المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌بلاد العرب الجاهليين - في تاريخ الأدب الجاهلي

[علي الجندي]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌الجاهليون

- ‌معنى الجاهلية

- ‌بلاد العرب الجاهليين

- ‌العرب القدامى

- ‌مدخل

- ‌العرب العاربة:

- ‌العرب المتعربة:

- ‌العرب المستعربة:

- ‌أنساب العرب

- ‌مدخل

-

- ‌أنساب القحطانيين:

- ‌بنو كهلان:

- ‌قضاعة:

-

- ‌أنساب العدنانين:

- ‌مضر

- ‌قيس عيلان بن مضر:

- ‌ربيعة

- ‌إياد:

- ‌منازل القبائل العربية

- ‌حياتهم ومعيشتهم

- ‌حالتهم السياسية

- ‌حالتهم الإجتماعية

- ‌مدخل

- ‌الكهانة والعرافة:

- ‌ زجر الطير وضرب الحصى وخط الرمل:

- ‌ الاستقسام بالأزلام:

- ‌ الميسر:

- ‌عبادة الأصنام والأوثان:

- ‌ البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي

- ‌حالتهم الدينية

- ‌اتصالاتهم

- ‌معارفهم

- ‌حول الأدب الجاهلي

- ‌حقائق عامة

- ‌لغة الأدب الجاهلي

- ‌مدخل

- ‌ الناحية الدينية:

- ‌ الناحية الاقتصادية:

-

- ‌ الناحية الاجتماعية:

- ‌ عنعنة تميم:

- ‌ قلقلة بهراء:

- ‌ كسكسة تميم:

- ‌كشكة أسد أو ربيعة

- ‌ فحفحة هذيل:

- ‌ وكم ربيعة:

- ‌ وهم بني كلب:

- ‌ جمجمة قضاعة:

- ‌ وتم أهل اليمن:

- ‌ الاستنطاء:

- ‌ شنشنة اليمن:

- ‌ لخلخانية الشحر:

- ‌ طمطمانية حمير:

- ‌ غمغمة قضاعة:

- ‌رواية الأدب الجاهلي

- ‌مدخل

- ‌محمد بن السائب الكلبي:

- ‌ عوانة بن الحكم بن عياض:

- ‌ محمد بن إسحاق:

- ‌4- أبو عمرو بن العلاء:

- ‌ حماد الرواية:

- ‌ المفضل الضبي:

- ‌ خلف الأحمر:

- ‌ هشام بن الكلبي:

- ‌ الهيثم بن عدي:

- ‌ أبو عبيدة:

- ‌ أبو عمرو الشيباني:

- ‌ أبو زيد الأنصاري:

- ‌ الأصمعي:

- ‌ ابن الأعرابي:

- ‌ ابن سلام الجمحي:

- ‌ ابن السكيت:

- ‌أبو حاتم السجستائي

- ‌ ابن قتيبة:

- ‌ السكري:

- ‌المبرد:

- ‌ ثعلب:

- ‌ الطبري:

- ‌ أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري:

- ‌الأصبهاني:

- ‌ المرزباني:

- ‌تدوين الأدب الجاهلي

- ‌مصادر الأدب الجاهلي

- ‌مدخل

- ‌ المعلقات:

- ‌ المفضليات:

- ‌ الأصمعيات:

- ‌ جمهرة أشعار العرب:

- ‌ مختارات ابن الشجري:

-

- ‌ دواوين الحماسة:

- ‌ ديوان الحماسة لأبي تمام:

- ‌ حماسة البحتري:

- ‌ حماسة الخالديين:

- ‌ حماسة ابن الشجرى:

- ‌ الحماسة المغربية:

- ‌ الحماسة البصرية:

- ‌قضية الانتحال في الأدب الجاهلي

- ‌مدخل

- ‌ نوع مقطوع بصحته وأصالته:

- ‌ نوع مقطوع بانتحاله:

- ‌ نوع جاء عن طريق غير موثوق بها:

- ‌ نوع جاء عن طريق رواة موثوق بهم:

- ‌ نوع منسوب إلى جاهلي بدون سند:

- ‌النثر والشعر في العصر الجاهلي

- ‌تمهيد

- ‌النثر الجاهلي

- ‌مدخل

- ‌دواعي النثر الجاهلي:

