الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مصادر الأدب الجاهلي
مدخل
…
مصادر الأدب الجاهلي
مصادر الأدب الجاهلي هي تلك الذخائر الأدبية الباقية لنا من آثار العلماء والأدباء والرواة والباحثين الذين تحدثنا عنهم في الفصل السابق ومن أتى بعدهم من المؤلفين، مشتملة على تراث الجاهليين الأدبي من الشعر والنثر. ولم يحظ النثر الجاهلي حتى الآن بجمعه في مصدر واحد، أو كتاب خاص1، فما جاء إلينا منه مبعثر هنا وهناك في كتب الأدب والقصص والتاريخ، مثل العقد الفريد لابن عبد ربه، والكامل للمبرد، والحيوان، والبيان والتبيين للجاحظ، والأغاني للأصبهانى، والأمالي لأبي علي القالي وكتب الأمثال، وعيون الأخبار لابن قتيبة، وديوان المعاني للعسكري، والمزهر للسيوطي، والمخصص لابن سيده وشروح دواوين الشعراء، وشرح النقائض لأبي عبيدة، وكتب السيرة النبوية، وتاريخ الطبري، وابن الأثير، والمسعودي، وكتب المعاجم. ويأتي النص النثري في كل من هذه الكتب عندما تأتي المناسبة التي تستدعيه.
أما الشعر فقد نال عناية عظيمة، فجمع في كتب خاصة، وحظي كثير منها بالجمع والبحث والدراسة والتحقيق والتعليق، هذا بالإضافة إلى وجود كثير من الأشعار الجاهلية في كتب الدراسات الأدبية، والدينية، واللغة والنحو والبلاغة والنقد والتاريخ والسير، ومن هذه الكتب الخاصة والعامة تتكون مصادر الشعر الجاهلي، ومصادره الخاصة وردت إلينا إما في صورة مجموعات ومختارات، وإما في صورة دواوين لقبائل أو لأفراد: لكل شاعر ديوان خاص وأهم المجموعات والمختارات ما يأتي:
1 جمع بعضًا من الخطب والرسائل الأستاذ أحمد زكي صفوت في بداية الجزأين الأولين من مجموعتيه، جمهرة خطب العرب، وجمهرة رسائل العرب.
1-
المعلقات:
هذا اسم مشهور لعدد من القصائد الطوال، وقد اختلف في عددها، وفي أصحابها؛ وأكثر الروايات على أنها سبع: لامرئ القيس، وطرفة بن العبد، وزهير بن أبي سلمى،
ولبيد بن ربيعة، وعمرو بن كلثوم، وعنترة بن شداد العبسي، والحارث بن حلزة، ولكن المفضل الضبي يضع مكان الأخيرين النابغة الذبياني، والأعشى، وقال: من زعم أن في السبع التي تسمى السموط لأحد غير هؤلاء فقد أبطل2. وقد سار على رأي المفضل هذا صاحب جمهرة أشعار العرب. والرأي الأول صاحبه في الأصل حماد الراوية، ويرى نولدكه أن السبب الذي حمل حمادًا على ضم الحارث بن حلزة إلى مجموعته3 أن حمادًا كان مولى لقبيلة بكر بن وائل، وكانت هذه القبيلة في عداء دائم مع قبيلة تغلب زمن الجاهلية، ولما كانت قصيدة عمرو بن كلثوم قد لقيت شهرة واسعة لتمجيدها قبيلة تغلب، ولانتشار هذه القبيلة في البلاد لم يسع حمادًا أن يعدل عن اختيارها، ولكن اضطر إلى التفكير في وضع قصيدة أخرى إلى جانبها تشيد بمجد سادته، وهم قبيلة بكر بن وائل، وهكذا اختار قصيدة سليل هذه القبيلة، وهو الحارث بن حلزة.
وهناك بعض الروايات تجمع بين الرأيين فتعد المعلقات تسعة: بإضافة القصيدتين اللتين اختارهما المفضل إلى اختيارات حماد. وأما التبريزي فقد جعل المعلقات عشرًا بإضافة قصيدة لعبيد بن الأبرص.
وكما اختلف في عددها وأصحابها، اختلف في اسمها، فوردت لها أسماء كثيرة هي: المعلقات السبع، والسبع الطوال، والقصائد السبع الطوال الجاهليات، والسبعيات، والمعلقات العشر، والسموط، والمشهورات، والمشهورة، والمذهبات. ولكن الاسم المشهور لها هو: المعلقات.
