميم هوادة
…
فليس لجرم في تميم أواصر421
ولما سمعت الخيل تدعو مقاعسًا
…
تطالعني من ثغرة النحر جائر422
415 راجع فصل الاعتذار في شعر الحرب للمؤلف.
416 قالها وعلة في يوم الكلاب الثاني، وكان بين أهل اليمن من مذحج وهمدان وكندة، وبين بني تميم، سعد والرباب، ورئيس الرباب النعمان بن جساس، ورئيس سعد قيس بن عاصم المنقري. فلما غدوا على القتال نادى قيس بن عاصم: يا آل مقاعس، والمقاعس هو الحرث بن عمرو بن كعب بن سعر، فسمع الصوت وعلة الجرمي، وكان صاحب لواء اليمن يومئذ، فطرحه، وكان أول منهزم من قومه! وجعلت عليهم سعد الرباب فهزمهم، ولما أكثرت تميم القتل في أهل اليمن أمرهم قيس بن عاصم بالكف عن القتل وأن يحزوا عراقيبهم، وهو ما أشار إليه وعلة إلى فراره في الأبيات 1-3 وأشار إلى نداء قيس آل مقاعس في البيتين 6، 7 ثم إن وعلة لحق به رجل من بني نهد اسمه سليط من قتيب، فقال له النهدي: أردفني خلفك فإني أتخوف القتل، فأبى أن يردفه، وهو ما يشير إليه البيتان 9، 10. "مفضلة رقم 32".
417 الكلاب: بضم الكاف: هو يوم الكلاب الثاني بين تميم واليمن. تحز: تقطع. الدوابر: الأصول، أي يقتل القوم فتذهب أصولهم ولا يبقى لهم أثر.
418 تيمن: موضع باليمن. الكاسر: الذي يضم جناحيه يريد الانحطاط إلى الصيد، يكون للمذكر والمؤنث.
419 الخدارية: الذي يضرب لونها إلى السواد. وهي صفة للعقاب. السفعاء: مأخوذ من السفعة، بضم فسكون، وهي سواد يضرب إلى حمرة، الأهاضيب: جمع أهضوبة، وهي المطرة العظيمة.
420 حذنة: بضم الحاء المهملة والذال المعجمة وتشديد النون: أرض لبني عامر بن صعصعة. متواتر: متواتر العدو متتابعه، وهو صفة للنعام. شبهوا أنفسهم حين هربوا بنعام متتابع يخاف فارسًا.
421 الهوادة: اللين والرقة. الأواصر: الروابط القرابة.
422 مقاعس: أراد بني مقاعس. وهم بنو الحرث بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم. تطالعني: طلع مني وارتفع، يعنى فزعًا. ثغرة النحر: النقرة في أعلى الصدر. الجائر: حر في الجوف عند الجوع.
فإن أستطع لا تلتبس بي مقاعس
…
ولا يرني مبداهم والمحاضر423
ولا تك لي حدادة مضرية
…
إذا ما غدت قوت العيال تبادر424
يقول لي النهدي: إنك مردفي
…
وكيف رداف الفل. أمك عابر425
يذكرني بالرحم بيني وبينه
…
وقد كان في نهد وجرم تدابر426
ولما رأيت الخيل تتري أثائجًا
…
علمت بأن اليوم أحمس فاجر427
فهو يصف سرعته الفائقة في الهرب فرارًا من خطر محدق مؤكد خشية أن يقع أسيرًا في أيدي قوم فيهم خسة. ولا يملكون قوت يومهم.
إن أبيات الاعتذار في الشعر الجاهلي قليلة بالنسبة إلى غيره من الأغراض الأخرى. فما السبب؟ أكان ذلك لقلة دواعي الاعتذار، بمعنى: إنه لم يكن يحدث ما يستوجب الاعتذار إلا قليلًا؟ ربما كان ذلك غير صحيح إذ لا شك أن كل إنسان عرضة للخطأ والوقوع في أمور تستحق الاعتذار أم كان ذلك لأن جميع من ارتكبوا خطأ أو قصروا لم يكونوا شعراء؟ إن ذلك صحيح. ولكن لم يرد لجميع الشعراء اعتذار.
أم يكون ذلك لأن الجاهلي -شاعرًا كان أم غير شاعر- كان يعتز بنفسه، ويعجب بها، ويجب أن يشاع عنه القوة والكمال والصواب والبعد عن الخطأ على الدوام، فلم يرض أن يسجل على نفسه اعترافًا بالتقصير في حادثة ما؟ قد يكون ذلك قريبًا من المعقول، خصوصًا إذا علمنا أن الشعر كان كثير التداول، سريع الانتقال. كما كان يعتبر سجلًّا خالدًا لحوادثهم.
423 التبس: اختلط، والمراد لا يدركوني. مبداهم: من يقيم في البادية. محاضرهم: من نزل الحاضرة. وأصلهما مكان البدو والحضر. المعنى: لا آلوا عدوًا وهربًا مخافة أن أوسر.
424 الحداد: البواب والسجان. تبادر: أي إذا غدت فإنما همها قوت عيالها، فكيف يكون حالي إذا كان من أستى هذه حاله من الضيق.
425 النهدي: رجل من بني فهد، يقال له سليط بن قتيب، بفتحتين، من بني رفاعة. الرداف: أن يركب شخص آخر خلفه. الفل: المهزوم، كأنه سماه بالمصدر. العابر: العبرى، أي الباكية الحزينة.
426 الرحم، بكسر فسكون: هو الرحم بفتح فكسر. تدابر: تقاطع.
427 تترى: متواترين، التاء مبدلة من الواو، أصلها "وترى" بفتح الواو، كالتقوى، من الوقاية. وهي من المواترة، وهي المتابعة، نصبت على الحال، وحقيقتها أنها مصدر في موضع الحال، ومن العرب من ينونها، وبه قرأ أبو عمرو وابن كثير في سورة المؤمنون 44 " ثم أرسلنا رسلنا تترىً" ويخطئ كثير من الكتاب في عصرنا فيظنونها فعلًا مضارعًا ويضعونها موضعه. أثائج: جاءت جماعات. أحمس: شديد القتال. فاجر يركب فيه الفجور.