- ‌الحكم والأمثال:

- ‌المفاخرات والمنافرات:

- ‌الخطابة:

- ‌الوصايا:

- ‌سجع الكهان:

- ‌تعليق عام عن النثر الجاهلي:

-

- ‌الشعر الجاهلي

- ‌مدخل

- ‌نوع الشعر الجاهلي:

- ‌كثرة الشعراء في العصر الجاهلي:

- ‌عدد الشعراء

- ‌الشعراء الأمراء:

- ‌ الشعراء الفرسان:

- ‌ الشعراء الحكماء:

- ‌ومن العشاق:

- ‌ومن أشهر المتيمين:

- ‌ الشعراء الصعاليك:

- ‌ الشعراء اليهود:

- ‌ النساء الشواعر:

- ‌ الشعراء الهجائين:

- ‌ الشعراء الوصافين للخيل:

- ‌ الشعراء الموالي:

- ‌ سائر الشعراء الجاهليين:

- ‌بناء القصيدة الجاهلية والوحدة فيها:

- ‌ معلقة امرئ القيس

- ‌ معلقة طرفة بن العبد

- ‌ معلقة زهير بن أبي سلمى

- ‌ معلقة لبيد بن ربيعة

- ‌ معلقة عنترة العبسي

- ‌معلقة عمرو بن كلثوم

- ‌معلقة الحارث بن حلزة

- ‌التعليق على تحليل المعلقات:

- ‌الشعور العام في المعلقات:

- ‌بدء المعلقات:

- ‌العرض الشعري في المعلقات وقيمتها:

- ‌أغراض الشعر الجاهلي

- ‌مدخل

- ‌الوصف:

- ‌الفخر:

- ‌الهجاء والوعيد والإنذار:

- ‌المدح:

- ‌الرثاء:

- ‌الاعتذار:

- ‌الغزل:

- ‌في الحياة والناس:

- ‌المنصفات

- ‌من مُثلُهم العليا:

- ‌الصعاليك:

- ‌الشعر ديوان العرب:

- ‌الظواهر العامة في الشعر الجاهلي

- ‌مدخل

- ‌المادية والحسية:

- ‌البساطة في التفكير:

- ‌الصلة بالبيئة:

- ‌وحدة المعاني وتنوع الصور:

- ‌الصدق والدقة:

- ‌الحياة والحركة:

- ‌الفن القصصي:

- ‌الروح الجماعية:

- ‌المحافظة على التقاليد الشعرية:

- ‌العناية بالألفاظ والعبارات

- ‌المحسنات البلاغية:

- ‌المراجع

- ‌جداول الأنساب

- ‌محتويات الكتاب

الفصل: ‌بلاد العرب الجاهليين

‌بلاد العرب الجاهليين

تقع بلاد العرب في أقصى الجنوب الغربي من قارة آسيا، وهي التي تعرف بشبه الجزيرة العربية، ويحدها من الشمال بلاد الشام، ومن الشرق الخليج العربي، ومن الجنوب المحيط الهندي، ومن الغرب البحر الأحمر.

وكانوا قديمًا يقسمون هذه البلاد أقسامًا بحسب الارتفاع والانخفاض، وأهم الظواهر الطبيعية البارزة في شبه الجزيرة العربية هي سلسلة جبال السراة، وهي أعظم جبال العرب وأشهرها، وتخترق شبه الجزيرة من الجنوب إلى الشمال، على محاذاة الساحل الغربي، فتمتد من أقصى اليمن حتى تبلغ أطراف بوادي الشام، وتقسم شبه الجزيرة العربية قسمين، قسمًا شرقيًّا وآخر غربيًّا، ونظرًا لقربها من الساحل الغربي فإن انحدارها إليه شديد وقليل، وانحدارها إلى الجهة الشرقية خفيف وتدريجي. فما انحدر منها إلى جهة الغرب إلي شاطئ البحر الأحمر كان يسمى "الغور" أو "تهامة"، وهذه هي المنطقة الساحلية الغربية، وتمتد من أقصى الجنوب إلى خليج العقبة، وتقال أحيانًا مضافة إلى القسم الذي تحاذيه، فيقال: تهامة اليمن، وتهامة عسير، وتهامة الحجاز. وتضيق هذه المنطقة في بعض الأماكن وتتسع في أماكن أخرى، وأقصى اتساعها أربعون ميلًا. وأكثر هذه المنطقة شديد الحرارة، قليل الإنبات، وجميع المدن الساحلية تقع في هذه المنطقة1.

