الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
1-
معلقة امرئ القيس
عدد أبياتها 78 بيتًا، موزعة فيما يلي:
9: في ذكرى الحبيبة.
21: في بعض مواقف له.
13: في وصف الجمال الجسمي للمرأة.
5: في وصف الليل.
18: في وصف الفرس والبقر الوحشي ورحلة الصيد.
12: في السحاب والبرق والمطر وآثاره.
بدأ امرؤ القيس معلقته بالحديث عن ذكريات الحبيبة حينما رأى ما آلت إليه ديارها بعد أن هجرتها، فقد درست آثارها وعفت معالمها، وأصبحت موطنًا للحيوانات، تعيش فيها آمنة مطمئنة، وخيمت عليها الوحشة والرهبة، فأثار ذلك مشاعره، وحرك عواطفه، فطلب من رفيقيه أن يتوقفا معه عن السير ليسترجع ما فات من ذكريات، ويذرف الدمع حزنًا على ما مضى، وتخفيفًا مما يجد، ووفاء بحق هذه الديار:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل
…
بسقط اللوى بين الدخول فحومل
فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها
…
لما نسجتها من جنوب وشمأل
وهنا عادت به الذاكرة إلى تلك اللحظة القاسية التي بدأت فيها أحزانه، وذلك حين رأى موكب الحبيبة في صباح مبكر يبدأ رحلة الفراق، وظل هو وحيدًا بين شجيرات ذات أشواك وقد تملكه الحزن والألم، وعلاه الهم والغم، وظهر عليه القلق والاضطراب، وأخذ الدمع ينهمر مدرارًا من عينيه حتى بلّ صدره ومحمله، والبكاء يشفي الإنسان أحيانًا، فما يريقه من عبرات كأنما يغسل آثار الحزن من نفسه، ولكن هل يجدي البكاء عند آثار بالية؟ هل يرجع ما كان من أنس وبهجة؟
وإن شفائي عبرة مهراقة
…
فهل عند رسم دارس من معول
ثم انطلق في عالم ذكرياته فاسترجع ما كان له من متع ولذات، فأخذ خياله يصور ما يجول بخاطره من مواقف اللهو والمرح، ثم صور ملكة الجمال في نظره، فقال:
مهفهفة بيضاء غير مفاضة
…
ترائبها مصقولة كالسجنجل
كبكر المقاناة البياض بصفرة
…
غذاها نمير الماء غير المحلل
تصد وتبدي عن أسيل وتتقي
…
بناظرة من وحش وجرة مطفل
وجيد كجيد الرئم ليس بفاحش
…
إذا هي نصته ولا بمعطل
وفرع يزين المتن أسود فاحم
…
أثيث كقنو النخلة المتعثكل
غدائره مستشزرات إلى العلا
…
تضل المداري في مثنى ومرسل
وكشح لطيف كالجديل مخصر
…
وساق كأنبوب السقي المذلل
وتعطو برخص غير شثن كأنه
…
أساريع ظبي أو مساويك إسحل
وتضحى فتيت المسك فوق فراشها
…
نئوم الضحى لم تنتطق عن تفضل
تضيء الظلام بالعشاء كأنها
…
منارة ممسي راهب متبتل
إلى مثلها يرنو الحليم صبابة
…
إذا ما اسبكرت بين درع ومجول
وهذه الذكريات تثير الهموم، وما أشد الهموم في الليل، وما أقسى الليل على المهموم، إنه يقض مضجعه ويطير النوم من عينيه، ويلفه في ظلام حالك ويأخذه في دوامة تقلبه هنا وهناك لا يعرف أين هو، ولا كيف يسير، ولا ماذا يفعل، ويلقي عليه بأحماله وأثقاله حتى ليكاد يزهق أنفاسه، ويطول كأنه لا ينتهي، ويقف كأنه لا يتحرك، يتمنى أن يسفر الصبح، ولكن ماذا يفيد الإصباح ذا القلب الحزين:
فقلت له لما تمطى بصلبه
…
وأردف أعجازًا وناء بكلكل
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي
…
بصبح، وما الإصباح منك بأمثل
فالهم في الصبح لا يزال، والحزن كما هو فماذا يفعل؟ إنه لا حيلة له إلا أن يترك هذا المكان في أقرب وقت، وبأقصى سرعة، فينهض منتفضًا، ويسبق الطيور قبل أن تغادر أماكن مبيتها، ويغدو ممتطيًا صهوة جواده في رياضة ممتعة، محببة إلى النفس فيمضي في رحلة جميلة للصيد، وفي هذا الجانب من معرض الشاعر نرى لوحات فنية رائعة: الحصان الجواد الكريم، القوي النشيط السريع، الضخم الجسم، المدرب على الكر والفر والإقبال والإدبار، كميت اللون ناعم الجسم، ضامر الخصر، قصير الساق، طويل وظيف الرجل والذراع، وظهره أملس مستوٍ ينزلق عنه اللبد، وذنبه سابغ قصير العسيب، في جريه تتابع وسهولة واتزان، وسرعته تشل حركة الوحوش، ويقذف براكبه الخفيف ويطيره في الهواء، ويمزق ثياب الثقيل المتشبث بظهره، لشدة ما يثيره من ريح عاتية، واندفاعه عنيف خاطف:
وقد أغتدي والطير في وكناتها
…
بمنجرد قيد الأوابد هيكل
مكر مفر مقبل مدبر معًا
…
كجلمود صخر حطه السيل من عل
كميت يزل اللبد عن حال متنه
…
كما زلت الصفواء بالمتنزل
له أيطلا ظبي وساقا نعامة
…
وإرخاء سرحان وتقريب تتفل
كأن سراته لدى البيت قائمًا
…
مداك عروس أو صلاية حنظل
مسح إذا ما السابحات على الونى
…
أثرن الغبار بالكديد المركل
يطير الغلام الخف عن صهواته
…
ويلوي بأثواب العنيف المثقل
ويقترب الحصان من ميدان الصيد، فيظهر سرب من البقر الوحشي، بيض الظهور سود القوائم، يدور بعضه حول بعض، وما كاد السرب يلمحه من بعيد حتى ولى هاربًا بأقصى سرعة، ولكن الحصان اندفع في سرعة خاطفة حتى سد الطريق على أوله، فوقف الجميع لا يتحرك:
فَعَنَّ لَنَا سِرْبٌ كَأَنَّ نِعَاجَه
…
عَذَارَى دَوَارٍ في مُلَاء مُذَيَّلِ
فَأَدْبَرْنَ كَالْجِزْعِ المُفَصَّل بينَه
…
بجِيدِ مُعَمٍّ في العشيرة مُخْوِلِ
فَأَلْحَقَنَا بالهاديات ودُونَهُ
…
جَوَاحِرُهَا فِي صَرَّةٍ لم تزَيَّلِ
فَعَادَى عِدَاءً بينَ ثَوْرٍ ونَعْجَةٍ
…
دِرَاكًا ولمْ يُنْضَحْ بماءٍ فَيُغْسَلِ
كأن دِمَاءَ الهاديات بنَحْرِهِ
…
عُصَارَةُ حِنَّاءٍ بشَيْبٍ مُرَجَّلِ
وهنا بدأت معركة الحصان مع البقر الوحشي، فأخذ الحصان يصول ويجول، ويضرب الذكور والإناث حتى صرع الكثير منهن، بدون أن يظهر عليه أي أثر للتعب أو الجهد، فلم تخرج منه قطرة عرق، وخضب صدره بدماء المتقدمات من القطيع:
فعادى عداء بين ثور ونعجة
…
داراكًا ولم ينضح بماء فيغسل
ثم أعد مكان الراحة والاستجمام، وجمع الخدم الصيد، وأخذ الطهاة يعدون الطعام وجلس الصياد يرمق حصانه فرحًا وإعجابًا، ويصعد فيه عينيه استحسانًا، وقد انتصب الحصان يفيض قوة ونشاطًا، إلى أن جاءت الموائد وعليها ما لذ وطاب من أنواع اللحم، الصفيف المشوي والمطبوخ المغلي:
فظل طهاة اللحم من بين منضج
…
صفيف شواء أو قدير معجل
ورحنا وراح الطرف ينفض رأسه
…
متى ما ترق العين فيه تسهل
ويقفل راجعًا من رحلته الممتعة، وفي أثناء عودته يكفهر الجو، وتتجمع السحب، وتتلبد الغيوم، فانتحى هو وصحبه جانبًا، وقعدوا في مكان يحميهم مما يتوقع من مطر غزير، وأخذوا يتتبعون الحال، سحب تتراكم، ويتلاطم بعضها ببعض فيحدث رعد عنيف يملأ الجنبات ويلمح البرق خاطفًا فيضيء جميع الجهات، ثم يهطل المطر منهمرًا كأفواه القرب، فيملأ البطاح والأودية ويعلو الجبال والهضاب، ويعظم الفيضان، فينساب سيلًا عنيفًا، يقتلع الأشجار، ويجتث البيوت والآطام، ويجرف كل ما في سبيله من حيوان ونبات وجماد، وكان ذلك خليطًا هائلًا متنوعًا، ظهر حينما ترسب فوق المنخفضات والمترفعات بعد أن أقلعت السماء وغيض الماء:
أصاح ترى برقًا أريك وميضه
…
كلمع اليدين في حبي مكلل
يضيء سناه أو مصابيح راهب
…
أهان السليط بالذبال المفتل
قعدت له وصحبتي بين ضارج
…
وبين العذيب بعد ما متأمل
فأضحى يسح الماء من كل فيفة
…
يكب على الأذقان دوح الكنهبل
ومر على القنان من نفيانه
…
فأنزل منه العصم من كل منزل
وتيماء لم يترك بها جذع نخلة
…
ولا أطمًا إلا مشيدًا بجندل
كأن ثبيرًا في عرانين وبله
…
كبير أناس في بجاد مزمل
كأن ذرا رأس المجيمر غدوة
…
من السيل والغشاء فلكة مغزل
كأن السباع فيه غرقى عشية
…
بأرجائه القصوى أنابيش عنصل
ويعقب المطر عبق عطري جميل، يملأ البقاع، ويفوح أريجه، ويتضوع شذاه فتشدو له الطيور وتخرج من أوكارها فرحة منتشية، كأنما ثملت من الخمر، وتغمرها البهجة والمتعة، ثم تظهر آثار المطر في الأرض، فتحيا وتهتز وتربو، ويكسوها بساط سندسي جميل فيه الأشجار والأزهار مختلفة الأنواع والألوان:
وألقى بصحراء الغبيط بعاعه
…
نزول اليماني ذي العياب المحمل
كأن مكاكي الجواء غدية
…
صبحن سلافًا من رحيق مفلفل
هذه معلقة امرئ القيس التي يمكن أن يقال عنها: إنها لوحات فنية تصور أمثلة من مظاهر الجمال في بعض الكائنات.