ويرجع اختيارها في الأصل إلى حماد الراوية، فسماها السموط جمع سمط وهو العقد، وأراد حماد من هذه التسمية الدلالة على نفاسة ما اختاره. والافتخار بخالص اختياره4، وقد اختلف في سبب تسميتها بالمعلقات.
فقيل سميت بذلك الاسم لأن العرب اختارتها من بين أشعارها، لما رأوا من عظيم شأنها، ورفعة قدرها: فأكبروها، وعظموها، حتى بلغ من شدة تعظيمهم لها أنهم كتبوها بالذهب
2 بروكلمان جـ1 ص76.
3 تاريخ الأدب العربي لبروكلمان، ص67.
4 تاريخ الأدب العربي لبروكلمان جـ1 ص67.
على الحرير، ثم علقوها على أركان الكعبة، وقيل بأستارها، يقول ابن عبد ربه5:"لقد بلغ من كلف العرب بالشعر وتفضيلها له أن عمدت إلى سبع قصائد تخيرتها من الشعر القديم فكتبتها بماء الذهب في القباطي المدرجة، وعلقتها بين أستار الكعبة، فمنه يقال: مذهبة امرئ القيس، ومذهبة زهير، والمذهبات السبع، وقد يقال لها المعلقات".
ويقول ابن رشيق"390-463" في كتابه العمدة6: "وكانت المعلقات تسمى المذهبات؛ وذلك لأنها اختيرت من سائر الشعر، فكتبت في القباطي بماء الذهب، وعلقت على الكعبة؛ فلذلك يقال: مذهبة فلان إذا كانت أجود شعره، ذكر ذلك غير واحد من العلماء".
وابن خلدون المتوفى سنة 808 يقول في مقدمته7: "حتى انتهوا إلى المناغاة في تعليق أشعارهم بأركان البيت الحرام موضع حجهم وبيت إبراهيم، كمل فعل امرؤ القيس بن حجر، والنابغة الذبياني، وزهير بن أبي سلمى، وعنترة بن شداد، وطرفة بن العبد، وعلقمة بن عبدة، والأعشى. من أصحاب المعلقات السبع وغيرهم، فإنه إنما كان يتوصل إلى تعليق الشعر بها من كان له قدرة على ذلك. بقومه. وعصبيته. ومكانه في مضر، على ما قيل في سبب تسميتها بالمعلقات".
وقال البغدادي8 "1039-1093": "ومعنى المعلقة أن العرب كانت في الجاهلية يقول الرجل الشعر منهم في أقصى الأرض فلا يعبأ به ولا ينشده أحد، حتى يأتي مكة في موسم الحج، فيعرضه على أندية قريش، فإن استحسنوه روي، وكان فخرًا لقائله، وعلق على ركن من أركان الكعبة، حتى ينظر إليه، وإن لم يستحسنوه طرح ولم يعبأ به، وأول من علق شعره في الكعبة، امرؤ القيس، وبعده الشعراء". ثم قال: "وروي أن بعض أمراء بني أمية أمر من اختار له سبعة أشعار، فسماها المعلقات".
وظاهر من هذه الآراء أنهم يعللون سبب تسميتها بالمعلقات بأن ذلك من تعليقها بالكعبة، وهم يؤيدون تفسيرهم ذلك بأن تعليق الأشياء الهامة على الكعبة كان من دأب العرب،
5 العقد الفريد جـ5 ص269 "وعاش ابن عبد ربه 246-328".
6 جـ1 ص96.
7 ص532.
8 خزانة الأدب جـ1 ص61 طبعة بولاق.
جاهلية وإسلامًا فقد علقت قريش بها الصحيفة التي تآمرت فيها على قطيعة بني هاشم، وعلق بها الرشيد عهده بالخلافة للأمين والمأمون، ولما كانت هذه القصائد موضع الاستحسان والإعجاب من العرب، فقد نالت الاهتمام والإكبار منهم، فعلقوها على الكعبة.
وهناك آراء تنكر خبر تعليقها وتعتقد عدم صحته، وقالوا: إنما سميت معلقات لعلوقها بأذهان صغارهم وكبارهم ومرءوسيهم ورؤسائهم؛ وذلك لشدة عنايتهم بها، فقد كانت مشهورة وتجرى بكثرة على أفواه الرواة وأسماع الناس.
