الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فرد واحد، ولكن في مجموعة، فهي تتغنى بصفات القبيلة المثالية تجاوبًا مع التيار العام السائد في العصر الجاهلي، حيث لا أمان إلا بالقوة والإرهاب، فما هي إلا ذكر المفاخر والأمجاد، وحديث عن الأصل والحسب والشرف والقوة والعزة والصلابة والعناد في هذه القبيلة. وقد انطلق الشاعر في كلامه بقوة وحماسة وحمية تجعل كلا من القارئ والسامع تنتفخ أوداجه، ويشمخ برأسه ويتطاول إلى السماء، كأنما يتمنى أن يكون واحدًا من هؤلاء الموصوفين: عزة وإباءً، وكثرة في البر، ورهبة في البحر.
أما معلقة الحارث بن حلزة فيسيطر الغضب فيها؛ فقد امتلأت جوانح الشاعر غيظًا ألهب عواطفه، فثار ثورة عنيفة، فانطلق يروي ويروي مفصلًا ومبينًا حتى لتحس كأنما يهدد، ويرغي، ويزبد، ويتطاير منه الحمم كبركان ثائر يقذف بالجمر: فضح الخصوم وعدد مخازيهم، وسرد معايبهم في عرض قوي مثير، وأشاد بقومه في لباقة تثير العجب، وتجلى ذكاء الحارث، وعبقريته الفنية في مزجه مدح عمرو بن هند بذمه الأعداء وبفخره بقومه.
وأعتقد أن من أسباب خلود المعلقات، أن كلا منها تشبع غريزة من غرائز النفس البشرية، فهناك حب الجمال في معلقة امرئ القيس، والطموح وحب الظهور في معلقة طرفة، والرغبة في الأمن والاطمئنان في معلقة زهير، وحب البقاء والكفاح في سبيل الحياة في معلقة لبيد، والإعجاب بالشهامة والمروءة في معلقة عنترة، وحب التعالي والعظمة في معلقة عمرو بن كلثوم، والغضب للشرف والكرامة في معلقة الحارث بن حلزة.
بدء المعلقات:
كلها تبدأ بالحديث عن الأطلال وموكب الارتحال إلا معلقة عمرو بن كلثوم، فقد استبدل بالأطلال طلب الصبوح، كأنما يريد أن يغيب عن وعيه فلا يرى ارتحال الظعينة ولا يحس ألم الفراق، والحديث عن الأطلال، والارتحال، من أشد مثيرات الوجدان، فالمكان يترك أثرًا عميقًا في الإنسان والارتحال يفرق بين قلبين إلى مدى لا يدرى كلاهما عقباه، وساكن المكان يشتد حنينه إليه بعد تركه، فإذا مر به اعتراه شعور غريب، وملأه إحساس عجيب، وقد يجد نفسه مدفوعًا إلى الوقوف به أو محاولة الدخول فيه، ومعرفة ما آل إليه، والمكان يعيد لصاحبه ما كان له فيه من ذكريات فينتابه الحنين ويعتريه الأسى، ولا شك أن التأثر يكون
أكثر وأقوى إذا كان للإنسان في هذا المكان ذكريات حلوة جميلة لا أمل في استرجاعها، وبقدر ما فقد المرء من المتعة تكون درجة التأثر عمقًا وشدة، وحينئذ لا غرابة أحيانًا إن سيطر الحزن على الإنسان، أو عصرته اللوعة، أو ملأه الهم والغم، ولا عجب إن حاول التفريج عن نفسه بالبكاء، فلعل الدموع تطفئ نار الوجد، أو تقلل من ثقل الحزن، لهذا أعتقد أن الشعراء الجاهليين كانوا صادقين في تصوير انفعالاتهم بآثار الديار وموكب الارتحال، فذلك تعبير عن مشاعر حقيقة للنفس البشرية في هذه المواقف، ولا شك أن الشاعر في هذه الأحوال يكون في أوج التهيج والانفعال، ومن ثم فليس عجيبًا إن تواردت الخواطر وتتابعت الأفكار وجاء الفيض الشعري الذي نراه في المطولات.
وأصحاب المعلقات الذين بدءوها بالأطلال ومواطن الارتحال، إن اتفقوا في الفكرة فقد اختلفوا في الصورة، فقد لمس كل منهم الفكرة من زاوية خاصة، وعرضها بصورة خاصة، ومن يتأمل هذه المطالع فسيتضح له أن كلا منهم كان يحاول أن يجعل الافتتاحية ملائمة للشعور العام الذي يسيطر عليه في القصيدة كلها.
ففي معلقة امرئ القيس، أطلال لديار عفت وسكنتها الآرام، وظعائن تسير، والشاعر يقف باكيًا حزينًا، وفي معلقة طرفة أطلال تكاد آثارها لا ترى والشاعر واقف بها في أسى ولوعة، والظعائن تسير في موكب ضخم عظيم تشق الوديان في سرعة ونشاط، وعند زهير أطلال أصبحت مواطن أمن واستقرار للبقر والظباء وأولادها فيحييها ويدعو لها بالخير. وظعائن مترفات منعمات يصلن إلى مكان أمين مريح، وعند لبيد ديار تخربت وأصبحت مرعى لقطعان الماشية فلا أمل له منها يرتجى، وظعائن فارقن وقطعن الصلة، أما عنترة فديار حبيبته لها واجب التحية والوفاء، والحبيبة وإن بعدت فلها كل محبة وإكرام، وظعينة عمرو بن كلثوم يسألها عن حقيقة شعورها نحوه: قطيعة أم خيانة للعهد، أما الحارث بن حلزة فقد أعلمته الحبيبة بالرحيل، وقد خلت الديار منها فلا جدوى من البكاء عندها، وذلك يوضح أن الشاعر وإن اتفق مع غيره في الفكرة فإن جانب الانفعال لديه كان يختلف، من هنا تأتي الصورة متغايرة.
ومن ناحية مناسبة البدء لفحوى القصيدة، نجد ذلك متحققًا، مما يدل على أن الشاعر كان ذكيًّا دقيق الإحساس، فمعلقة امرئ القيس لوحات لبعض مظاهر الجمال في الطبيعة والإنسان، وافتتاحيتها حسرة وألم لما فاته من متعة بالجمال، ومعلقة طرفة تصوير للطموح.