وما ارتفع بعد هذه الجبال إلى جهة الشرق، يسمى نجدًا. ومن هنا كان قولهم:"أغار وأنجد" أي ذهب إلى الغور والنجد.

وسلاسل جبال السراة نفسها سميت: حجازًا لأنها حجزت بين تهامة ونجد2 ويتخلل أرض الحجاز كثبان رميلة وآكام خصبة، وهي مساكن القبائل، وحولها قرى وضياع، وبمنحدراتها توجد عيون مياه تنبت حولها بعض الحبوب ومراعي الماشية.

1 قلب جزيرة العرب، ص9.

2 وقال الأصمعي: إنما سمي حجازًا لكثرة الحرار فيه، لأن أهل الحرة يحتجزون بها من الخيل "مفضليات أوروبا 415".

ص: 13

والجزء الذي ينتهي به نجد في الشرق حتى يصل إلى الخليج العربي، كان يسمى العروض، ويشمل البحرين واليمامة وعمان.

وكان القسم الجنوبي يسمى "اليمن" -وقيل سمي بذلك لأنه عن يمين الكعبة، وأحيانًا يسمى اليمن الخضراء لكثرة أشجارها وزروعها- وكان يشمل حضرموت والشحر.

وطول بلاد العرب من الشمال إلي الجنوب 1400 ميل، وعرضها نحو 800 ميل، ومساحتها نحو 120.000 ميل مربع، وشواطئها قليلة بالنسبة إلى مساحتها لأنها منتظمة غالبًا، قليلة الخلجان والمواني الجيدة، وهي رملية منخفضة على سواحل الخليج العربي، صخرية وعرة تجاوزها الجزائر المرجانية والصخور الغائصة تحت الماء قليلًا أو كثيرًا على البحر الأحمر.

وشبه الجزيرة على العموم نجد كبير واسع الأطراف، يأخذ في الانخفاض التدريجي إلى الشرق، حتى ينتهي إلى أرض العراق والجزيرة والخليج العربي، وقلما تجد ناحية منها يقل ارتفاعها عن 1500 قدم على سطح البحر، وفي اليمن والجهات الوسطى من نجد ما يصل ارتفاعه إلي 7000 قدم، وبها كثير من السلاسل الجبلية3.

وفي القسم الجنوبي الشرقي من داخلية بلاد العرب بادية منخفضة، تعرف بالأحقاف أو الربع الخالي، وهي صحراء رملية، وفي الشمال توجد صحراء النفود وهي متصلة ببادية الشام وهي حصباوية صخرية.

وبلاد العرب قليلة المياه، ليس بها أنهار عظيمة، ويتخلل سلاسل الجبال الغربية بعض الجداول جارية إلى البحر الأحمر، وأكثرها أودية تنضب أيام الجفاف، بل وتذهب معالمها. ومناخ البلاد قاري، شديد الحرارة في أغلب فصول السنة لوقوع أكثر البلاد في المنطقة الحارة، وأكثر أمطار اليمن تقع بين منتصفي يونيه وسبتمبر، وأمطار عمان تسقط عادة بين منتصفي نوفمبر وديسمبر، حيث تكون الرياح الموسمية شمالية شرقية، وبلاد حضرموت توازي شواطئها هذه الرياح في رواحها وغدوها فلا تمطرها4. وجبال الحجاز تهطل فيها الأمطار في الخريف، من أواخر أغسطس إلى أواخر ديسمبر وفي نجد تهطل في ديسمبر ويناير وفبراير5.

والأمطار في بلاد العرب على العموم قليلة، ولذلك قلت فيها الأنهار، أو عدمت والسمة

3 تاريخ العرب القدامى: ص 5.

4 تاريخ العرب القدامى. ص 6

5 قلب جزيرة العرب. ص 60.

