الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تلألؤ مزنة برقت لأخرى
…
إذا حجلوا بأسياف ردينا555
شددنا شدة فقتلت منهم
…
ثلاثة فتية وقتلت قينا556
وشدوا شدة أخرى فجروا
…
بأرجل مثلهم ورموا جوينا557
وكان أخي جوين ذا حفاظ
…
وكان القتل للفتيان زينا558
فآبوا بالرماح مكسرات
…
وأبنا بالسيوف قد أنحنينا559
فباتوا بالصعيد لهم أحاح
…
ولو خفت لنا الكلمى سرينا560
555 تلألؤ مزنة منصوب مما دل عليه. مشينا ومشوا لأن تلألؤ السلاح من الفريقين وقوله إذا حجلوا من الحجلان وهو أن يمشي الإنسان كالمقيد وردينا من الرديان وهو المشي بسرعة.
556 وقتلت قينا، أي قتلت فارسهم المشهور المسمى قينا.
557 وشدوا شدة أخرى: أي شدوا شدة ثانية بعد ما شددنا قبلهم شدة أولى ورموا جوينا: أي قتلوه
558 ذا حفاظ أي صاحب محافظة على الشرف لم يزل ثابتًا في الحرب حتى قتل فيها وإن قتلته كانت محمودة تزين ولا تشين.
559 فآبوا بالرماح إلخ: أي رجعوا برماحنا مكسرة في أجسامهم ورجعنا بسيوفنا محنية بإعمالنا إياها في البيض والدروع التي عليهم وقت الجلاد معهم.
560 لهم أحاح: أي صوت من صدورهم يشبه الأنين. والأحاح: العطش. الكلمى: الجرحى، جمع كليم أي جريح. سرينا: ذهبنا ليلًا.
من مُثلُهم العليا:
وكانت لهم مثل عليا في حياتهم يتمنى كل منهم أن يترسمها ويحققها، ونراها مبثوثة في ثنايا أشعارهم، وأحيانا كانوا يحاولون أن يجمعها الواحد منهم في وصاياه التي ينصح أولاده باتباعها، ليكون كل منهم نموذجًا للمثل الأعلى للعرب، ومن هذه الوصايا قول عمرو بن الأهتم561:
لقد أوصيت ربعي بن عمرو
…
إذا حزبت عشيرتك الأمور562
بألا تفسدن ما قد سعينا
…
وحفظ السورة العليا كبير563
وإن المجد أوله وعور
…
ومصدر غبه كرم وخير564
561 المفضليات، ص409 ب:5-17.
562 ربعي: ابنه. حزبت: فاجأت ودهمت وثقلت.
563 السورة: المجد والسيادة. يقول له: لا تهدم ما بناه آباؤك من الأجداد. بل صنها وتمسك بها وزد عليها فالمحافظة على الأمجاد وتراث الأسلاف مهمة كبرى.
564 وعور: مشقات وصعوبات. غبة: عاقبته. خير: خير عظيم. يقصد أن المكرمات لا تنال إلا بصعوبة ومشقة، وبناء الأمجاد ليس سهلًا، ولكن عاقبتها شرف وسؤدد عظيم.
وإنك لن تنال المجد حتى
…
تجود بما يضن به الضمير565
بنفسك أو بمالك في أمور
…
يهاب ركوبها الورع الدثور566
وجاري لا تهيننه، وضيفي
…
إذا أمسى وراء البيت كور567
يئوب إليك أشعث جرفته
…
عوان لا ينهنهها الفتور568
أصبه بالكرامة واحتفظه
…
عليك، فإن منطقه يسير569
وإن من الصديق عليك ضغنا
…
بدا لي، إنني رجل بصير570
بأدواء الرجال إذا التقينا
…
وما تخفي من الحسك الصدور571
فإن رفعوا الأعنة فارفعنها
…
إلى العليا، وأنت بها جدير572
وإن جهدوا عليك فلا تهبهم
…
وجاهدهم إذا حمي القتير573
فإن قصدوا لمر الحق فاقصد
…
وإن جاروا فجر حتى يصيروا574
وفي وجوب الوفاء بالوعد، والحرص على رضا الناس، وإكرام الجار، وتحاشي الغيبة، وتجنب الرياء، والتزام الحلم على الجهال، يقول المثقب العبدي575:
565 تجود: تسخو وتسمح. يضن: يبخل ويشح. الضمير: يقصد هنا النفس البشرية.