وقيل: إنما سميت بالمعلقات لا لتعليقها بالكعبة؛ وإنما لأن الملك9 كان إذا استجيدت قصيدة الشاعر يقول: "علقوا لنا هذه" لتكون في خزانته. وأقدم من أنكر خبر التعليق على الكعبة أبو جعفر النحاس المتوفى سنة 338هـ، فقد قال في شرحه للمعلقات:"وقيل إن العرب كان أكثرهم يجتمعون بعكاظ ويتناشدون الأشعار، فإذا استحسن الملك قصيدة قال: "علقوها وأثبتوها في خزانتي". ويقول أبو جعفر النحاس أيضًا: "إن حمادًا هو الذي جمع السبع الطوال، ولم يثبت ما ذكره الناس من أنها كانت معلقة على الكعبة"10.
ويعتمد من يرون إنكار خبر التعليق بالكعبة، على أن من يوثق بروايتهم وعلمهم لم يشيروا إلى هذا التعليق، ولا سموا تلك القصائد بهذا الاسم، كالجاحظ والمبرد وصاحب الأغاني والزوزني والتبريزي. ويقولون إن الأسماء التي وردت بها تلك القصائد فيما لدينا من كتب الأدب واللغة إلى آخر للقرن الثالث هي: السموط والسبع الطوال، والسبعيات. أما التسمية الأولى فهي تسمية حماد، وأما الثانية فمن المفضل، وأما الثالثة فهي للباقلاني في إعجاز القرآن.
وأصحاب هذا الرأي يؤيدون إنكار تعليق هذه القصائد على الكعبة بأن الكعبة حين تهدمت وجددت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يرد ذكر ولا أثر لتعليق هذه القصائد في الكعبة. لكن من يرون أنها علقت على الكعبة يردون عليهم بأن تعليقها كان لفترة غير طويلة لا تعدو الموسم الذي قيلت فيه.
ومن الذين ينكرون خبر تعليقها على الكعبة من يقول إن تسميتها بالمعلقات لم يكن لتعليقها
9 العمدة 10/96.
10 إرشادات الأريب لياقوت: حماد.
على الكعبة، وإنما لأن العرب في الجاهلية كانت إذا كتبت شيئًا في الرقاع المستطيلة من الحرير أو الجلد أو نحوهما، فخافت عليه قرض فأرة أو تآكل عثة، طوته على عود أو خشبة، وعلقته في جدار البيت، أو الخيمة، بعيدًا عن الأرض، لحرصهم عليه.
فمن ينكر خبر تعليقها بالكعبة يرى أن سبب تسميتها بذلك يرجع إلى علوقها بالأذهان لأهميتها، أو لأمر الملك بتعليقها أي إثباتها في خزانته، أو إلى تعليقها على جدار المنزل، خوفًا عليها.
ومنهم من يرى أنها سميت بذلك لنفاستها، أخذا من العِلق، بمعنى النفيس الثمين من الأشياء والحلى والثياب11.
وقد ورد التعلق بمعنى الكلف والعشق، كما في قول عنترة في معلقته:
عُلِّقْتُها عَرَضًا، وأَقتل قومَها
…
زعمًا لعَمْرُ أبيك ليس بمَزعمِ12
فعلقتها هنا من العلق والعلاقة وهما العشق والهوى، يقال علق فلان بفلانة إذا كلف بها.
فلعل هذه القصائد سميت بالمعلقات لكلف الناس بها وحبهم لها فكأنهم عشقوها، وتعلقوا بها. وعلى كل، فهذا الخلاف ليس إلا في التسمية، والجميع يتفقون على أصالتها والثقة بها، وعلو درجتها الفنية، ولذلك كانت موضع اهتمام الأدباء في جميع العصور، فحظيت بالدرس والبحث والشرح، لا بين العرب وحدهم بل اهتم بها الأدباء غير العرب كذلك، وقد أورد بروكلمان في كتابه تاريخ الأدب العربي13 سجلًا لهذه الدراسات والشروح العربية والأجنبية، من بينها: شروح: أبي بكر محمد بن القاسم الأنباري، المتوفى سنة 327/939، وأحمد بن محمد النحاس المتوفى سنة 338/950 والحسين بن أحمد الزوزني المتوفى سنة 486/1093؛ ويحيى بن علي التبريزي المتوفى سنة 502/1109، ودراسات ونشر كل من: أرنولد، ليبزج 1850، وليدي بلنت، ومستر بلنت، ونولدكه، وجايجر.
11 راجع رأي Lyall في تاريخ الأدب العربي لبلاشير 157.
12 ديوان عنترة ص16: بيروت 1958.
13 جـ ص68-72.