ص: 14

الظاهرة في شبه الجزيرة العربية الجفاف، وقلة الزراعة والنباتات، ولذلك يهتم الناس جدًّا فيها بالأمطار، وينتظرونها بفارغ الصبر، ففيها الخير والحياة لهم ولأنعامهم، ومن ثم فهم يترقبون هطولها، ويتناقلون أخبارها، فيتطلعون إلى حركات السحب، والعواصف الجالبة لها، فإذا هطل الغيث سري عنهم، واطمأنوا على سنتهم أنها سنة خير وخصب. والبداة أكثر الناس اهتماما بالأمطار، يتوقعونها، ويستخبرون عن أماكن نزولها، لكي ينتقلوا إليها بماشيتهم التي هي عماد حياتهم، ونظرًا لأنهم أكثر الناس اهتمامًا بالأمطار تراهم يعلمون بالفصول ويقسمونها أقسامًا، ولكل قسم اسمه الخاص به6.

وبطبيعة الحال توجد المراعي في الأماكن التي تسقط فيها الأمطار، ولكن الزراعة التي تستوجب استقرار السكان معها لا توجد إلا في البقاع التي تكثر فيها الأمطار أو ينابيع المياه، وكما في أغلب جهات اليمن، وفي الواحات التي توجد في الأودية والسهول فتبنى القرى حيث يسكنها أصحابها، ويقيمون فيها، ولا يظعنون عنها. وتوجد الأشجار في سفوح الجبال، ولكن ليس في بلاد العرب غابات، لأنها لا توجد إلا حيث تسقط الأمطار بغزارة وعلى الدوام، ويكثر النخيل في الحجاز، ولا يزال شجر اللبان يزدهر على الهضاب المحاذية للساحل الجنوبي لا سيما في مهرة، ويوجد في البادية: عدة أنواع من شجر السنط والأثل والغضا والطلح الذي يستخرج منه الصمغ العربي، كما توجد الكمأة، وأما شجرة البن التى تشتهر بها اليمن اليوم فقد أدخلت إلى بلاد العرب الجنوبية من الحبشة في القرن الرابع عشر7، هذا إلى جانب أشجار الفواكه وغيرها التي تنبت في الأماكن الخصبة، مثل البطيخ، والعنب والتين والخوخ والسفرجل، والزيتون والورود.

ولقلة الغابات فيها قلت حيواناتها الوحشية، وإن كان يوجد في جبالها النمر والضبع والذئب وابن آوي، كما يوجد في صحاريها الحمار الوحشي والنعام والغزلان، وبقر الوحش والظباء.

أما الحيوانات الأهلية، فهى من أهم مصادر الثروة عند العرب، ومن أهمها: الإبل والخيل والغنم والمعز والبقر. كما يوجد فيها الكلاب والقطط.

وفيها من الطيور: الحمام، واليمام، والقطا. والغراب، والحدأة، والصقر، والنسر، والعقاب، والجراد في بلاد العرب كثير.

6 المرجع السابق ص61.

7 فيليب حتى جـ1ص 22.

ص: 15

ومن الزواحف: العقارب والثعابين والسلاحف.

ويصاد السمك من البحار، وهو في شواطئ عمان كثير جدًّا. ومثله السلاحف البحرية، ويستخرج اللؤلؤ من جهات عمان، والمرجان من سواحل البحر الأحمر.

والواحات، باستثناء مكة، منتشرة شرقًا في اليمامة ومنطقة الخليج العربي، أو غربًا في وادي القرى حتى تبلغ يثرب، وتلك هي مراكز القوافل التي تعين مراحل الطرق الطبيعية الكبرى ونهايتها.

وأهم الطرق على العموم طريق التوابل المعروفة منذ القرون الوسطى، وهي التي تبدأ من حضرموت مارة بمأرب، وتقف عند نجران، ثم تنشعب إلى طريقين، طريق تتجه نحو اليمامة فتصل الحيرة والفرات، والثانية تتجه نحو الشمال مارة بمكة ويثرب وواحات وادي القرى منتهية عند البطرة، وهذه أيضًا تنشعب إلى طريقين، تتجه الأولى إلى غزة، والثانية إلى بصرى ودمشق8.

وطرق القوافل معروفة من قديم بين مكة والشام واليمن والعراق ومصر، وكان لتجارة الحبشة طريق مسلوك من جدة على البحر الأحمر إلى القطيف على الخليج العربي لجلب اللؤلؤ9.