566 الورع: الخائف المتحرج. الدثور: الخامل النئوم. يهاب: يخشى ويخاف.
567 الكور: كور الرجل، وهو خشبه وأداته، يقول: احفظ جارك. وضيفك، فلا تهنهما، وأكرمهما، حتى في أيام الشدة التي لا يهتم فيها أحد بحفظ الجار. ولا قرى الضيف، فيرمي بأكوارهم وراء البيت. وكان الضيف في العادة إذا نزل بقوم نزل بأدبار البيوت حتى يهيأ له مكانه.
568 يئوب: يرجع ويقصد هنا يأتي. أشعث: في حال سيئة، وأصله اليابس من جفوف الشعر لفقد الدهن. جرفته: أذهبت ماله. عوان: ليست بأول، يقصد مصيبة نزلت به مرة بعد مرة. لا ينهنهها: لا يردها. الفتور: السكون.
569 احتفظه عليك: خص نفسك به. يسير: يشيع وينتشر. يقول: إن مدحك أو ذمك سار قوله في الناس وحفظه الرواة.
570 ضغنا: حقدًا وعداوة. بصير: خبير.
571 أدواء: جمع داء وهو المرض. الحسك: الشوك، ويقصد هنا الحقد والعدواة.
572 رفعوا الأعنة: أعلوها، وهذا مثل، يقصد: إن سابقوك إلى المجد فاسبق إلى المنزلة العليا، وأنت لها كفء، وبها أحق.
573 القتير: رءوس مسامير الدروع. جهدوا: اشتدوا. لا تهبهم: لا تتركهم.
574 قصدوا: توجهوا وأرادوا. لمر الحق: يقصد أن تثبيت الحق والمحافظة عليه من الأمور الشاقة كالأشياء المرة التي لا تقبلها النفس بسهولة. يصيروا: يرجعوا ويعودوا إلى الحق.
575 المفضلية رقم 77.
لا تقولن إذا ما لم ترد
…
أن تتم الوعد في شيء نعم
حسن قول نعم من بعد لا
…
وقبيح قول لا بعد نعم
إن لا بعد نعم فاحشة
…
فبلا فابدأ إذا خفت الندم
فإذا قلت نعم فاصبر لها
…
بنجاح القول إن الخلف ذم
واعلم ان الذم نقص للفتى
…
ومتى لا يتق الذم يذم
أكرم الجار وأرعى حقه
…
إن عرفان الفتى الحق كرم
أنا بيتي من معد في الذرا
…
ولي الهامة والفرع الأشم
لا تراني راتعًا في مجلس
…
في لحوم الناس كالسبع الضرم576
إن شر الناس من يكشر لي
…
حين يلقاني وإن غبت شتم577
وكلام سيّئ قد وقرت
…
أذني عنه وما بي من صمم578
فتعزيت خشاة أن يرى
…
جاهل أني كما كان زعم579
ولبعض الصفح والإعراض عن
…
ذى الخنا أبقى وإن كان ظلم580
وأما خبراتهم بالحياة وثمرات تجاربهم، فقد أودعوها في حكمهم التي تكون في العادة ذات ألفاظ قصيرة ولكن معانيها كثيرة وقد سبق أن أشرنا عند الكلام عن النثر الجاهلي أن الحكم تأتي نثرًا وتأتي شعرًا، وهي في النثر أكثر، ولذلك تحدثنا عنها هناك. وهي في الشعر تأتي منتثرة في ثنايا القصائد حينما تحين الفرصة المناسبة لها في سياق الكلام وقد سبقت لها نماذج كثيرة في المعلقات، وفي الأمثلة الشعرية التي ذكرناها فيما سبق.
ومن ينظر فيها يجد أنها مستقاة من بيئتهم وحياتهم ونظراتهم في الحياة وفي الناس، وهي تدل من ناحية على صدق إحساسهم ودقة ملاحظاتهم، كما أنها تدل من ناحية أخرى على مقدرتهم الفنية القوية في التعبير والتصوير.
576 راتعًا: آكلا بشره. الضرم "بكسر الراء" الشديد النهم.
577 يكشر: يضحك ويبدي أسنانه.
578 الوقر: ثقل في الأذن، أو هو الصمم.
579 تعزيت: تصبرت. خشاة: خشية.
580 الخنا: العيب والفحش.