وكانت الرياح الموسمية سببًا في رواج الملاحة وتقدم التجارة منذ الأحقاب القديمة، وكانوا أولًا يسيرون بالقرب من الشاطئ، ثم تقدموا إلى جهة إفريقيا الشرقية، وما زالوا يتوغلون حتى بلغوا الهند الشرقي والهند الأقصى.

وكانوا ينقلون من الجنوب "اليمن وحوض المحيط الهندي وإفريقية الشرقية": اللبان والطيب والبخور والجلود وثياب عدن النفيسة وتوابل الهند ورقيق إفريقية والصمغ والعاج، كما كانوا ينقلون من الطائف: الزبيب، ومن مناجم بني سليم: الذهب كل ذلك كانوا ينقلونه إلى حوض البحر المتوسط، ويعودون محملين بالأسلحة والقمح والزيت والخمر والثياب القطنية والكتانية والحريرية10.

8 تاريخ الأدب العربي للدكتور بلاشير، وتعريب الدكتور إبراهيم الكيلاني ص21.

9 تاريخ العرب القدامى ص8.

10 تاريخ الأدب في العصر الجاهلي للدكتور شوقي ضيف ص 76.

ص: 16

وحيث كانت توجد أسباب الرزق الثابتة، استقر القوم، فبنوا المدن والقرى، وأقاموا بها، ومن أشهر هذه المدن:

صنعاء في اليمن وهي العاصمة، وكان اسمها في الجاهلية: أزال. وصنعاء كانت تحاكي دمشق الشام لكثرة مياهها وأشجارها، وكان فيها قصر غمدان، وله غرف شهيرة يسمونها المحاريب، وهو محكم البناء عجيب الارتفاع، وفيه ما لا يوصف من الخزف والصنائع الغريبة. وفي اليمن قصور أخرى كثيرة، منها: ناعظ قصر ملوك همدان، وبينون: قصر بناه تبع الذائد بأرض عنتر، وصرواخ لسعد بن خولان، وقصر العشب، وقصر العنقاء، وقصر موكل في المشرق.

وفي اليمن زبيد، وهي قصبة التهائم، وموضعها في مستوى من الأرض، والبحر عنها أقل من يوم، وفيها نخل، وكان عليها سور دائر فيه ثمانية أبواب، وهي إلى القرب من صنعاء، ولها فرضة على البحر تسمى علافقة، وبينها وبين البحر خمسة عشر ميلًا. وإلى الجنوب منها على شط البحر أيضًا مدينة المخا التي يجلب منها البن.

وكانت توجد مدينة سبأ وهي مدينة مأرب. وتقع إلى الشمال الشرقي من صنعاء، وبينهما ثلاث مراحل، وكان بها سد مأرب ذو الشهرة التاريخية، وكانت مدينة طيبة الهواء، عذبة الماء، موفورة المتنزهات، كثيرة البساتين والخيرات، وبقربها وجد الباحثون من الفرنسيين والإنجليز سنة 1875 الآثار المسطرة على الصخور بالخط المسند المعروف بالخط الحميري.

أما عدن فهي من مدن اليمن التهامية، وهي أقدم أسواق العرب.

ومدينة نجران فيها كعبة نجران، وهي قبة عظيمة، يقال إنها كانت تظلل ألف رجل، وكان إذا نزل بها مستجير أجير، أو خائف أمن، أو جائع أشبع أو طالب حاجة قضيت، أو مسترفد أعطي ما يريد.

ونجران قطعة عظيمة ذات نخيل وأشجار على القرب من صنعاء، ويقال: هي جبال من شمال اليمن إلى شمال صعدة، تبعد من صنعاء نحو عشر مراحل، وكانت من بلاد همدان بين قرى ومدائن وعمائر ومياه11،

وكانت نجران سوقًا مهمة جدًّا، ومركزًا لتوزيع المنتجات، وتصدير التجارة إلى الخارج،

11 بلوغ الأرب جـ1 ص 206.

ص: 17

ومنها تتفرع الطرق البرية التي يسلكها التجار في ذلك العهد إلى بلاد الشام أو العراق، ولمركزها الاقتصادي الخطير وفد إليها الغرباء، فجلبوا معهم اليهودية والنصرانية إلى اليمن، وفي هذا المكان اشتد التنافس بين الديانتين اليهودية والنصرانية، حتى تحول إلى مذابح سقط فيها صرعى من الجانبين، وكانت نجران أيضًا ذات شأن في الصناعة في اليمن12.

وفي اليمن صعدة، وكانت تسمى في الجاهلية "جماع" وتشتهر بالنصال الصاعدية،

وظفار من مشاهير بلاد اليمن، وبينها وبين صنعاء أربعة وعشرون فرسخًا، وعلى شمالها رمال الأحقاف التي كان بها عاد، وهي قاعدة بلاد الشحر ويوجد في أرضها كثير من النبات الهندي، وفيها بساتين، كما يوجد في سواحلها "العنبر"13.

ومن مدن الحجاز14 مكة، وهي بعد ثمانية وأربعين ميلًا من البحر الأحمر، وبها بيت الله الحرام، وكان مقصد جميع القبائل في موسم الحج كل عام، وتحيط بها الجبال فمن الشرق جبل أبي قبيس، ومن الغرب الجبل الأحمر، وكان يسمى الأعرف، وفي شرقيه قيقعان، ومن الجنوب جبل أجياد، ويسلك الناس إليها ومنها شعاب هذه الجبال، وهي في وادٍ صخري وصفه القرآن بأنه غير ذي زرع، فاعتمد أهلها على التجارة وقد كانت صلات تجار مكة بالروم والغساسنة والحبشة حسنة جدًّا15.

كما كان لموقع مكة، وظروفها الدينية وبخاصة عندما ساءت الحالة العامة في اليمن أثر كبير في انتعاش التجارة في مكة وكانت قبيل الإسلام مسكنًا لقريش، فمنهم من نزل حول الكعبة فسموا بقريش البطاح، وهم: هاشم، وأمية، ومخزوم، وتيم، وعدي، وجمح، وسهم، وأسد، ونوفل، وزهرة، وكانوا أصحاب النفوذ فيها، ومنهم من كانوا ينزلون وراءهم في ظاهر مكة فعرفوا بقريش الظواهر، وهم: بنو محارب، والحارث ابنا نهر، وبنو الأدرم بن غالب بن فهر، وعامة بني عامر بن لؤي، وغيره16، وكان معهم أخلاط من صعاليك العرب والحلفاء والموالي والعبيد، وكان أكثرهم من الحبشة17.

1 جواد علي جـ8 ص 199.

13 بلوغ الأرب جـ1 ص 206.

14 يعدها بعض الباحثين من تهامة.

15 الأغاني، دار الكتب، جـ1 ص 65

16 يعدها بعض الباحثين من تهامة.

17 تاريخ العرب لجواد علي جـ4 ص 191.

ص: 18

ومن مدن الحجاز يثرب، وكانت شمالي مكة على بعد ثلاثمائة ميل، وهي من البلاد القديمة الوضع والتأسيس، ففي كتاب نشر المحاسن اليمانية كانت مدينة يثرب للعرب، فخرج إليها قوم من بني إسرائيل في زمن موسى بن عمران عليه الصلاة والسلام ففتحوها من العرب العاربة، وقتلوا ملكًا لهم يسمى الأرقم وأقاموا فيها ما شاء الله. حتى افترقت الأزد من مأرب في حادثة سيل العرم، فنزل الأوس والخزرج يثرب على الإسرائيليين ولهم ملك يقال لهم القطيعون فقتلوه، وكان قاتله سيد الحيين أعني الأوس والخزرج واسمه مالك بن العجلان. وهو ابن عم سالم بن عوف الخزرجي، فلما قتل الملك وقعت الصيحة باليهود، فقتلوهم أبرح القتل، وأبقوا منهم بعض القوم لعمارة الأراضي18 ويرى الدكتور جواد علي أنه ليس هناك سند على ما يرويه الأخباريون عن مجيء اليهود إلى يثرب في أيام موسى، ويقول:"أما ما يرويه بعض يهود الحجاز عن مجيء اليهود إلى المدينة عند ظهور ملك الروم على إسرائيل ففيه شيء من الحق"19. ويثرب تقع في وادٍ خصب تكتنفه المرتفعات، وتكثر فيه الآبار والعيون فكان جوها معتدلًا وكثرت فيها الزروع والأشجار والنخيل والثمار والخيرات فكانت من أمهات المراكز الزراعية ببلاد العرب.

وفي الحجاز كذلك الطائف، وهي على بعد خمسة وسبعين ميلًا من الجنوب الشرقي لمكة على ارتفاع ستة آلاف قدم، وتعتبر بستان مكة، ولفواكهها شهرة عظيمة، وكانت تنزلها قبيلة ثقيف، وكانت مصيفًا طيبًا للقرشيين، وقد عد الهمداني في كتابه "صفة جزيرة العرب" الطائف من تهامة اليمن، وقال إنها كانت مشهورة بالدباغ. وكانت حاصلاتها تشمل العسل والبطيخ والموز والعنب والتين والزيتون والخوخ والسفرجل واشتهر وردها بالعطر الذي كان يمد أهل مكة بما يحتاجون إليه من الطيب20.

ومن بلاد الطائف عكاظ، وهي نخل في واد بينه وبين الطائف ليلة وبينه وبين مكة زادها الله تعالى شرفًا ثلاث ليالٍ، وبه كانت تقوم سوق العرب بالابتداء وبه كانت أيام الفجار، وكانوا يطوفون بصخرة هناك ويحجون إليها. وذو المجاز: ماء من أصل كبكب وهو لهذيل.

وقال أبو عبيدة الواقدي، عكاظ بين نخلة والطائف وذو المجاز خلف عرفة، ومجنة بمر

18 بلوغ الأرب جـ1 ص 189.

19 تاريخ العرب قبل الإسلام: جـ4 ص 182.

20 تاريخ العرب لفيليب حتى، جـ1 ص143.

ص: 19

الظهران.. وفي الحجاز أيضًا من البلاد خيبر، وهي مدينة كبيرة ذات حصون ومزارع على ثمانية برد من المدينة إلى جهة الشام، وذكر أبو عبيد البكري: أنها سميت باسم رجل من العماليق نزلها. وكان فيها قبائل من اليهود المتعربة، وكانوا يوصفون بالمكر والخبث، وقيل كانت للعمالقة، ثم صارت لبني عنترة بن أسد بن ربيعة، وكانت رديئة الهواء كثيرة الوخامة دائمة الوباء.. وخيبر هذه كانت كثيرة النخل، يحمل منها التمر إلى الجهات القصوى21.. وإلى شرقي المدينة جبلا طيئ وهما أجا وسلمى، وذكروا أنهما اسما شخصين من العرب، وكان أحدهما وهو "أجا يعشق سلمى".

"ومن مدن تهامة: ينبع وهي مدينة قريبة من البحر كانت منزلًا لبني الحسن بن على بن أبي طالب.. وبقربها جبل رضوى الذي يحمل منه حجر المسن إلي الآفاق، وأما جدة فهي على البحر الأحمر، وهي فرضة "ميناء" مكة، والحديبية، قيل بعضها في الحل، وبعضها في الحرم، وتبوك على نصف المسافة بين المدينة ودمشق"22.

وفي العروض: اليمامة، وهي مدينة أقل من مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم في المقدار.. وهي أكثر نخلا من بلاد الحجاز، وفيها مياه كثيرة ومنها كان مسيلمة الكذاب، ومنها أيضا زرقاء اليمامة، وكانت مشهورة بحدة البصر ومزيد من الفطنة والذكاء.

أما بلاد البحرين: فقطر متسع كثير النخل والثمار، والمشهور فيها من البلاد: هجر، وكانت هذه البلدة قاعدة البحرين، وخربها القرامطة عند استيلائهم على البحرين، وبنوا مدينة الأحساء، وهي مدينة كثيرة المياه والنخيل والفواكه23. وعلى ساحل الخليج العربي كانت توجد الخط24 المشهورة وإليها تنسب الرماح الخطية.

وفي نجد بلاد كثيرة وفيها أرض العالية التي كان يحميها كليب بن وائل، قال ابن الأعرابي: نجد اسمان: السافلة والعالية، فالسافلة ما ولي العراق، والعالية ما ولي الحجاز وتهامة.

21 بلوغ الأرب جـ1 ص 191-192.

22 بلوغ الأرب ص 195.

23 المرجع السابق ص 196.

24 قيل الخط: جزيرة بالبحرين، وقيل غير ذلك "راجع شعر الحرب للمؤلف".

ص: 20